جدول عادي مع مغيب شمس يوم السبت المنصرم الموافق للسادس والعشرين من شهر آذار الذي يذكرنا بغياب شمس الخلافة اخترمت المنية روح أخينا الطيب الداعية المجاهد عدنان عبدالحافظ مصباح مسودة…
مع مغيب شمس يوم السبت المنصرم، الموافق للسادس والعشرين من شهر آذار الذي يذكّرنا بغياب شمس الخلافة، اخترمت المنية روح أخينا الطيب الداعية المجاهد عدنان عبدالحافظ مصباح مسودة الخليلي المولد......الدمشقي الدراسة .....الإنساني هَمّاً واهتماماّ.
وأجد لزاماً عليّ أن أشيد بمناقبه لتتعرف عليه الأجيال الحالية والقادمة، تأسياً بالقران وسنّة النبي العدنان التي علّمتنا ذكر محاسن موتانا لنتأسّى بهم، ونتشبّه بفعالهم عملاً بقول الشاعر:
تشبّهوا إن لم تكونوا مثلَهُم إنّ التشبّهَ بالكرامِ فلاحُ
والقرآن من قبلُ يهتف بنا وينادي: "أُوْلَئِكَ الَذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ".
وكتاب البخاري ومسلم يحوي بين دفتيه عشرات الصفحات في ذكر محاسن الأصحاب الكرام ضمن عنوان "كتاب المناقب".
وأستهل هذه المقالة بما جاءت به قريحة أبي الحسن النبهاني معزياً صديقاً له بفقد فلذة كبده، وأفضل ولده فخاطبه قائلاً:
حُكم المنية في البريّة جاري مـا هذه الدنيا بدارِ قرار
بينما يرى الأنسان فيها مخبراً حتى يرى خبراً من الأخبار
طُبعت على كدرٍ وأنت تريدُها صفواً من الآلام والأكدار
ومكلف الأيام ضدّ طباعها متطلبٌ في الماء جذوةَ نار
وكما علمنا حبيبنا النبيّ العدنان عند وقوع مصيبة الموت المسارعةُ إلى سفينة الحمد...... فالحمد لله الذى قضى الموت على كلّ المخلوقات.... بأقوى صيغ العموم وأبلغ أساليب التوكيدات في كتابه المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه...... فهذا القران يُعلنها مدويةً صريحةً بأنّ :" كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ "، ويكرر هذا الخطاب في كتاب ربّ الأرباب مخاطباً فيه أولو النهى وأصحاب الألباب، وذلك في قوله جلّ وعلا: " كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ ". ويتوج القهّار سبحانه وتعالى هذا القانون الكلّي الحتمي العام بالقول صراحة ودون مواربة :" كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ "
والصلاة والسلام على القائل :"اذا عظمُت عليك أيها المؤمن مصيبة فتذكّر مصيبتك في رسول الله - أي في وفاة المصطفى (ص) . والذي علّمنا أن نقول إذا نزلت مصيبة الموت بفقد عالمٍ أو داعيةٍ أو مربٍّ أن نقول: "إنّ القلب ليجزع ، وإنّ العين لتدمع ، وإنّا لفراقك يا أبا العبد لمحزونون....ولا نقول إلا ما يرضى الله سبحانه ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون....فاللهمّ أجرنا في مصابنا هذا بأبي العبد، واخلفنا خيراً منه.
ولقد سمّى القرآن فقْدَ الكرام نقصاناً للأرض من أطرافها وذلك في قول المولى جلّ وعلا في سورة الرعد: " أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ "، كذلك في سورة الأنبياء الآية أربع وأربعون.
وأوجه كلماتي هذه أولا: لأمّ العبد الزوجة المكلومة بفقد شريك الحياة الملآى بالخير ...الحلو منها والمرّ ... ذلك لأنّ المصطفى (ص) قال: "إنّ زوج المرأة منها لبمكان".. وذلك عندما نُعي إلى زوجة مصعب بن عمير أبوها - وذلك في غزوة أحد - فاسترجعت واحتسبت...ثم نُعي لها أخوها: فاسترجعت واحتسبت...ثمّ نُعي لها زوجها : فلم تُطق صبراً إذ علا نشيجها وصرخت، فقال الحبيب المحبوب لحظتها: "إنّ زوج المرأة منها لبمكان".
ثمّ نخصّ هذه الكلمات لأبناء وبنات الفقيد الغالي... وكذلك إلى أشقائه الصلبيين والدعويين....ولآل مسودة الكرام أجمعين بل ولكلّ مسلم ومسلمة مصداقاً لقول الحقّ جلّ وعلا :" إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ". ولأنّ "مَثلُ المؤمنين في توادهم وتراحُمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد اذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسد بالحمّى والسهر"...وعلينا أن ّنعلم يقيناً بأنّ المصاب في الداعية المربي مصابُ الجميع...وإنّ أول من سيبكي أستاذنَا ومربينا "أبا العبد" هو مسجد ابراهيم الخليل - عليه السلام-، ومحرابه ، وإسحاقيته، وصحنه، ويعقوبيته، ويوسفيته، وجاوليته.... فلطالما كان أخونا أبو العبد يصلي الفجر فيه، رغم بعد الشقة، وخطورة التردد عليه، وهو المطلوب الدائم لمن يدنسونه ويهودونه، ولطالما كان يُشجع غيره على غشيان هذا المسجد المحزون ويتصل بهم من قبل الفجر، ويحضر بسيارته إلى بيوتهم لاصطحابهم معه للصلاة فيه .... وإني لاعترف بأنّي ما تجرأت على فعل ذلك إلا من جراء تشجيعه لي على الإقدام مذكراّ إياي والكثيرين من أمثالي بقول الحق جل وعلا :" وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ".
ولم يكن فقيدنا عليه رحمات الله رجل تنظير وكلام ...وإنما رجل أفعال وأقدام...وشعاره دوماً: إن أردت أن تكون إمامي فكن أمامي ...وكان كذلك.
وكذلك سيبكيك قلب مدينة الخليل الذي أصابه التهويد والتشريد والتطريد...لسكانه وتجاره... والمراد بقلب مدينة الخليل: المدينة أو البلدة القديمة والتي يمثل فيها المسجد الإبراهيمي مكان القلب. ولئن سأل سائلٌ سؤالاً: ولماذا ستبكيه البلدة القديمة من مدينة الخليل ...ومحراب أبينا إبراهيم ؟ فالجواب: لأنّه طالما تحرّك فقيدُنا أبوالعبد يمنة ويسرة حاملاً قضية مقاومة تهويد البلدة القديمة بالعمل لا بالقول فقط، فلكم شجّع عربَ الداخل -أعني أحبتنا وإخواننا داخل الخط الأخضر - لتسيير القوافل لشقيق المسجد الأقصى التوأم وهو المسجد الإبراهيمي في الخليل، ولكم سعى جاهداً بالاتصال بمنظمة المؤتمر الإسلامي وغيرها من الهيئات الأهلية الخيرية الإسلامية العالمية لتبني قضية دعم وصمود التجار والسكان فيما أصبح يعرف بمصطلح" "H2 ضمن اتفاق الخليل المشؤوم الذي أُبرم بين الذئب والحمل، أي بين المحتل والاحتلال، فتمّ تقسيم مدينة الخليل بين المستوطنين الغاصبين الغرباء بإعطائهم القلب والروح من مدينة الخليل .... وإعطاء الطرف الفلسطيني العظام والسقط.
وكانت فكرة الفقيد تقوم على وجوب دعم أهل الثغور، والمرابطين في الصف المتقدم، كما يفعل الآخرون بدعم سكان البلدات المحاذية لمناطق القتال على أطراف دولتهم... فنحن أولى بدعم وصمود المرابطين منهم....وكان يطالب تخصيص مبالغ مالية شهرية لكلّ من يقف صامداً بالسكن هناك، أو فتحه محله التجاري....وليس مهما إيتاءُ الأُكُل لهذه المساعي...فالأجر على السعيّ... وليس على الأثمار والنتائج....وهذا الشاعر يقول:
عليّ أن أسعى وليس عليّ إدراكُ النجاح
وهذا النبي يحدثنا بأنّه يأتي النبي يوم القيامة وليس معه أحد، وهو من هو منزلة عند الواحد الأحد.
إنّ أبا العبد كتابٌ ضخمٌ، وسفر لا تنتهي صفحاته في الخير، والكثير منها مجهول ... لكن تلك الصفحات عند الذي أقدم عليه معلوم ومقدور .... وكيف لا يكون كذلك وهو سليل بيت علم ودين ...فمن جده الحاج مصباح ورث التصوف الصافي، والنهل من بحار الأذكار، ما كان عوناً له في بطن الحوت عام تسع وثمانين وتسعمائة وألف .. وعلّمنا أن نكثر من الاسترجاع عند وقع المصيبة ، ولا بدّ أن المكثر من قول : "إنا لله وانا إليه راجعون" ، سيجنى ثمارها الثلاث والمشار إليها في قول الحقّ جلّ وعلا: "أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ " وذلك ضمن سياق قول الحقّ جلّ وعلا :"الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ ". ومن علامات تأثره بالتصوف الصافي عن جده القصائد الروحانية والأناشيد الدينية التي كنّا نرددها معه أثناء الإبعاد إلى مرج الزهور عام اثنين وتسعين وتسعمئة وألف عندما تمّ الإبعاد للمئات من صالحي وعلماء أرض الإسراء والمعراج ومن هذا النشيد الروحاني الجميل :
ما مدّ لربّ الكون يداً أحدٌ إلا وبه سعـدا
فلذاك مددُتُ إليه يدي وبذلك كنت من السعدا
وكذلك ورث من أبيه المرحوم الحاج عبد الحافظ حبّ دعوة الإخوان ، إذ يُعتبر والده من الرعيل الأول ممن سكنت في قلبه وملأت جوانحه دعوة الإمام الشهيد حسن البنا .. وكذلك يُعتبر فقيدنا تلميذ العمالقة، إذ على يد العمالقة في ستينيات القرن الماضي تربّى في دمشق الفيحاء ... وهم الدكتور مصطفى السباعي – أبو حسان – والداعي عصام العطار والذي طالما كان طالبُ الطبّ الفلسطيني هذا مؤذناً بين يديهم في خطبة الجمعة في مسجد جامعة دمشق.
وأما عن إعادة إحيائه لصفوف الإخوان في الخليل خصوصاً، وفلسطين عموماً بعد عودته طبيباً - في أوائل السبعينيات- فحدّث ولا حرج، فهو الفارس المُجلى ،وصاحب القدح المُعلّى...ولا أكتمكم سراً أنني حسنة من حسناته- هذا إذا كنت حسنة-، فلم أسمع بالإخوان وبسيّد قطب إلا منه وأنا في أوائل عقدي الثاني من العمر عندما كان جاراً لنا في حارة "عين عرب" حيث كان يسكن في بيت مجاور لنا بالأجرة.
وفي الختام نعزّي أنفسنا قبلكم يا آل مسودة الكرام، ويشاركني في العزاء كلّ الأسرى والمعتقلين في سجون المحتلين الظالمين عموماً، وأسرى الحركة الإسلامية خصوصا.. خاصّة في سجن النقب الصحراوي-سجن الوخزات والآلام وهذا هو معنى كلمة كتسيعوت العبرية والتي يحمل هذا السجن هذا الإسم...وقد كان الفقيد أبو العبد نزيلاً دائما في أقسام هذا السجن يبعث الهمّة بكلماته....داعياً الجميع للرضا عن الله، ولا نزال نستذكر عبارته الإيمانية الجميلة: إنّها الأقدار .... فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط....ولن يكون في كون الله إلا ما يريده الله.
ورغم استيطان الأمراض في جسمه، إذ كان صيدلية متنقلة، وتمّت له عمليات جراحية متتالية آخرها كانت عملية قلب ممفتوح. إلا أنه لم يسلم من أذى ذوي القربى رغم تقدم سنّه المقارب للسبعين إلاً قليلاً ... فقد كان نزيل سجن الأشقاء قبل بضعة أسابيع فقط من رحيله عن دنيانا...ولسان حاله يقول:
وظلم ذوي لقربى أشدّ مضاضة على الحرّ من وقع الحسام المهند
وللحقّ أقول: على الرغم من تلك الجراح ... من رفقاء التضحية والكفاح ... فقد كان من المحرّضين والداعين والمؤيدين لحركة الشباب في الشارعين الضفاوي والغزاوي لإنهاء الانقسام ... والعودة للإخاء والوئام.... ويقول: القضية الكبيرة تحتاج إلى نفوس كبيرة... والنفوس الكبيرة لا تعرف الحقد إليها طريقاً وسبيلا.
فإلى جنات الخلد – إن شاء الله - يا أبا العبد...فأنتم السابقون وإنّا بكم إن شاء الله لاحقون.....
فاللهمّ اجزِ أستاذَنا أبا العبد بالإحسان إحسانا..... وبالإساءة صفحاَ وعفواَ وغفراناَ....اللهمّ أفسح له في قبره..... واجعلُه عليه روضةً من رياض الجنة ، ولقنّه حجته، وأعلِ منزلته ودرجته، واجعله يا الله من رفقاء المصطفى وصحبه، ولا تحرمنا أجره، ولا تفتنّا بعده، واغفر لنا وله.
ونتوسلُ إلى الله العليّ القدير ليتغمده بواسع رحمته بقراءة الفاتحة واهبين ثوابها لروحه الطاهرة التي حلّت – إن شاء الله- في عليين، ولنفسه المطمئنة التي خوطبت من مولاها :" يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي".
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع