كيف يواجه المسلمون المستقبل الشيخ محمد عبدالله الخطيب من علماء الأزهر الشريف الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد فيقول الحق تبارك وتعالى…
الشيخ محمد عبدالله الخطيب
من علماء الأزهر الشريف
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ... وبعد
فيقول الحق تبارك وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ، وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)(لأنفال24-25)
وإنه ليسعدنى أيها الأحبة أن ألتقى بكم عبر هذه الكلمات ، لقاءً إيمانيا ، نجدد فيه العهد مع الله عز وجل والولاء لرسوله صلى الله عليه وسلم ، ونؤكد فيه عزمنا الصادق القوى ، على متابعة السير فى طريق الإسلام والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، والجدال بالتى هى أحسن (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ، وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)(فصلت34-35)
إن الداعية مكلف بإصلاح كل عمل وعمل كل صالح .. وهو إنسان ناشط دؤوب لا ينقطع له عمل فى بيته أو الشارع أو فى عمله أو فى المسجد أو الحقل والمصنع .. يواصل العمل على شتى الساحات ورغم أن الكفاح كدح مضنٍ لكنه لا يحجم عن البذل والتضحية ، والعطاء لأنه حريص على رضا الله .. والفوز بثوابه وأجره ( وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)(الشورى من الآية36)
وتصبح الخاصية الأولى للأمة العاملة لبلوغ أهدافها .. الملتزمة بالمضى على درب السلف الصالح من روادها ودعاة الخير فيها .. إنها غيورة على الحقيقة لا تطيق تشويهها .. أو إغفالها .. أو طمس معالمها .. ومن أجل ذلك فهى لا تسكت عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر .
ومن أجل هذا كانت الخاصية الأولى فى الدولة الإسلامية أن ترى الأمم الأخرى آفاق الخير الذى تدعو إليه وأجواء الحرية التى تتحرك فيها وأجواء الأمن والطمأنينة التى تعيشها ومستويات العلم الذى تسخره للخير والنفع على مستوى البشر وأنماط الأخلاق والقيم التى تحكم السلوكيات والسياسات وتضبط التصرفات والعلاقات ونماذج الكرامة والعزة التى ترفض الضيم وتتصدى للظلم وتقهر الظلام وتقيم العدل والمساواة والإنصاف .
إن أول ما أصاب النفس البشرية من عطب هو توهمها أن الصالحات لا تعدو رسوم العبادة المروية فإذا أحرز المرء نصيبا منها وأراد المزيد كرر الصلاة وكرر القراءة وهو لا يعرف صالحات غير ذلك ولا يدرى أن ميدان الصالحات يستوعب حركات وسكنات وأنفاس الإنسان ويحولها إلى قوى تدعم الخير .. لأن الصلاح تغير نفسى شامل يفرض على صاحبه حب الكمال والرغبة فى الإحسان وهو يعيش فى الدنيا من خلال فهم صحيح وإدراك سديد ليكون كما وصفه الله سبحانه (وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ)(لقمان22)
وإن مستقبل العالم العربى والإسلامى ، مرهون بمدى قدرة المسلمين على العودة إلى منهج الله ، وأن يكون الإسلام محور حياتهم ، ومصدر عزتهم ، وأن يكون نشيدهم الدائم حكومات وشعوبا الإسلام عزنا، الإسلام حياتنا .
وإن مهمة وغاية الدعاة إلى الله .. الذين يفقهون ويعرفون دعوتهم حق المعرفة وينهضون بواجب هذه الدعوة حق النهوض هى عبادة الله وطاعته .. والعمل فى سبيل التمكين لدينه وإعزاز شريعته .. وهداية البشر إلى الحق وإرشادهم إلى هذا الخير وإنارة العالم كله بشمس الإسلام .
وقد فصل الله سبحانه هذه المهمة والغاية فى قرأنه
الكريم فى سورة الحج بقوله وهو أصدق القائلين (يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ
وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ، وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ
جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ
مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي
هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى
النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ
مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ)(الحج77-78)
وفرض على الجميع اليوم وغدا عدم الرضا بهذا الاستعمار والاحتلال والهيمنة وكل أمر يخالف أصلا شرعيا ، لابد من تحديه والوقوف أمامه ، إن التحدى للواقع هو الحقل الذى تنبت فيه البذرة ، وسوف تتحول إلى نبتة ، والنبتة تتحول إلى شجرة تقوى وتزدهر وتنضج وتثمر ، إذا وجدت من يسهر على رعايتها ، والعناية بها ، يقول الحق سبحانه لسيد الخلق صلى الله عليه وسلم (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ)(الروم60)
لقد حدد الله للأمة أهدافها ، وسبلها لبلوغ هذه الأهداف فى قوله (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ)(الحج41) ولن تعرف الأمة العزة والكرامة ، والحرية والأمن والطمأنينة .. ولن تكون لها الريادة والشهادة على الآخرين إلا يوم أن تضع هذه الأهداف ، وهذه الوسائل نصب العين وملء القلب دون أن يشغلها شاغل عن الأعداء لبلوغ الأهداف ، مع الالتزام بالمضى فى هذه السبل .
إن عمل الخير والدعوة إلى الخير سمات الأمة الظاهرة ومكانتها الباطنة ووظيفتها الدائمة وشهرتها التى ملأت الآفاق على مدى عصور ، وإجابتها حين تسأل عن منهجها ووظيفتها وغايتها (وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ)(النحل30) وما ينتظر من أمة تحمل رسالة السماء وتتبنى ذلك الحق إلا أن تكون حارسة للشرف مترفعة عن الدنايا متواصية بالرحمة منظورا إليها محليا وعالميا بأنها سند المظلوم ، وجار الضعيف .
ومن أشد وأخطر ما تعانى منه الكثير من المجتمعات الإسلامية اليوم ، وأصبح يهدد مستقبلها ، مظاهر الظلم ، وغياب القانون وفقدان العدل ، والاستبداد السياسى ، فمن أهم المطالب للأمة كلها ، توفير الحريات ، وحفظ الحقوق ، وصيانة كرامة الإنسان ، وتوفير الأمن والأمان لأن فقدان هذه الجوانب يسبب شللا للإنسان ، فاليد المرتعشة لا تستطيع أن تبنى أو تعمر أو تحارب إلا وهى آمنة مطمئنة ، وهذه الجوانب من أهم المطالب الشرعية ، ومن أهم ما قامت عليه رسالة الإسلام ، القيم النبيلة ، والمثل الأخلاقية ، فإذا غابت أو اهتزت حدثت نكسة للإنسان وهذا ما حدث فعلا .
ويجب أن توقن حكومات العالم العربى والإسلامى والشعوب العربية والإسلامية ، أن خطر الصهيونية لا يقف أبدا عند سلب جزء من بلاد الإسلام ، وإنما يهدد الوجود العربى الإسلامى، من أوله إلى آخره ، فهو سرطان خبيث ، ولن نقف أمامه إلا بالعقيدة والإيمان بحقنا والجهاد فى سبيل الله ، ورفضه رفضا تاما ، والاستعلاء على هذا الباطل ، المعتدى على الأمة المحتل لأغلى بقعة فيها ورحم الله من قال "أقيموا دولة الإسلام فى صدوركم تقم على أرضكم"
ومواجهة التضليل الإعلامى الموجه والمدروس ، الذى أصبح يشكل عقول المسلمين ، ويحاول الوصول إلى أهدافه الخبيثة من محاولات تخدير الأمة ، وإلهاء الشباب ، وصرفهم عن التفكير فى واقعهم أو مستقبلهم ، وللأسف الشديد فقد أصبح البعض يقبل المبررات التى يخدعه بها الأعداء ، والبعض يستسلم لها فى صمت .
هناك وسيلة أخرى من وسائل التضليل الإعلامى يجب الحذر منها تساعد البعض على الابتعاد عمليا عن مواطن الأحداث ، فلا يكترث بما يحدث ، ولا يهمه ما يفعله الوحوش المفترسة التى تمتص دماء إخوانهم وأهلهم ، وتراهم يقضون حياتهم لاهين عابثين فى دنيا التفاهات والشرور والفساد ، دنيا الغناء والرقص ، والجرى وراء حوادث مفتعلة تافهة ، بينما تمسح القرى وأهلها وتقتل تحت الأنقاض، وتشرد من بقى من أهلها ، إن هذا النوع من الناس قد أصبح غريبا تمكن منه اللهو ، حتى نسى صور الأشلاء الممزقة والقتلى وأصوات الاستغاثات ، ونظرات اليتامى ، وبكاء الأرامل ، فأين هم من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم "مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر "
يقول الإمام البنا رحمه الله مذكرا بما يجب على المسلم إذا رأى أحوال المسلمين وما ينزل بهم "صدقونى يا إخوانى لقد ذاب قلبى أسفا وتقطعت نفسى حسرات ، مما يتوالى من النكبات على المسلمين ، وأردت أن أحتج ، فسألت نفسى لمن ؟ فأخذت أقلب الفكر وأستعرض الأمم البعيدة فلم أجد فيها رحيما ، والقريبة فإذا هى مكبلة بقيود ثقيلة ، لا تستطيع معها حراكا"
إن وحدة الأمة العربية والإسلامية فى الصف والهدف والغاية مطلب ضرورى للأمة ، وهى واجب حتم يفرضه الإسلام ، وهو سلاح للأمة ، ورصيد عظيم ، لن تتمكن الأمة من مواجهة الأخطار إلا به ، وقد أمرنا الحق تبارك وتعالى بالوحدة فقال (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا )(آل عمران من الآية103) ونهانا عن التفرق فقال سبحانه (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)(آل عمران105) كما نهانا وحذرنا من التنازع والشقاق والاختلاف فقال جل جلاله ( وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)(لأنفال من الآية46)
يجب على المسلمين أن يكونوا قادرين على مواجهة الأباطيل ويجب عليهم الصمود أمام كل المحاولات التى تعمل جهارا ونهارا على صهرهم فى الغرب وأخلاقياته وحضارته المادية ، وشهواته ونزواته ، مهما ضحوا وتحملوا فى سبيل ذلك ، ويجب أن يعملوا على تقديم رسالة الإسلام بصفائها ونقائها ، ويبرزوا أعظم صور الحرية والعدل والساحة والأخلاق ، إن العالم اليوم فى أشد الحاجة إلى المنهج الربانى الخالد ، والشريعة الإسلامية السمحة .
لقد مُنع الأنبياء والدعاة من قبل من أداء الرسالة ، فلم يتوقفوا ولم يتراجعوا بل مضوا على الطريق نحو الغاية ، وهو طريق طويل وشاق .. يتحملون الكذب والتكذيب ، والتعويق والتعذيب (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا )(الأنعام من الآية34) مضوا على الطريق يبنون ولا يهدمون ، يحسنون ولا يسيئون ، معتمدين سبيل وأسلوب التربية الصحيحة والتبصير والإشراف على الدنيا من مستوى الإباء والنزاهة والتجرد ، لا يزاحمون عليها ولا يطمعون فيها ، فرضا الرب وحده هو مطمعهم وهو سبحانه الذى يتخير لهم زمان ومكان النصر .. يعملون ولا يبخلون ولا يقصرون .. ويأخذون بكل الأسباب .. ولا يتعجلون الثمرة فهى من شأن الله وحده (فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ)(غافر44)
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ... وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع