جدول عادي سئل الأديب برنارد شو عن أكثر منظر أثر فيه فقال رأيت رجلا يبكي فالرجل الرجل عندما يبكي على مرأى من الناس تكون عواطفه قد فاضت وطفحت فلم يستطع كبتها أو منعها أو شعر بمرارة…
سئل الأديب برنارد شو عن أكثر منظر أثر فيه ، فقال: رأيت رجلا يبكي .
فالرجل الرجل عندما يبكي على مرأى من الناس تكون عواطفه قد فاضت وطفحت فلم يستطع كبتها أو منعها، أو شعر بمرارة العجز عن أن يجد حلاً لمشكلة أهمته وأحرجته وشغلت فكره وأقضت مضجعه، فيبكي سراً ويتماسك جهراً، وتأبى كرامته وكبرياؤه أن يظهر ضعفه ويكشف عجزه ويشمت أعداءه أو خصومه.
وهذا أبو فراس الحمداني الشاعر عندما أسر لدى الروم ، وتخيل سائلاً يسأله في قصيدته الرائية الرائعة عن سّر تماسكه وعدم بكائه:
أراك عصى الدمع شيمتك الصبر أما للهوى نهيٌ عليك ولا أمر
فيجيب فورا:
نعم أنا مشتاق وعندي لوعة ولكن مثلي لا يذاع له سرُّ
فهو يخاف أن يظهر ضعفه ويخدش كبرياءه ويجرح كرامته بالبكاء المذاع والسرِّ المفضوح، ولكنه يعود فيعبر عن مشاعره وإنسانيته وضعفه البشري شارحا :
إذا الليل أضواني بسطت يد الهوى وأذللت دمعاً من خلائقه الكبر
فإذا أضواه الليل وغمره الظلام وأمن شماتة الخصوم ، وغشيته الأشواق والهموم ترك لعينيه المجال أن تفيضا بالدمع السخين والبكاء الذليل.
وقد تعود الناس أن ينسبوا البكاء على أعين الناس للنساء، تعبيراً عن الضعف والعجز، أو الحيلة والدهاء لاستجلاب العطف أو تحقيق المآرب ، وتشبيه دموعهن بدموع التماسيح.
ولما شكا وبكى أبو عبد الله الصغير الذي خان دينه وأبناء شعبه وتآمر مع الأسبان فخانوه وخذلوه ولاحقوه فخرج هارباً حسيراً نادماً ذليلاً قالت له أمه الحكيمة تؤنبه وتصفعه بكلماتها القوية التي أصبحت مثلاً: ابكِ مثل النساء على ملك لم تحافظ عليه كالرجال.
لقد كان الشيخ الشهيد رجلاً بل سيد الرجال يتماسك كالطود الشامخ في وجه أعدائه وخصومه، ويواجههم كالأسد الهصور بكلماته القوية التي تفيض بعزة الإسلام وشموخ المسلم وثقة المؤمن بربه ونصره وتأييده، بينما كان يتطامن وتتكسر كلماته ويتهدج صوته رفقاً وحباً لإخوانه وأهله ومريديه، ولا تفارق الابتسامة شفتيه الرقيقتين في حنو وحنان يُشعان من عينيه الساحرتين الدافئتين.
لما عانى الشيخ الشهيد ما عانى في سجون الاحتلال، ورأى وعايش السجناء المحكومين بالمؤبدات، الذين مرّ عليهم في الأسر عشرات السنّين ، ثم فرًّج الله كربه وتم الإفراج عنه بعد ذلك ضمن صفقة التبادل بين العدو والمناضل أحمد جبريل ، صمم وعاهد إخوانه يوم خروجه على أن يبذل الجهد كل الجهد لتحريرهم وإخراجهم من سجون الأعداء، فكان دائم التفكير، مهموم الفؤاد يبحث عن الأسلوب الصحيح لتنفيس كربهم وتفريج همومهم وإعادتهم أعزاء مكرمين ..
لم يجد إلا وسيلة واحدة لا يجدي غيرها وهي اختطاف بعض جنود الاحتلال ليفرض على العدو التبادل بهم، لذا حثَّ المجاهدين القساميين على اختطاف الجنديين آفي سبورتس وإيلون سعدون في الثمانينيات من القرن المنصرم، ونجح التخطيط وتم الاختطاف، وجرى الحديث عن التبادل، ولكن أبناء الجلدة وأجهزة الأمن "الوطنية" كشفوا الأمر بعد تعذيب المجاهدين واستنطاقهم ، فتسابقوا نحو العدو يبشرونه لينالوا رضاه ، دون أن يدفع ثمناً أو يحرر أسيراً، ثم جرت محاولات أخرى بدعم الشيخ الشهيد وتحريضه، فتم اختطاف الجندي نسيم توليدانو، وبعده نخشون فاكسمان ، واختطف شارون أدري وآخرون واحداً تلو الآخر ولم يستطع المجاهدون إخفاءهم عن أعين العدو وأذنابه فتم الوصول إليهم أو إلى جثثهم بعد أن خسر الصهاينة المزيد من الضحايا في محاولات استعادتهم، وارتقى المجاهدون الآسرون شهداء، مفضلين الموت شهداء في المواجهة على الاستسلام والتسليم.
أدرك الشيخ صعوبة أو استحالة الاحتفاظ بالجنود المختطفين في غزة أو الضفة في ظل الاحتلال وسيطرة أجهزة أمنه وتعاون الأجهزة الفلسطينية معه ومسارعتها ومبادرتها لخدمته، لذا حثّ الإمام الشهيد، وكنت أرافقه في رحلاته، السيد حسن نصر الله في أول لقاء بينهما على القيام بهذا الواجب، وحمّله الأمانة وأن يبذل كل الجهد من أجل خطف جنود صهاينة من فلسطين المحتلة إلى معقل حزب الله في لبنان لمبادلتهم بأسرى فلسطينيين وعرب من أصحاب الأحكام العالية، وقد جرى ذلك في لقائهما عام 1998م أثناء جولته العربية والإسلامية بعد الإفراج عنه إثر محاولة الموساد اغتيال الأخ خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية حماس في عمان، والتي فشلت بإذن الله، وتم أسر عميلي الموساد من قبل مرافق الأخ خالد مشعل الفارس المجاهد الهمام محمد أبو سيف وتسليمهما للأمن الأردني، واشترط الملك حسين أن يتم الإفراج عن الشيخ أحمد ياسين الذي كان يقضي حكماً بالسجن المؤبد مرتين وعشرات السنين مقابل إعادة عميلي الموساد للكيان الصهيوني، واستجاب العدو الصهيوني وكان الأمر، لقد حمل السيد نصر الله الأمانة وبرّ بالوعد وكان على العهد وتمت صفقة التبادل وإن لم تكن على المستوى المطلوب، ولكنه شرف المحاولة والوفاء العهد.
كان الشيخ الشهيد كلما تذكر عهده مع الأسرى، أو ذكر معاناتهم تفيض عيناه دمعاً حاراً سخيناً، ويسأل الله أن يعين على الوفاء بالعهد، ولما زار الكويت في تلك الرحلة الخيّرة المباركة وجاءته عائلات وأبناء وآباء وأزواج الأسرى الكويتيين في سجون العراق، وبكوا بين يديه وهم يحثونه على التوسط لدى الرئيس العراقي للإفراج عن أسراهم بكى بحرارة وحرقة تعاطفاً معهم ومع أسراهم، واستحضاراً لمعاناة أسرى فلسطين في سجون العدو الصهيوني وطلب زيارة بغداد التي كان سفيرها قد دعاه فاعتذر لظروفه الصحية، ولكنه تراجع وقبل بالمخاطرة لعله ينجح في هذه المهمة الإنسانية، ورغم أن الزيارة لم تتم إلا أنه فاز بأجر النية والعزيمة وشرف المحاولة وإن لم يتحقق الهدف "إنما الأعمال بالنيات" .
رحم الله الشيخ الإمام، ولعله أن يكون قد قرًّت عيناه وهو يرى أبناءه وتلاميذه المجاهدين من أبناء القسام يخطفون جلعاد شاليط وينجحون في إخفائه عدة سنين، وتجري المفاوضات مع العدو لإكمال المسيرة وإتمام صفقة التبادل لتقر العيون، وتهدأ النفوس، ويجتمع الشمل وما ذلك على الله بعزيز.