رياح التغيير .. لماذا لا تفهم سلطة رام الله الرسالة؟

رياح التغيير .. لماذا لا تفهم سلطة رام الله الرسالة؟

ياسر أحمد
2011-02-05

يبدو أن السلطة الفلسطينية في رام الله لم تفهم الرسالة رسالة رياح التغيير التي تهب على المنطقة بخلاف بعض الأنظمة التي بدت أكثر واقعية فبدلا من القراءة الهادئة والموضوعية لمسار…

يبدو أن السلطة الفلسطينية في رام الله، لم تفهم الرسالة، رسالة رياح التغيير التي تهب على المنطقة، بخلاف بعض الأنظمة التي بدت أكثر واقعية.

فبدلاً من القراءة الهادئة والموضوعية لمسار الأحداث التي قادت لثورتي تونس ومصر، وأخذ الدروس والعبر منها، نجد هذه السلطة تنطح رأسها بالجدار وتعتمد ذات الأساليب والآليات التي اعتمدتها هذه الأنظمة وكانت في سبباً هذه الغضب الشعبي الساعي للتغير.

فالناطق باسم الأجهزة الأمنية أصدر فرماناً عسكرياً بمنع التظاهرات بكافة أشكالها، بذريعة عدم الزج بالقضية الفلسطينية في أتون أزمات إقليمية؛ ليجهض أي محاولة للتحرك ضد القمع المتنافي في الضفة.

أما وزير الأوقاف محمود الهباش، الذي دأب على إصدار قرارات وتصريحات تدعو إلى تجنيب المنابر الخطب السياسية، فقد كرس خطبته في حضرة وليه أمره ليطلق تحذيرات من انطلاق أي تحركات شعبية معتبراً ذلك ضرورة للحافظ على الاستقرار ونعمة الأمن.

ولم يكتف الهباش بالتوظيف السياسي للمنبر بل تحول إلى جنرال عسكري  حذر كل من يحاول أن يعبث بأمن هذه البلاد.

وقال بلغة الجنرالات المتساقطة 'سنضرب بيد من حديد كل من يحاول زعزعة الاستقرار، وسنقاوم كل من يستهدف أمننا واستقرارنا مهما كان لونه أو جنسه، فهذا واجب ديني على كل واحد منا'.

أما فزاعة الإخوان المسلمين، وهي ذات الفزاعة التي استخدمها الرئيس التونسي المخلوع بن علي قبل أيام من سقوطه، والتي يستخدمها اليوم حسني مبارك لتخويف العالم من تنحيه، فاستخدمها بنفس الأسلوب منظرو سلطتنا دون اتعاظ بالنتائج التي مر ويمر بها خلانهم.

فها هو موفق مطر المسئول في مفوضية إعلام فتح، بدا الارتجاف في كلامه وهو يعزف لحن التخويف من الإخوان، قائلاً :"سينجح « اخوان حماس» وأشباههم وسينتصرون شئنا أم ابينا، سيسيطرون على الشارع، ليس الاسفلت وحسب بل على ريموت كونترول انفعالات الناس، سيحولون تلقائية الناس الى موجات تسونامي مدمرة".

أما المسيرات الموجهة التي انطلقت في عدة مدن بالضفة لمبايعة عباس وفريق المفاوضات، بعد نشر وثائق الجزيرة، فهي تبدو نسخة مكررة وهزلية من تلك المظاهرات التي خرجت قبل يوم من هرب بن علي، وتشبه تلك التي يخرجها الحزب الوطني ورجال أعماله في وجه إرادة الجماهير المصرية.

وإذا كانت هذه المواقف والتصريحات الحديثة المستوحاة من ذات النهج السلطوي الشمولي في الأنظمة الصديقة التي ثارت وتثور شعوبها، أو تتهيأ لذلك؛ فإن ممارسات السلطة على الأرض تعتمد ذات المنهج، على النحو التالي:

أولاً: الفساد المالي والأخلاقي: وعند الحديث عن هذا الموضوع حدث ولا حرج، فرموز هذه السلطة غارقون بإقرار وتقارير هذه السلطة ووثائقها في وحل الفساد بشكل لا يقل عن أقطاب الأنظمة المجاورة مع الاختلاف في حجم الثروة والإمكانات التي يمكن نهبها. ويكفي الإشارة إلى تقارير هيئة الرقابة العامة، وما كشفته وثائق الرشى في المعابر، وتسريحات النائب العام في تلك السلطة عن ملفات مالية خطيرة لوزراء ومسئولين كبار، والحديث عن سرقات بمئات ملايين الدولارات، من أموال المساعدات، وما تم العثور عليه عن وثائق لعلاقات جنسية فضائحية لأشخاص من ديوان رئيس السلطة نفسه .

ثانياً: عدم احترام إرادة الجماهير: ونتحدث هنا بشكل واضح عن عدم احترام رأي الأغلبية التي انتخبت حركة حماس عام 2006، حيث سمعنا عن الرقص البلدي والمناكفات والفلتان الأمني والانخراط في تنفيذ خطط أمريكية لإجهاض تجربة حماس انتهت بما انتهى إليه الحالة الفلسطينية من انقسام، ومحاولة إقصاء حماس بالكامل من الضفة الغربية.

ثالثاً: قمع حرية الرأي وكبت الحريات: ولعل تعرض أكثر من 30 صحافي للاعتقال منذ منتصف عام 2007، واستمرار اعتقال 5 منهم إلى جانب اعتقال عدد من الكتاب، ومنع التجمعات السلمية، ومنع حركة "حماس" وباقي الفصائل التي تحمل فكراً مغايراً من أي عمل سياسي. ولعل قرار الضميري الأخير خيار مثال على هذا القمع، كما أن تفريق مظاهرات في السابق القريب حتى لفصائل منظمة التحرير أو حركة الجهاد الإسلامي وحزب التحرير يؤكد هذا التوجه القمعي، وأن الأمر لا يتعلق فقط بحركة "حماس" التي تتهم بأنها تريد الانقلاب على السلطة.

رابعاً: الاعتقال السياسي والتعذيب : وهي حالة متكررة يومياً فهناك حوالي 20 ألف من حركة "حماس"، وعدة مئات من حركة الجهاد الإسلامي، وحتى الجبهة الشعبية تعرضوا للاعتقال السياسي التعسفي، وتوفي سبعة أشخاص  نتيجة التعذيب، وبات الاعتقال السياسي ظاهرة يومية، فيما خرج آخرون بعاهات دائمة نتيجة التعذيب.

خامساً: إغلاق الجمعيات وحرية العمل الاجتماعي: ونتحدث هنا عن إغلاق أو السيطرة على عشرات المؤسسات الاجتماعية التي كان لها دور بارز في مساعدة الفقراء في المجتمع.

سادساً: خداع الجماهير بمشاريع اقتصادية وهمية: فالواقع الاقتصادي في الضفة مخيف بالنظر لإقامة تنمية وهمية تقوم على الاقتراض من البنوك لصالح موازنات ومشاريع لا تسمن ولا تغني من جوع، في حين يجري استخدامها لخداع الجماهير بشعارات الاستقرار الاقتصادي والتنمية الشكلية.

سابعاً: محاربة الجزيرة: وهذه وإن كانت تبدو مجرد خطوة شكلية فإنها انعكاس لمستوى القمع وكبت الحريات، وحرف الأنظار عن القضية المركزية لشن حرب وهمية، وهو ذات الأسلوب الذي استخدم في تونس ويستخدم اليوم في مصر ورام الله، حتى باتت الجزيرة لعنة لدى كل النظم القمعية.

وإلى جانب هذه الأسباب العامة، فإن ما تمارسه سلطة رام الله من فساد يتجاوز بكثير نظيراتها في الأنظمة الصديقة، فهي تتقدم عليها بمستوى التنسيق الأمني والتعاون مع الاحتلال، والاستعداد لتقديم خدمات أمنية لأمريكا في ساحات عربية وإسلامية في إطار الحرب على الإرهاب. ولم يعد سراً استعداد هذه السلطة وفريقها المفاوض للتنازل عن الثوابت والحقوق حتى لم يعد هناك خطوط حمراء وبات هناك استعداد للنقاش في مستقبل المسجد الأقصى نفسه.

وإذا كان لدينا اقتناع راسخ بأن هذه المعطيات وغيرها هي ذاتها ما دفع الجماهير في الدول الصديقة للثورة، وبالتالي فإن عوامل تفجر الثورة في كينونة السلطة الفلسطينية، متوفرة وبدرجة متقدمة عن مثيلاتها، ولكن السؤال الأهم هل الاحتلال مستعد للتخلي عنها في هذه المرحلة؟.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026