جدول عادي عام مضى على ذكرى اغتيال الشهيد القائد محمود المبحوح ورغم ذلك فما زالت عملية الاغتيال تتداعى وأخبارها تترا ويلاحق الشهيد محمود الاحتلال في قبره ليفضحهم لقد منحت دولة…
عامٌ مضى على ذكرى اغتيال الشهيد القائد محمود المبحوح، ورغم ذلك فما زالت عملية الاغتيال تتداعى وأخبارها تترا، ويلاحق الشهيد محمود الاحتلال في قبره ليفضحهم.
لقد منحت دولة الكيان الشرعية الكاملة لعمليات الاغتيال سياسياً وقضائيا وعسكرياً بل إن ممارسي القتل ومحترفي الاغتيال هم أبطال الكيان.
واعتمد الكيان منهجية عدم الإعلان عن المسئولية وإن كان ذلك خاضع دوماً للقراءة الظرفية السياسية. ويهدف الاحتلال من شرعنة الاغتيال إلى تكريس العقوبة على كل من تعتبره خصماً، وتكريس قاعدة الردع وضرب الروح المعنوية، ولإحباط عمليات المقاومة، وأحياناً لتهيئة مناخات سياسية يبحث عنها الاحتلال.
مارست دولة الكيان الاغتيال قبل تأسيسها وفي عام 1948 اغتالت الكونت برنادوت. ومارس الكيان الاغتيال ضد قيادات الشعب الفلسطيني في محطات كثيرة فقد تم اغتيال ثلاثة عشر كادراً لمنظمة (أيلول الأسود)، واغتيال ثلاثة من كبار قادة المقاومة في منظمة التحرير، وحركة حماس، والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية، والعشرات من المجاهدين الميدانيين الذين استهدفتهم دولة الكيان بالاغتيال والتصفية الميدانية.
محمود المبحوح لن يكون الاسم الأخير على قائمة الاغتيال الطويلة التي استهدفها الموساد والشاباك.
هاجر والده الحاج عبد الرؤوف من قرية (بيت طيما) الفلسطينية، فيما ولد الشهيد محمود في جباليا بتاريخ 14/02/1960م، الخامس بين إخوانه الستة عشر.
واشتهر المبحوح بممارسته رياضة كمال الأجسام. واسترعت (جماعة الإخوان المسلمين) نظر الشهيد المبحوح، فأقسم البيعة في عام 1978م.
للشهيد المبحوح قصب السبق في العمل العسكري المقاوم برعاية شيخه الشهيد صلاح شحادة، وتواجد رحمه الله بشكل دائم في ميادين القتال.
قاد عملية الخطف الأولى الجريئة للجنديين ساسبورتس وسعدون عام 1989م، وقتلهما وإخفائهما في مدينة أسدود في فلسطين المحتلة، دون أن يعرف "الاحتلال" مصيرهما حتى عام 1997م.
وأشار المحللان في صحيفة هآرتس هارئيل وسخاروف بأن "هذه عملية اغتيال إسرائيلية صحيحة كانت على ما يبدو ذات علاقة بالحاضر وليس لتسديد حسابات من الماضي، كون المبحوح مسئولاً عن الإمداد والتسليح لغزة (حسب يديعوت)، وليس انتقاما لنشاطه قبل عقدين أو أكثر".
حاول الاحتلال غير مرة اغتياله، وفي عام 1990، كان بيته أول بيت يُهدم.
كما اعُتقل الشهيد لمدة عام في سجن غزة المركزي بتهمة حيازة سلاح، وبعد خروجه من السجن لم يتوقف عن عمله الجهادي بل ازداد صلابة وعنفواناً.
و في العام 2003 كان أُعتقل في مصر لحوالى عام وجرت محاولة لتسميم المبحوح في دبي في نوفمبر/2009م كما أفادت يديعوت أحرونوت، وبقي رحمه الله مواكباً لمسيرة الحركة الإسلامية وحركة التغيير العالمي حتى استشهاده، وقد أمضى ما يقرب من خمسين عاماً مليئة بالتضحية والفداء والجهاد والعمل والإخلاص.
لم ينتبه أحد إلى المسافرين الـ (27) الذين جاؤوا في رحلات جوية من ست دول مختلفة في أوروبا، ولم يوجد أي سبب للارتياب منهم، فقد كانوا يحملون جوازات سفر غربية (12 منهم بريطانيون، و6 إيرلنديون، و4 استراليون، و4 فرنسيون، و1 ألماني) كانوا يسمونه باسمه الشيفري "شاشة البلازما"، وهو مسجل في جوازه الفلسطيني باسم محمود عبد الرؤوف محمد حسن.
بعد سنة بالضبط ما تزال نتائج قضية اغتيال محمود المبحوح تُدوي وتثير جماعة الاستخبارات العالمية، واعتماداً على تقارير عملياتية من شرطة دبي يمكن عرض سيناريو اغتيال محمود المبحوح خطوة بعد خطوة:
يــوم 18/01/2010م، في الساعة 02:09 .
بعد منتصف الليل هبط اثنان من فريق الاغتيال "غيل بوليرد" و" واين دابرون" وسافرا إلى فندقيهما وسُجلا في الاستقبال، بعد عشرين دقيقة من هبوطهم هبط في دبي قائد العملية الميداني "بيتر الفنغر".
ليست هذه أول مرة كانوا فيها هناك في دبي في تعقب المبحوح، فقبل ذلك ببضعة أشهر كانت من طرفهم كذلك محاولة لاغتيال المبحوح في دبي، فبحسب عرض داخلي أعدته شرطة دبي، زار تسعة أشخاص رُبطت جوازاتهم بعملية الاغتيال في دبي على نحو بين السادس والثامن من تشرين الثاني 2009م، حيث جرت محاولة تسميم فاشلة للمبحوح، وما زالت غير واضحة كيف نُفذت المحاولة الأولى، وطريقة العمل هذه تنبع من الرغبة في تنفيذ "اغتيال هادئ".
وتبين أن المبحوح مرض حقاً في تشرين الثاني 2009م كما أفاد شقيقه ورفاق له أفادوا أنه دخل المستشفى لساعات وجرى تنظيم معدته. تلقى المبحوح التشخيص ولم يفسر الحادثة بأنها محاولة اغتيال، والنتيجة جعلت الفريق يُغير خطة العملية بأن تكون "اغتيالاً هادئاً" لكن من قريب، وأن تشتمل على "تأكد من القتل" كي تطفأ "شاشة البلازما" نهائياً هذه المرة.
في يــوم 19/01/2010م في الواحدة والنصف ظهراً.
يدخل "كواين دابرون" المرحاض أصلع وخرج منه مع باروكة، ينتقل كواين في تنكره الجديد إلى فندق ثالث، يجلس وينتظر اثنين آخرين من أعضاء الفريق، في حين كانوا جميعاً ينتظرون ظهور ضيف الشرف "شاشة البلازما". الذي كان في تلك الأثناء في الرحلة الجوية لكنهم لا يعلمون أي فندق يختار النزول فيه.
في يــوم 19/01/2010م الساعة 15:35 بعد الظهر.
يسمى أمر الاغتيال في الموساد بالاسم الشيفري "ورقة حمراء"، أُصدرت "الورقة الحمراء" على المبحوح قبل سنين كثيرة أيضاً ومنذ ذلك الحين، وكلما تقدمت "شاشة البلازما" في مناصبه أخذ ملفه الاستخباري يكبر، وبقيت "ورقته الحمراء" سارية المفعول طوال هذا الوقت تنتظر الساعة المناسبة.
هبط المبحوح في فندق البستان روتانا، دخل اثنان من أفراد الفريق انتظروا في فندق البستان يلبسان ملابس "تينس" في المصعد وراءه كي يفحصا في أي طبقة ينزل وأي غرفة يدخل، ويتم التأكد من رمق الغرفة (230).
وتم الاتصال الهاتفي بين أفراد الفريق طوال مكوثهم في دبي، وتمر المحادثات بطريق مركزية خاصة أنشئت في النمسا لأجل ذلك، وهنا تكمن مخاطرة كبيرة بطريقة ما "يُحرق" جميع أعضاء الفريق الآخرين الذين اتصلوا بذلك الرقم، وخطأ آخر تمثل في أن أعضاء فريق متنكرين يظهرون ملاصقين لأعضاء فريق غير متنكرين إزاء عدسات التصوير، وهكذا يفقدون ميزة التنكر.
وفي ذات اليــوم الساعة 16:10 بعد الظهر.
ترك المسئول "بيتر" فندقه وانتقل إلى فندق مجاور نفذ منه مكالمتين هاتفيتين الأولى إلى فندق البستان كي يحجز على الخصوص غرفة قريبة من ممر المبحوح (237)، والمكالمة الثانية ليحجز رحلة جوية إلى ميونيخ عن طريق قطر.
بعد الساعة الرابعة بقليل سافر جميع الحاضرين في سيارات أجرة إلى فندق البستان، وكان "شاشة البلازما" قد خرج في تلك الأثناء إلى مجمع تجاري قريب وسجل فريق التعقب التفاصيل عن السيارة التي ركبها، وخرج المبحوح من المجمع التجاري إلى سلسلة لقاءات في المدينة.
في الساعة 16:45 ينزل "كواين" في الغرفة (237) مع المعدات التي كانت كما يبدو في حقيبة "بيتر" وبعد ذلك بدقائق معدودة تأتي "غيل" التي تصعد نحو الغرفة مباشرة، وبعد ذلك بنصف ساعة تصور آلة التصوير رجلاً آخر ينضم إلى "كواين وغيل".
في الساعة 18:30 دخل رجلان الفندق، وكانوا جميعاً يلبسون قبعات بيس بول تخفي وجوههم وجميعهم يحملون الحقائب، ترتاب شرطة دبي أنهم هم الأشخاص الذين نفذوا الاغتيال بالفعل برغم أن من المحتمل افتراض أن واحداً منهم على الأقل كان خبيراً باختراق الأبواب، توجهوا مباشرة إلى المصاعد، وارتفعوا نحو الغرفة (237) في تلك الأثناء تبدلت فرق التعقب، وفي الساعة 18:43 بعد أربع ساعات من ظهور لاعبي التنس في ردهة الفندق لأول مرة غادروا الردهة آخر الأمر.
وفي الساعة 19:30 غادر "بيتر" دبي وقد انتهى دوره في العملية، ومنذ تلك اللحظة تولى "كواين وغيل" زمام الأمور.