جهابذة الخليل .. طوبى لكم!

جهابذة الخليل .. طوبى لكم!

كمال جلبر
2011-01-08

في أرضنا المباركة ينزرع رجال لا يستهويهم متاع ولا يثنيهم ترهيب تجدهم في غزة ونابلس والقدس وقلقيلية وجنين وأم الفحم وسائر الأرجاء رجال لا ينامون على الضيم ولا يقبلون بقانون الأمر…

في أرضنا المباركة ينزرع رجال لا يستهويهم متاع، ولا يثنيهم ترهيب، تجدهم في غزة ونابلس والقدس وقلقيلية وجنين وأم الفحم وسائر الأرجاء، رجال لا ينامون على الضيم، ولا يقبلون بقانون الأمر الواقع، هذا هو طبعهم وهذه هي شيمتهم، من هنا فلم يعمر ظالم أو محتل لهذه الأرض فيما مضى، ولن يعمر، وكيف يتم له ذلك ما دامت لحظة سيطرته على هذه الأرض الطيبة تحمل في ثناياها عوامل إبطاله وإزالته ونقضه ؟ ألم يشر النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم للجراد الذي اجتاح مدينته المنورة أن : إلى بيت المقدس، فإنه لا يعمر فيها ظالم؟

والظلم لا يزيله إلا الرجال، ولذلك كانت الرجولة صفة ملازمة لقاطني هذه الأرض على مر الأزمان، فكلما جاءها غاز صدته الرجال، فإذا طمع فيها آخرون وجدوا ذات الصناديد فانكسروا وخابوا، غير أن فترة بقاء الظالم المحتل تطول وتقصر طبقا لدرجة انتباه الرجال لمسؤولياتهم ووقوفهم عند حدودها، فإذا انتبهوا لاستحقاقات الرجولة ومعانيها (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ) قَصُرت فترة بقاء المحتل، وإذا ذهلوا عن هذه الحقيقة طالت فترة بقائه، ولهذا فقد عمد الاحتلال وأشياعه إلى التلاعب بمزاج وصفات واهتمامات أهل الأرض في محاولة لكسر الحلقة الاهم في القانون الذي يتضمن إزاحتهم حتما، لتبقى لهم الديمومة أو لإطالة أمد سيادتهم أقصى ما يمكن.

فكان من نتيجة هذا المكر وتلك الجهود، أن أصبح الاحتلال شريكا وصديقا ؟ لكن لمن ؟ لأولئك الذي سقطوا في امتحان الرجولة فإذا بهم أشباها للرجال، أو ذكورا كذكورة البهائم دون ان يتميزوا عنها بشيء، فأصبح المدخل للمشروع الوطني التحرري الفلسطيني هو التحالف مع المحتل ضد من يقاومه، في شرعة الذكورة على الطريقة الأوسلوفتحوية، وأضحى السعي لمواجهة الاحتلال ومشاغلته وإيجاعه تهمة تفوق تهمة الخيانة العظمى، وبات رفض قبول الاعتراف بالاحتلال موجبا للانخراط في المؤامرات المكشوفة التي تستهدف من يرفض هذا القبول، ويتداعى لتولي كبر ذلك ذكور يقال أنهم من بني جلدتنا، والأقارب من بني قومنا يدا بيد مع المحتل ومن يقف معه من قوى الظلم العالمي.

كل ذلك يأتي كنتيجة منطقية لسيادة قيم الذكورة على حساب قيم الرجولة، والرابح هو المحتل، لأن المعركة لا تحتدم إلا في مساحات بعيدة عن حماه، فهو قد أشعلها هناك في عقول ووجدان ووعي الكثيرين منا، حتى باتوا غير قادرين على استشكال ان يصبح المحتل شريكا وصديقا تُبذل من أجله المهج، أو أن تنفيذ طلباته في مواجهة الشعب جريمة يندى لها جبين الحس الإنساني، بلا شك فإن مشهد المواجهة القائمة حاليا يكشف عن حجم العبء الكبير الملقى على عاتق من تتناوشهم الرماح من كل صوب، فالرجال كانوا بالامس ندا للمحتل بجبروته.

ولكن اليوم بعد ان صنع هذا المحتل لنفسه درعا من بين أظهرنا يذب عنه ويسهر لحمايته، ويدوس كل القيم والمحرمات من أجل الوفاء له بالامن والامان، لزم الأمر لأصحاب همة يواجهون المحتل ويبطلون السحر من حول صنائعه، ويعرونها في وضح النهار، ولن يقدر على ذلك إلا جهبذ، فإن لم يكن وائلا ومهندا وأحمد ومجدا ومحمدا ولؤيا... فمن يكون ؟ وإن لم يكشف جهابذة الخليل حقيقة ما يسمونه (التنسيق الأمني)، فمن يستطيع أن يكشفه ؟ تلك الكذبة الكبيرة والمخادعة، فالنشاط الذي يتم تحت لافتة التنسيق الأمني هو جهد، المستفيد منه هو الاحتلال، والمنفذ له والقائم على اعبائه هم ذكور سلطة أوسلو، والخاسر من ورائه هو الشعب الفلسطيني ومقاومته وحقوقه.

وكيف يسمى مثل هذا تنسيقا ؟ بينما تأتي الأوامر من جهة الاحتلال لظله المتحكم فينا فيقابلها سيالات من المعلومات بالاتجاه المضاد فضلا عن النشاط الدؤوب على الأرض الذي يتضمن الاعتقال والتعذيب ومصادرة الاموال وإغلاق الجمعيات الخيرية والمؤسسات، كيف يسمى هذا تنسيقا والمستفيد هو طرف بعينه، يضع الأهداف ويرسم خطة العمل والخاسر هو الطرف المقابل، او بالأحرى هو الشعب الفلسطيني، إن ما يجري في الضفة اليوم وامس وغدا ليس تنسيقا، وإنما هو تعاون وتبعية كاملين من قبل سلطة اوسلو مع المحتل الغاصب.

لأن التنسيق يعني وجود جهتين تتبادلان المصالح ولكل منهما أهداف يسعى لتحقيقها، وقدرات متكافئة في توجيه مسارات التنسيق، والمسائل التي يستهدفها، الامر الذي يتناقض مع طبيعة التنسيق الجاري اليوم في الضفة، وحتى لو أن التنسيق مع الاحتلال يقوم على تبادلية المنافع فإنه لا يعدو كونه خيانة، فكيف لو تم بطريقة لا يستفيد منها سوى الاحتلال ؟ إن مصطلح التنسيق الأمني هو تعبير تجميلي لمهام ليست في حقيقتها سوى خيانة عظمى، وإن جهابذة الخليل اليوم تسببوا بصبرهم وثباتهم وتضحياتهم وجوعهم بتجلية هذه الحقيقة أمام الناس والتاريخ، فطوبى للجهابذة والخزي لأشباه الرجال وسوء العاقبة للاحتلال.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026