أسطورة الجهاد والمقاومة

أسطورة الجهاد والمقاومة

د. محمد المدهون
2010-11-29

جدول عادي وحدك يا أمير الفدائيين تعلو ترحل إلى الشمس تمضي إلى قسمات الوجوه ترتسم على أسارير العائدين تجمع في كفك المباركة خيوط البطولة والحماس والشهادة تصنع نسيج الأمل العريض…

"وحدك يا أمير الفدائيين تعلو، ترحل إلى الشمس، تمضي إلى قسمات الوجوه، ترتسم على أسارير العائدين، تجمع في كفك المباركة خيوط البطولة والحماس والشهادة، تصنع نسيج الأمل العريض، تفرشه في الشوارع، في الحارات، في الساحات وتحيك منه لكل فتى كوفية وعلماً وضمادة جرح".

أن يترجل فارس من فلسطين في ساحـة الشرف ليس بالحدث الجديـد، فلقد أصبح الاستشهاد على طريق الجهاد قدر الشعب الفلسطيني منذ أن اتخذ قراره بالدفاع عن دينه ووطنـه وحريته، وعندما يترجل الفارس المقدام (عماد عقل) قلب الساحة التي لا تحتضن إلا الأبطال نكون قد ازددنا اقتراباً من النصر والعزة، فالطريق لا يعبد إلا بدماء الشهداء ولا يضاء إلا ببطولتهم التي لا يضيرها خيانة خائن أو غدر منافق أو خذلان جبان..

والله إنه ليصعب على القلم ويشق على بنانه أن يكتب بمداده عن مجاهد مثل (عماد عقل) رمزاً وقائداً ومجاهداً ؟؟!! لن يستطيع المداد أن يعطيه حقه من التكريم وهو الفارس واضعا نصب عينيه (قتل الجنود الإسرائيليين عبادة نتقرب بها إلى الله).

في التاسع عشر من يونيو من عام ألف وتسعمائة وواحد وسبعين يطل (عماد حسن إبراهيم عقل) إلى الدنيا في مخيم جباليا، وكان الوالد الذي يعمل مؤذناً لمسجد الشهداء في مخيم جباليا قد اختار لابنه الذي جاء ثالثاً بين الذكور هذا الاسم (عماد) تيمناً بالقائد المسلم (عماد الدين زنكي).

صوب عماد وإخوانه سكاكينهم وخناجرهم إلى صدور المجرمين الساقطين في شباك العمالة والخيانة بتخطيط متقن وعمليات نوعية جريئة أثارت جنون اليهود ورفعت لواء عز الدين القسام في عزة وإباء، يحمل روحه على كفه وبندقيته على كتفه، فقد عزم على الجهاد حتى الشهادة ورفض أن ينسحب من الميدان أو يخرج خارج الوطن وبقي وفياً لقسمه، إذ نقل عنه - رحمه الله - عند بداية مطاردته قوله: " من الآن فصاعداً فأنا مُطِارد للاحتلال وعليه سوف أذيقهم العلقم بإذن الله".

وأمام هذا حالة المطاردة وتوفيراً للجهد المضني في توفير الملجأ، وتسهيل الحركة لهذه الأعداد تم التخطيط لخروج مطاردي (مجموعة الشهداء) من قطاع غزة والانتقال إلى الضفة الغربية حيث تم تشكيل الجهاز العسكري لحركة حماس هناك وحمل أيضاً اسم (كتائب الشهيد عز الدين القسام) أسوة بما في قطاع غزة.

وبقي عماد وفياً لقسمه، قسم المؤمنين بالجهاد حلاً وحيداً لتحرير كل فلسطين حتى أكرمه الله بالشهادة، ومما قاله لمسؤوليه الذين عرضوا عليه الخروج تلك العبارة الخالدة : " سأبقى في فلسطين حتى أنال الشهادة وأدخل الجنة، هذا جهاد نصر أو استشهاد "، هكذا ردد الشهيد الشيخ المجاهد عز الدين القسام الذي عبر عن البعد الإسلامي لقضية فلسطين بعد قدومه إلى فلسطين من سوريا في آواخر العشرينيات من القرن العشرين.

ومع نجاح البطل ومجموعاته في اصطياد عدد كبير من جنود الإحتلال دخلت عمليات صيد (الحرباء) أو (الشبح) أو، (العقرب) وهي التسميات التي أطلقتها سلطات الاحتلال العسكرية على شهيدنا الغالي وتم تشكيل قوة خاصة لمطاردة عماد بالذات ووضع ضابط الشاباك المدعو (أبو ياسين) لمتابعة المطارد (رقم واحد) اسطورة الجهاد والمقاومة الذي نفذ عمليات نوعية عديدة.

لبى شهيدنا البطل الذي كان صائماً وبعد أن تناول قليلا من طعام الإفطار في بيت آل فرحات بجانب سوق الجمعة ومسجد الإصلاح بحي الشجاعية بمدينة غزة، وبعد تناوله الإفطار بمدة نصف ساعة، أي في الساعة الخامسة والربع من مساء الأربعاء الموافق 24 تشرين الثاني (نوفمبر) 1993، والذي يوافق الذكرى الرابعة لاستشهاد الشيخ (عبد الله عزام)، وبعد أربعة أيام من ذكرى استشهاد الشيخ (عز الدين القسام).

وفيما بدت المنطقة أشبه بثكنة عسكرية حيث تواصل قدوم التعزيزات العسكرية أخذ أسطورة غزة بالانتقال من مكان إلى آخر باتجاه جنود الاحتلال وهو يحمل مسدس عيار 14 ملم وهو يقول " حضر الآن موعد استشهادي "، ثم صعد بعدها إلى سطح المنزل وقام بأداء ركعتين لله تعالى، فقد أصابت إحدى القذائف المضادة للدروع الشهيد ومزقت جسده أشلاء حيث كانت الإصابة مباشرة في منطقة الرأس التي تناثرت إلى عدة قطع لدرجة أن أجزاء من رأسه قد أزيلت وملامح وجهه الطاهر لم تعد تظهر على الإطلاق.

فيا يوم الرابع والعشرين، يا يوم الملحمة الخالدة، أطلقها تدوي على رؤوس الأشهاد، نعم الشهيد عماد، ونعم الحي عند ربه، تشهد له كل فلسطين، تكبر له مآذن القدس، وتهلل له مساجد غزة، فهنيئاً لك يا عماد القسام، هنيئاً لك وسام الشهادة الخالد، فقد سطرت الغد المشرق، ورويت أرضاً متعطشة لدماء الطاهرين لتنبت العزة والكرامة، تقف معلماً لكل المجاهدين، كيف يطرقون الجنة بجماجم اليهود، اليوم عجز عمالقة الكلام أمام عمالقة الجهاد، وتقدم الدم الزكي يخطب فينا، ليحرك فينا الهمم ويبعث فينا العزائم.

وقال رابين في ذلك " إن مقتل عماد عقل يمثل إنجازاً مؤثراً وهاماً في الحرب ضد الإرهاب "وأعرب باراك رئيس أركان الجيش الإسرائيلي حينه بالقول " كان أخطر إرهابي يعمل في قطاع غزة ", وعقب أحد قادة الشاباك " إن مطاردة عماد عقل كانت من العمليات الصعبة والمعقدة والمحبطة في تاريخ عمليات المطاردة التي قام بها جهاز الأمن الإسرائيلي - الشاباك - منذ تأسيسه ", وقال أحد ضباط القيادة في رئاسة أركان الجيش الإسرائيلي" كان من أخطر الإرهابيين والمطلوبين الذين عملوا في قطاع غزة ..

رجل ميداني بارع لم يخش شيئاً، كان من الخطورة بمكان الاصطدام به ليلاً " وقد أبّن مخيم الثورة نجمه الأسطع، شهد مخيم جباليا، وأقام عرساً جماهيرياً عظيماً للشهيد القائد عماد عقل تحول بهتافاته الموحدة والمشاركة الفعّالة لمختلف الفصائل والتنظيمات الفلسطينية وأجنحتها العسكرية إلى احتفال وحدة وطنية لم يشهد قطاع غزة لها مثيلاً بين الفصائل الفلسطينية من (فتح وحماس والشعبية والديمقراطية والجهاد الإسلامي وحزب الشعب)، فقد زحف أكثر من خمسة عشر ألف شخص من جميع أنحاء قطاع غزة.

وهنا أومأ (أبو حسين – أسطورة الجهاد والمقاومة) مبتسماً فالنبتة غدت عصية عن الاقتلاع، وهذا ما أراد.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026