في سجون الاحتلال ملاحم وبطولات

فؤاد الخفش
2010-11-04

كثيرة هي المظالم التي تعرض لها الشعب الفلسطيني منذ احتلال أرضه واغتصابها على يد شذاذ الأفاق وقد تكون من أبرز تلك المظالم والانتهاكات حملات الاعتقالات الكبيرة التي لا حد لها ولا…

كثيرة هي المظالم التي تعرض لها الشعب الفلسطيني منذ احتلال أرضه واغتصابها على يد شذّاذ الأفاق ، وقد تكون من أبرز تلك المظالم والانتهاكات حملات الاعتقالات الكبيرة التي لا حد لها ولا إحصاء والتي يمكن القول عنها أنها شملت كل بيت فلسطيني .

 

في سجون الاحتلال حيث الموت البطيء والقتل الممنهج للروح والجسد ، وحيث يتواجد مهندسون بشريون كل وظيفتهم دراسة أساليب وسبل وطرق تدمير الأسير الفلسطيني وإخراجه مدمراً محطماً لا كيان له ولا وجود يلعن تلك الساعة التي ناضل بها من أجل الوطن

 

في هذه السجون - التي لم تعد أصلاً للبشر والتي ورث غالبيتها الاحتلال من الانتداب البريطاني ومنها سجون موجودة من زمن الأتراك - رجال ونساء وأطفال وشيوخ مضى على اختطافهم عقود عديدة وأعوام مديدة وأعياد ومناسبات وأفراح وأتراح  مرت عليهم وهم أسرى ومعتقلين.

 

وحتى لا يكون كلامي جامداً ومن دون أمثلة سأتطرق للحديث عن مجموعة من الحالات الإنسانية التي تقبع بالأسر والتي توضح مدى معاناة هذه الفئة التي تنتمي إلى أمة المليار مسلم صاحبة الجذور العربية العريقة.

 

هناك في مكان ما جنوب فلسطين المحتلة يربض نائل البرغوثي والمعتقل منذ 1978 والذي أتم 32 عاماً كاملة متواصلة في سجون الاحتلال هو وابن عمه فخري البرغوثي المعتقل ذات السنة المذكورة والتي تعود أصولهما لقرية كوبر بمنطقة رام الله .

 

نائل البرغوثي اعتقل وهو فتى صغير واليوم ومع السنين أصبح عمره أكثر من خمسين عاماً ، توفيت والدته وانتقل إلى رحمة الله والده وكذلك أعمامه ، شاب شعر رأسه ولم تستطع الأيام القاسية التي أمضاها نائل البرغوثي يتنقل من إضراب عن الطعام إلى مواجهة مباشرة مع أصحاب الخوذ العسكرية أن تحني  ظهره لأنه إنسان رياضي استطاع أن يعود جسده على ممارسة الرياضة في كل يوم ، في هذه الزنزانة الضيقة يجلس نائل بابتسامة لا تفارق محياه ، يحدث رفاق دربه انه يريد أن يخرج ويتزوج وينجب أطفالا ويحدثهم عن أسمائهم التي يريد أن يطلقها عليهم ، الأمل لا يغادره ، ويقول إن عاجلاً أم آجلاً سنخرج من هذه السجون وسنعود نكمل مسيرة البناء.

 

بجواره ابن عمه فخري والذي تختلف قصته بحيثية واحدة أن فخري متزوج وقد أنجبت له قبل اعتقاله طفلاً وكانت تحمل بين أحشائها طفلاً آخر خرج إلى الوجود من دون أن يكون الوالد موجوداً ، كبر الطفلان (شادي وهادي ) وأرضعتهما أمهما الفاضلة لبن العزة وحب فلسطين وعرفوا والدهم من خلال الصور ومن خلال شباك الزيارة والأسلاك الشائكة ، كبر الطفلان وسارا على درب الوالد وخططا لخطف جنود وإطلاق سراح والدهما فكان مصيرهما السجن، والتمّ شمل الأسرة في السجن وفي زنزانة ضيقة التف الشباب حول والدهم يقبلونه في المرة الأولى التي يلتقيان بها من دون أسلاك شائكة وأشياك حديدية ، فكان اللقاء ملحمة تاريخية لم يبقَ أحد بالسجن إلا وبكى ، إلا فخري الذي كان يبكي ويقبل وأولاده أحدهما يده معلقة برقبته والآخر انكب يقبل قدميه ويقول له لقد اشتقت لك يا حنون وبقيت الأم وحيدة تتخيل شكل اللقاء وتمسح دموعها عن خدها تبتهل إلى الله أن يجمع شمل الأسرة من جديد.

 

الأسير عبادة سعيد بلال فتى فلسطيني من مدينة نابلس شاء الله له أن يفقد نعمة البصر ، ينتمي إلى أسرة مجاهدة صابرة ، له أربعة إخوان كلهم معتقلون ، عثمان محكوم مدى الحياة ومعاذ أيضاً محكوم مدى الحياة 26 مرة والأخ الكبير بكر معتقل والأخ عمر أيضاً ما إن يخرج من السجن حتى يعود ، قرر أن يسلك درب السالكين وأن يجاهد في فلسطين ولم يشعر أن إعاقته البصرية قد تشكل له عائقاً أو حائلاً ، قاده قدره إلى السجن وحكم بأحد عشر عاماً ، وقبل أقل من عام وفي وسيلة للضغط على هذه الأسرة المجاهدة اعتقلت زوجته وتم إخضاعها للتحقيق ووضعت بزنزانة بجوار زوجها وتم اعتقال أم عبادة الحاجة رابعة وهي امرأة تجاوز عمرها ال 65 عاماً في محاولة للضغط على الأسير الفلسطيني الذي وقف يصرخ ويبكي لحال أمه وزوجته المعتقلتين ، ويقول (ونفوسنا مهما سما أعداؤنا تبقى كبار ... أعداؤنا مهما طغوا فمآل جمعهم اندحار ... سيزول ليل الظالمين ويخرج مع الفجر النهار) ارتعدت فرائص الأم الفلسطينية الأسيرة وقالت له : لا تبكي يا بني فالرجال في فلسطين لا يبكون وإياك أن أكون الحلقة الأضعف والتي قد يساوموك لانتزاع اعترافات تؤذي بها نفسك ورفاق دربك ، قاطعتها الزوجة نيللي الصفدي من الزنزانة المجاورة وقالت : إياك يا عباده كلنا فداك لا تضعف يا زوجي العزيز هي ضريبة حب الوطن والانتماء إلى هذا الدين الثبات الثبات ، وشكّل الثلاثة المعتقلون داخل مركز تحقيق إسرائيلي أقيم على أرض مغتصبة حواراً وملحمة تاريخية بحاجة فقط إلى كاتب سيناريو لكي يشكل بذلك قصة تاريخية عظيمة.

 

وعلى بعد عدة كيلومترات تقبع أسيرات الشعب الفلسطيني حرائر هذه الأمة ، تجلس كفاح جبريل والتي اعتقلت من بيتها ومن وسط أسرتها وبالرغم من أنها تعاني من مرض نادر وحالتها الصحية صعبة والدم لا يصل إلى أطراف يديها ... تجلس هذه الأسيرة تقرأ كتاب الله تصبّر نفسها ، تعدّ الأيام .. تأمل بالإفراج عنها ... فهي معتقلة بدون تهمة .. فقط اعتقال إداري احترازي تهمتها أنها تحب فلسطين ... كانت كل أمنياتها أن تكون بجوار ابنتها ضحى وهي تجهز نفسها للذهاب إلى المدرسة.

 

بجوارها الأسيرة منتهى الطويل أم عبد الله والتي لها خمسة أولاد تركتهم من دون أن تستطيع مشاركتهم إفطار شهر رمضان وإعداد الطعام وتمشيط ضفائر ابنتها الصغيرة قبل أن تذهب إلى المدرسة.

 

في سجون الاحتلال ملاحم وقصص وبطولات وتضحيات أردت أن أضع القارئ في صورة بعضها ، لم أنمق الكلمات ولم اختر العبارات ، وتركت للقصة بحقيقتها أن تتحدث عن نفسها وتروي معاناتها للعالم ، لعلهم يجدون من يعرف عنهم ويشعر بهم ويسعى لنصرتهم ولو بالدعاء.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026