جدول عادي إن الجود بالروح مرة واحدة من أجل الدين والكرامة خير من استنزاف الكرامة عمرا طويلا أملا في العيش ذلك أن الموت محطة يستوي عندها كل البشر فإذا كانت الحياة محطة تزويد للمحطة…
إن الجود بالروح مرة ً واحدة ً من أجل الدين والكرامة ، خيرٌ من استنزاف الكرامة عمراً طويلاً أملا ً في العيش، ذلك أن الموت محطة ٌ يستوي عندها كل البشر ، فإذا كانت الحياة محطة تزويد للمحطة المستقر (الآخرة) ، فلماذا نتزود فيها بزادٍ لا تستقيم به حياتنا ، فضلا ً عن أن تستقيم به آخرتنا ؟!!
لكن البون شاسع ، والفرق كبير، بين حياة العزة والكرامة والصدارة ، وبين حياة الذلـّة والمهانة والتبعية ، ذلك أن الله "جل جلاله" قد عرّف الحياة الحقيقية بأنها ليست تلك التي تـَثبُتُ بدخول النّفَس أجوافنا وخروجه منها ، حيث قال{أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا} وقد وصف الله الموت بأنه غياب الهدى الذي يورث العزة والكرامة ؛ رغم أن صاحبه يتنفس ، كما أن الله "جل وعلا" قد أخبرنا أن الذي يُستَشهدُ في سبيله حيٌّ يرزق ، وأن كثيرا ًمن الذين يتنفسون هم أموات ، ولم يكتفِ الله تبارك وتعالى بمجرد الإخبارِ فحسب ، بل نهانا أن نطلق على الشهداء صفة الأموات ، فقال (وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ ) وفي آية } بلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } والميتون لا يُرزَقون.
والحقيقة الراسخة في أذهان جُلّ البشر ، حتى عند أولئك الذين يحاولون أن يغرسوا في أفهامنا، أنهم هم من يهبون الحياة للناس والأمم ؛ أن الذي يمنحُ الحياة ويمنعها هو الله ، وهو سبحانه الذي يقدر الأقدار، وطالما أن هذه الحقيقة الكونية لا مفرَّ منها ؛ فلماذا نترك للآخرين رَسْمَ تفاصيل حياتنا ؟!
فمن الناحية النظرية، أثبتت التجارب البشرية والسياسية، أن الدفاع عن الحقوق والكرامة أقل كلفة ً من التنازل ِعنها أو بعضها، لأجل الاستراحة من عِبْءِ المُدافعة مثلا ً ، أو الاعتقاد بأن الديمومة الشخصية لا تتحقق إلا في هذا المُستنقع ، ذلك أن منحدر التنازل لا نهاية له ، ومن يستمرئ التنازل أول مرةٍ ، يُكسَرُ الحاجز النفسي لديه ، وتصبح المرات التي تليها أقل وخزا ً للضمير – هذا إن وُجِدْ – فالمسألة في أصلها عقدة نفسية لدى أصحابها قبل أن تكون عملية ، ويستمر الأمر كذلك حتى يَجدَ المتهاونُ في الحقوقِ، والمتنازلِ عنها، نفسه وقد ابتعد عن نقطة البداية ، وأصبح من الصعب الرجوع إليها..
كما أن الذي يتبنى نهج الاستسلام والتنازل ، يرتب أوراقـَه ومفاهيمَه وأدواتِه وفق ما تقتضيه نظريته ، ويصبح مدفوعا ً لأن يُرَسّخ َ هذه المفاهيم والأدوات في أذهان الأتباع؛ لتصبَّ كلُّ الجهود في دعم هذه النظرية ، حتى يصل الأمر إلى أن يُعابَ على من يخالف هذه النظرية ، وذلك مِنْ فَرْطِ استفحال الخَوَرِ والهوان في نفوس أصحابها ، ويصبحون كالعبد الذي يعتقه سيده بعد سنين طويلة مِن الخدمة ، فيخرج من ربقته فرحاً بحريته ، لكنه ما يبرح أن يعود لسيده ثانية ً، لعدم قدرته على التلاؤم مع بيئة الأحرار، فقد استفحلت فيه نفسية التبعية والارتهان وتلقّي الأوامر، حتى أصبحت سمة ً غالبة عليه، وطبعا ً يصعب انتشاله منه أو ترويضه.
أما من الناحية العملية ؛ فالتاريخ يَزْخَرُ بكثيرٍ من الوقائع والشواهد، التي أثبتت أن كـلفة المقاومة والدفاع عن الحقوق والكرامة والأرض واستردادها ؛ أقل بكثير من كـلفة التنازل عنها أو بعضها ، فكم قدمنا من الدماء والأرواح والممتلكات في الانتفاضة الأولى ! وكم تراجعت قضيتنا للوراء، وجرى تحجيمها من قضية أُمّةٍ إلى قضية شعب حين صودرت هذه النتائج في الاتفاقات الاستسلامية الهزيلة ، التي أضاعت ثمن هذه التضحيات دون مقابل ! وفي المقابل ؛ حين وُضِعَتْ هذه التضحيات في بوتقتها في الانتفاضة الثانية؛ أنتجت لنا عِزّة ً وكرامة ً، وانسحب الصهاينة أذلة ً من غزة وهم صاغرون ، وبرغم حجم التضحيات ؛ إلا أن الصورة في غزة تبدو مشرقة مقارنة ً بتلك الصورة القاتمة في الضفة ، التي أنتجت سلطة استسلام تدير شؤون الناس في ظل الاحتلال ، هذه السلطة التي لا تستطيع أن تعيش لحظة ً واحدة، في حال انسحب الاحتلال من الضفة ، ذلك أنها سلطة ٌ لم تخرج من رحم الشعب والمقاومة ، بخلاف الحال في غزة.
وفي وقتنا الحاضر، وفي خضم سباق الهيمنة، وبسط النفوذ، والاحتلال عن بُعد ؛ فإن الحكومات والشعوب التي تمتلك الإرادة والقوة ؛ وتتخذ منهما سياجا ً يصعب معه الاقتراب منها بغرض إيذائها ، فإن المثال الكوري لا يزال ماثلا ً في أذهان القوى العالمية المهيمنة ، ولا ننسى الدولة التركية التي قالت لأمريكا و(إسرائيل) "لا" ، وأهانت الصهاينة في محافلَ إقليميةٍ ودوليةٍ أمام مرأى العالم أجمع ، وما زالت تُمعِنُ في العداء للصهاينة حكومة ً وشعبا ً ، فما الذي حَلّ بكوريا وتركيا جرّاء لاءاتهما؟؟! لقد ازدادتا عزة ً واحترما ً، ليس من شعوبهما فحسب ؛ بل من شعوب المنطقة كلها ، وتعاملتا نِدَّا ً لِنِدٍّ مع القوى العالمية ، وفي هذا المقام يجب أن لا ننسى التجربة اللبنانية ، وكذلك الجزائرية حين قام الاحتلال الفرنسي بتشكيل برلمان جزائري ، وحكومة جزائرية مُوالِيَيْن له ، في نفس الوقت الذي كان يُبـِيدُ فيه قـُرى ًجزائرية ً بأكملها ، فلو رضخ الشعب الجزائري للواقع ، وعاش في ظل قهر تلك الحكومة الموالية ، ولو لم يقدم المليون ونصف المليون شهيد في سبيل التحرير، والتخلص من التبعية ؛ لمات أضعاف هذا الرقم ظلما ً وعدوانا ًعلى يد الاحتلال الفرنسي ، ولظلت الجزائر تحت ربقة الاحتلال ، يصادر مقدراتِها وسيادتـَها عقودا ً طويلة من الزمن.
كما أن فرنسا التي احتلت الجزائر ؛ قاومت الاحتلال الألماني لبلادها من خلال الثورة الفرنسية التي قادها ديغول الأول ، حيث نسفت حكومة (فيشي) الموالية للاحتلال الألماني .
إن هذه الأمثلة وغيرها من الناحية الاستراتيجية ، دليلٌ دامغٌ على أن نزيف الاستسلام أشدُّ إيلاما ً وأكثر خسارة ً وأعظم ثمنا ًوكُلفة ً مما تكلّفه المقاومة ، مع الفارق الكبير لنتائج كل منهما على الشعوب والحكومات.