نشأت ودينا مع الخالدين...

نشأت ودينا مع الخالدين...

جمانة الجعبري
2010-10-17

وفاء لدماء الشهداء نكتب نحاول اقتفاء الأثر واستقاء العبر نرفع بعض الأستار نتلمس أطياف المجد نحاول أن نجعل من الألم أملا ومن المحن منحا نكتب بمداد من دمائهم نشتهي هبة عطر من مسك…

وفاءً لدماء الشهداء نكتب... نحاول اقتفاء الأثر واستقاء العبر، نرفع بعض الأستار، نتلمس أطياف المجد، نحاول أن نجعل من الألم أملاً ومن المحن منحاً، نكتب بمدادٍ من دمائهم، نشتهي هبة عطرٍ من مسك أرواحهم، نرد لهم بعض فضلٍ وهم عنه أغنياء، في رضا الرحمن يمرحون وفي حواصل طيرٍ خضر سكنت أرواحهم تطوف جنان ربها هنيئة بما أُعِدَ لها من نعيم، ووفاءً لنشأت الكرمي نخط الحروف على خجل علها توفي بعضاً من حق.

45 دقيقة:

هي قصة كنت قد كتبتها يوماً ذيلتها بعبارة قلت فيها" مهداة إلى (d & n ) اللذيْن ألهماني كتابة هذه القصة جمعهما الله عما قريب" في إشارة إلى دينا ونشأت؛ فقد استلهمت الكثير من معانيها من حكايتهما، ومن أم الحور عرفت كثيراً من تفاصيل الزيارة، كانت بقلمي وروحيهما تسري بين الحروف تعطيها ألقها وتجمل معانيها، وتصور شيئاً من شوقيهما لبعضهما يغذيه شوقهما لله تعالى وسعيهما لرضاه، وفيها أشرت لأمينة قطب شقيقة "شهيد المعالم" سيد قطب صاحبة أطول فترة خطبة في العصر الحديث ولكني لم أكن أعتقد بهذا الشبه بينهما فضلاً عن أن اجتماع دينا ونشأت لم يطل، غير أن "الحور العين" كانت خير ثمرة لخير زواج ما كان وما استمر وما تم إلا في ذات الإله.

وإذا عرفت فالزم:

إن تجلد دينا (أم الحور) وصبرها على مصابها بزوجها وتلك الابتسامة التي كانت تزين محياها وذلك الكلام الطيب الذي يخرج من بين هاتيك الجراح مُبلسماً نفوس المحيطين مُصبراً لهم على هول المصيبة لم يكن وليد ليلةٍ وضحاها ولم يكن شهر المطاردة كفيلاً بصنعه، ولكن ذلك أتى من تربية إيمانية روحية سامية الأهداف راسخة المعاني ربيا نفسيهما عليها، فمن تعهد نفسه بالصيام والقيام والذكر والدعاء وتكثيف الأوراد لتنفيس الكربات وتسهيل الأمور والاستخارة في كل صغيرة وكبيرة واللجوء إلى الله تعالى في كل أمر، ودقق في معاني القدر والرضا وحسن التوكل، وأيقن بدونية الدنيا وسرعة المرور بها واجتهد جهده أن يغترف من خيرها ما استطاع، وآمن بالغيبيات وسلم أمره لله تسليماً حتى أوشك أن يرى ما وراء الحُجُب هانت لديه كل الآلام؛ فلكل اتصال وزيارة -كانت بينهما أيام تلك الخطبة- كان هدفٌ مرحلي وأهدافٌ بعيدة المدى، يتشاركان العلم يتناقشان تفاصيله، ويتسابقان بالطاعات، ويرسمان صورة المستقبل القادم في ظل كل الاحتمالات خيرها وشرها، لقد أقاما دولة الإسلام في قلبيهما حتى تجلت بعض معانيها على الأرض ورأينا من أبي الحور وأمها ما رأينا.

ولما تسربت بعض المعلومات ولمع اسم نشأت في سماء المطاردة لعلي سمعت همسات من هنا وهناك مفادها أن لو تأخر قليلاً وتنعم بدنياه وبابنته اكتحلت عيناه، أو لو اختصر على نفسه الطريق ومضى في طريق الجهاد من أولها دون أن يترك وراءه ذريةً ضعافاً، وعجبٌ كل العجب ممن يفكر بهذه الطريقة، أولم يسمع هؤلاء قول الحبيب المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه: "إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها"، وهي قيامة الله التي ما بعدها إلا موازينٌ وحساب، وتغييرٌ للكون وانقلاب، عجبي على هؤلاء أن يستكثروا على من حمل لواء الحق أن لا يعيش كما يعيش البشر، وإن عاش الناس كلهم لأجل الدنيا ومتاعها وملذاتها فأين هو التفاضل، وكيف سيكون التنافس في الخيرات، وإن لم يكن للحق أهل فكيف سيُزهَق الباطل وستنطفئ ناره، ولكن نشأت ودينا علما الجميع معنى قول الرسول الكريم لحارثة: "يا حارثة عرفت فالزم" وأوصلا للكل رسالة مفادها إن كان الأجل هو الأجل لا يقدمه تهور ولا يؤخره حذر فليرفع كلٌ لواء مجده وينطلق.

نشأت رجل المرحلة:

وصدق في بطلنا ما جاء في الأثر: "إن لله رجالاً إذا أرادوا أراد"، وفي ظل المرحلة الأصعب من تاريخ فلسطين لم يكن لينفع فيها إلا نشأت وأمثال نشأت وأمثاله قلائل، رجلٌ صعب المراس قوي الشكيمة، فمن وطنَّ نفسه للجهاد حتى تعلقت روحه بجنان ربها فعشق حورها، ومن عمل على الارتقاء بفكره فكان واسع الثقافة والإطلاع من القراء المميزين والمحللين الذين لا يشق لهم غبار، ما صرف لحظة بدون فائدة حتى في أشد لحظات ضعفه عندما ضمته قضبان مستشفى سجن الرملة جريحاً هزيلاً، ومن صمد في جولات التحقيق ولم ينبس ببنت شفة قد ترضي صلف المحتل، ومن اعتلى منصة العمل الطلابي فأبدع، ومن كان قائداً مؤثراً ناضج الفكر سديد الرأي مميزاً في التعامل مع المعضلات بعبقرية فذة، ومن رافق الشهداء وعمل مع الإستشهاديين حُقَّ له أن يكسر صمت هذه المرحلة وأن يفتح في جدار ظلمها وذلها كُوةً نحو نور الفجر القادم تسهل مرور اللاحقين، وحُقَّ له أن يُتوَج مع سادة الشهداء.

نشأت الذي ما رأيت عريساً فرحاً بزواجه مثله، والذي تاقت روحه شوقاً لصغيرٍ من صلبه يحمل من بعده اللواء، والذي بذل وسعه لينهي دراسته الجامعية التي طالت حتى أنهى عقداً من عمره وما أنهاها، لم يكن أحدٌ ليتوقع أن يمضي بهذه السرعة وأن يمتشق سلاحه غير عابئ بما وراءه، ولكنه استودع الله أماناته ومضى لما علم أن الوقت وقته واليوم يومه ولا يجوز له أن يتراجع، وحدهم الصهاينة هم الذين عرفوا نشأت وفهموا توجهاته فضيقوا عليه وعرضوا عليه الخروج من الوطن وخروج الروح كان أهون عليه من ذلك، وحدهم الذين عرفوه لأنهم خبروا فكره وعلموا رباطة جأشه وصلابته، وأدركوا أنه سيلاحقهم فحاولوا أن يبادروا إلى احتواء غضبه وإطفاء نوره ولكنه انتصر واستحق وسام البطولة ومضى.

وفي نهاية مقالي المتواضع هذا أكرر جملة كتبتها في مكان ما في مقامٍ مشابه إن رسائل الله عز في علاه أبلغ ما تكون إذا ما تمثلت في إنسان صنع على عين الله عاش كنسمة قدسية لا تحمل إلا طيباً وكغيمة ماطرة لا تفيض إلا بركة وخيراً، وأختمه بنصٍ مقتطفٍ من رسالة بعثها لأحد إخوانه في سجون الاحتلال بينما كان يتعالج في مستشفى سجن الرملة يقول فيها: "ولكنها طريق ذات الشوكة ومهر الجنة ووفاءُ الذمة للدَّيان ورد النفس إلى بارئها، والله ينعم بالبلوى يمحصنا من ذا سيرقى ومن منَّا سيضطرب"

رحم الله نشأت وهنيئاً لذويه به وباستشهاده، وهنيئاً لحور بأبيها وأمها...وسلامٌ عليهم في الخالدين.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026