وصف الواقع رجل صاحب همة وقوة وعقيدة وفكر وثقافة ووعي يحمل في صدره يقينا بنصر الله رجل مشكوف النوايا منذ أن أعلن نفسه جنديا في درب التحرير فماذا يعني أن يعرض عليه الهجرة والمال والتسهيلات…
وصف الواقع:
رجل صاحب همة وقوة وعقيدة وفكر وثقافة ووعي، يحمل في صدره يقيناً بنصر الله، رجل مشكوف النوايا منذ أن أعلن نفسه جندياً في درب التحرير، فماذا يعني أن يُعرض عليه الهجرة والمال والتسهيلات من قبل الشاباك الصهيوني قبل اغتياله ب 3 أشهر فقط كي يترك فلسطين؟، فهل أدرك الاحتلال قيمته قبل أن ندركها نحن؟!.
نشأت الكرمي يقرر أن يكون "ظاهرة فردية" بذات نفسه، وعلامة فارقة في الصراع، فليس من السهل أن تعمل وقد تجمعت عليك كل أسباب ومسببات وموانع العمل، وأصبح العمل المقاوم في الضفة خاصة إطلاق النار منه كالخيال، لكنه قرر أن يجرب الأصعب أولاً.يخطط وينفذ ويجيد التنفيذ بشجاعة.
خيط بسيط غير محسوب، يكشف عن شخصيته ومرافقه، يلاحقه أعتى جهاز استخباري في العالم "الشاباك"، وأذل أجهزة أمنية في العالم " أجهزة السلطة" بطريقة تنسيقية وتعاونية غريبة جداً، حتى في زمن عادل وعماد عوض الله ومحي الدين الشريف فقد كانت الأمور تتم على خجل، واليوم تتم على "عينك يا تاجر".
أخيراً، يلقى نشأت الكرمي الله مخلصاً له، وقد حقق استخلاف الله له في الأرض، وحقق ثمن وجوده في أرض الرباط، فقتل وقًتل، ونال شرفاً عظيماً لا تعب فيه ولا نصب، وإنما التعب علينا نحن من بقينا بعده.
ماذا بعد نشأت الكرمي:
عندما نسأل هنا فإننا نحاول إعادة توصيف الأمور لواقع الضفة، خاصة بعد التجربة العسكرية الفريدة للقسام في الضفة بعد الحسم العسكري في غزة، والتي ذكرتنا بأيام العمليات العسكرية في بداية الإنتفاضة ومجد تلك الأيام، لكن لهذه العمليات وقع خاص جداً، فهي بكل جدارة في وقتها بالضبط، وليس ذلك فحسب بل في وقت أصبح من الخيال أن تنفذ عملية عسكرية مثل هذه يقتل فيها اربعة مستوطنين تحت أعين الشابات وأجهزة السلطة، ولتكون صورة التوصيف واضحة فإننا لابد أن نعدد الأطراف المؤثرة في الساحة الفلسطينية ودور كل طرف في صياغة معادلة " خيال العمل المقاوم" :
1-الاحتلال:
هو احتلال، يسعى بكل ما لديه من قوة كي يبقى على حياته وحياة مواطنيه، ونحن طفلنا وشيخنا عدو دائم له، وأي محاولة لكسر حاجز الأمن الصهيوني ستقابل بالقتل، إذن لا ننتظر رحمة أو شفقة منه او نطلق عليه "احتلال عميل او خائن".
2-السلطة:
هنا تكمن المشكلة الأكبر، ما يفترض بهم أن يكونوا إخوة، وأبناء وطن وقضية واحدة تتطور الأمور في سلوكهم لينتقل التنسيق الأمني من حالة "المباح" الى حالة "الواجب"، حتى أن تقارير ذكرت أن دور السلطة تعدى ملاحقة أهل المقاومين ومنفذي العملية بعد أن تعرفوا عليهم، الى المشاركة في اغتيال المجاهدين "نشأت ومأمون" وقصة السيارة البيضاء التي أطلقت النار على المجاهدين ولاذت بالفرار!.
وربما يتعدى خطر السلطة وأجهزتها خطر الاحتلال، فهم بين الناس ويعرفونهم وتتعامل الناس معهم بحسن النية أنهم "أبناء الوطن".
3-الدول العربية:
ما شأن الدول العربية بنشأت الكرمي؟!، هذا السؤال يجيب عليه ذات التقرير الذي تحدث عن مشاركة السلطة في عملية الاغتيال، فالتقرير يقول بأن نشأت الكرمي كان يعد لعملية إطلاق نار قوية على أحد الحواجز العسكرية الصهيوني في الخليل، كرسالة سياسية، فمن هو مستقبل الرسالة؟!.
باعتقادي هم الاحتلال والسلطة والدول العربية وفوقهم أمريكيا، ومضمونها بأن هناك صوتا واحدا قويا وله صدى واسع ويريده الناس، لكن آذانكم لا تسمعه وستسمعه بالرصاص.
ومن هنا فإن الدول العربية (سياسة، واستخبارات) من المهم لها أن يبقى واقع الضفة هادئا، ولا تثار فيه أعمال كأعمال نشأت الكرمي.
4-أمريكيا والرباعية:
هي صاحبة الدعم السياسي والعسكري الأول القائم على إيجاد الفلسطيني الجديد، الذي لا يشبه نشأت الكرمي إطلاقاً لا بالشكل أو بالسلوك أو بالتصرفات، بل على العكس يراد به أن يكون عكس هذه الشخصية، وسعت كي تجد منظومة أمنية لا تعرف سوا الولاء للمال والسلطة، وتعتبر عناصر مثل نشأت الكرمي "شراً لابد من قتله"، وهذا يفسر ما ذكره التقرير السابق المشار إليه بأن أحد عناصر السلطة كتبت على محل الشهيد مأمون النتشة " ارحل يا مرتزقة"!.
الخلاصة: هل هناك ما بعد نشأت الكرمي؟!.
إن ما ذكرته سابقة يوضح المشكلة "الرباعية" في العمل المقاوم في الضفة، وكيف تغلب الشهيد نشأت الكرمي على هذه "الرباعية" ونفذ عمليته النوعية، وكيف بذات الوقت استطاعت هذه الرباعية أن تجهز على الشهيد نشأت الكرمي وعلى خططه في تنفيذ العمليات العسكرية المقاومة.
وأمام ذلك، فإن أي عمل مقاوم قادم يحمل شعار "ما بعد نشأت الكرمي" لابد أن يدرك هذه المعادلة، وأن يحاول أن يتلفت منها ويجد لها الحلول الميدانية والسياسية، فتجربة نشأت لن تموت، بل هو المولود الأول من رحم مقاومة "ولادة"، وقد خط نشأت الخطوط الأولى في مسيرة "المواليد القادمة"، وكانت رسالته الأقوى والأشد، أن لا مستحيل في التغلب على هؤلاء "الأربعة" وقد تغلبت عليهم ووفقه الله للنصر عليهم.
وأني لأعتقد أن هناك الكثير ممن ألهمتهم تجربة الشهيد نشأت الكرمي، ويفكر جدياً في تكرار التجربة، فقد نسمع غداً عن بطل جديد نذوق من يديه طعماً جديداً للمقاومة، فهكذا عودتنا فلسطين، وعودتنا حماس؛ قائد يخلفه قائد.