ليس الرثاء لكم.. إلى نشأت ومأمون ومن سيأتي بعدهما!

ليس الرثاء لكم.. إلى نشأت ومأمون ومن سيأتي بعدهما!

لمى خاطر
2010-10-09

أغريب على هذه المرحلة أن يقضي فيها المطاردون نحبهم بمثل تلك السرعة وقبل أن تنحت أقلام التاريخ تحت أسماء فرسانها الشهيد فلان الذي دوخ جيش الاحتلال قبل استشهاده أما كانت صدور المؤمنين…

أغريبٌ على هذه المرحلة أن يقضي فيها المطارَدون نحبهم بمثل تلك السرعة؟ وقبل أن تنحت أقلام التاريخ تحت أسماء فرسانها: الشهيد فلان؛ الذي دوخ جيش الاحتلال قبل استشهاده؟! أما كانت صدور المؤمنين تنتظر أن يشفي نداءَ ثأرها مزيدٌ من الرصاص المقاوم قبل أن يترجل الفرسان عن عادياتهم بعد شهر واحد فقط من باكورة عملياتهم الجهادية؟

لم يكن غريباً أن تستبعد النفوس العاشقة للمقاومة من ذهنها أن تكون نهاية الكرمي في دنياه على ثرى الخليل، فمنذ عملية القسام البطولية في أواخر رمضان بقيت الأذهان تستحضر يوميات الشهيد عماد عقل في الخليل، وتتحدث عن أوجه التشابه بين عمليات (الكرميّ) نشأت الأخيرة وعمليات (الغزيّ) عماد في المدينة قبل نحو عشرين عاما!

يقولون.. إن الخليل تحفظ الودّ للمجاهدين الغرباء إن وطئوا ثراها، وإنها تحرسهم برموش عينيها إلى أن تنقضي مهمتهم فيها ويعودون إلى ديارهم، لكن الخليل اليوم ليست كحالها قبل عشرين عاماً يوم كانت خلية عماد عقل تتفيأ الأصالة والوفاء للمقاومة رغم أنف الاحتلال وجواسيسه، فاليوم صار للعملاء مليون لون وسحنة، وصارت الوشاية برجال المقاومة غاية الأرب في فنون الالتزام بطقوس الولاء للدولة الفياضية والسلام الاقتصادي.

الطريق إلى طولكرم كان معبداً بألغام الخيانة وحراب التواطؤ، فما تمكنت خطوات الكرمي من عبوره ليقبّل يد أمه قبل الشهادة، كانت الدرب صوب السماء أقصر من تلك الموصلة إلى عيني صغيرته (حور العين)، فما استطاع أن يلقي عليها نظرة الوداع قبل رحيله الأخير.. واليوم يعود (الكرمي) إلى مسقط رأسه محمولاً على الأكتاف، يتيح لأمه وزوجه وصغيرته أن يقبلن جبينه دون جزع أو قلق من عيون المراقبة وكاميرات الرصد!

قضى (نشأت) نحبه في الخليل وما كان وحيدا، فهنا اختار أن يدرس ويسكن، وهنا تزوج وأكمل مسيرة الجهاد بعد خمسة أعوام من الاعتقال، وهنا كان قد أصيب عند اعتقاله السابق، وهنا انطلقت رصاصاته لتكسر المستحيل وتهتك عرى الأمن المزعوم الذي تبجح به أحباب أشكنازي.. هنا أمضى (الكرميّ) أيامه (الخليلية) الأخيرة.. كانت حفنة الأوغاد قد كفت أذاها عنه حين اطمأنت إلى أن سنوات سجنه لدى الاحتلال قد أورثته يأساً سيحمله على السعي خلف نهج السلامة، وحسبوا أن انشغاله بإكمال دراسته وزواجه واستقبال مولودته الأولى أكبر من طاقته على الالتفاف نحو داعي النفير! وحدها مخابرات الاحتلال من ظلّت تتوجس من خطوه على أرض الضفة ومن عودته إلى جامعته (بولتكنك فلسطين) التي كانت خلال السنوات الأولى لانتفاضة الأقصى عرين الاستشهاديين بلا منازع، ساوموه طويلاً وكثيراً على الخروج لإكمال دراسته في الخارج، وكان إصراره على الرفض محيراً لهم، غير أنه لم يدر في خلدهم بأن رصاصاته إليهم ستسبق جميع توقعاتهم وستحمل رده على رغبتهم بنفيه وتغييبه!

لا يمكن لمثل نشأت الكرمي إلا أن يكون شخصية استثنائية، تحمل ملامح العياش يحيى؛ المهندس الأول، ولكن شتان بين الزمانين، فزمان العياش كان فتياً ومورقاً وندياً وأصيلا، وزمان الكرميّ نراه صعباً ومجدباً وهرماً ومستحيلا، فلا تعتبوا على الشهداء إن استعجلوا الرحيل، وفجعوا قلوب من استبشروا بموسم القسام حين عاد إلى ربوع الضفة، ففي هذا الزمان يشق على المجاهد أن يظفر بالمأوى بعد أن يعود من غزوته في سبيل الله، ويشق على الزنود (المشبوحة) في مسالخ (الغلابة) أن ترفد المجاهدين بالدعم والحماية!

عزاؤنا أن الكرمي والنتشة لم يغيبا، فالغائب الحقيقي هو الذي يدير ظهره لنداء الواجب، ومن يتسرب اليأس إلى خلاياه تباعاً عقب كل اعتقال، فيصل إلى قناعة بأنه أدى ما عليه، وأن النهوض بقافلة الجهاد صار مطلوباً من سواه!

يقيننا الدائم بأن روحي الكرمي والنتشة قد وهبتا الثرى بذور النماء قبل أن تصعدا، وأن هناك من سيأتي بعدهما عاجلاً غير آجل بحول الله، فبركة الدماء عظيمة، وهي لا تخلف سوى عزائم ثائرة لن تلبث أن تعود إلى صدارة الفعل.

ولكن.. أكان فضاء الضفة بحاجة إلى هذا السيل من الدماء حتى يعود إليه لونه الحقيقي؟ أكان يجب أن نفجع بترجل مثل هؤلاء القادة حتى يتململ بركان الغضب في النفوس التي ألفت الوهن وتعاطت مع القعود حتى استمرأت شكل الخيانة وتقاليدها؟ أكان يجب أن تقتطع ضريبة الصحوة من أجساد خيرة رجالنا حتى يوقن المراقبون عن بعد أن هناك نهجاً (لحدياً) قد سطا على واقع الضفة وأعملَ مبضع بشاعته في جسدها المقاوم؟ وأن الانفراج والتغيير صارا مطلباً ملحاً لدى المكتوين بنار الجور!

الجواب سيحمله قادم الأيام، فمأمون ونشأت أبصرا نهايتهما في اللحظة التي قررا فيها دوس رقاب العبيد وتحدي قبضات الجواسيس ومشغليهم، ومنذ أن لمعت رصاصات عزهم في تلك الليلة الرمضانية المباركة، أما الدروس والعبر فهي للباقين، ولمن يتعيّن عليهم صون ذلك الإرث العظيم الذي خلّفاه، ومن قبلهما الشهيد إياد شلباية.

نشأت الكرمي.. مأمون النتشة.. طيّب الله ثراكما.. ولا جعله آخر عهد لنا مع الدم الزكي المخضوب برائحة البارود.. فهو بوابتنا للفجر، وعزاؤنا عند تكدّس الهموم في رَحْلِنا، ورهاننا الأوحد لاكتمال بدر الحرية!

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026