لا أحسب أن ثمة عاقلا يمكن أن يعتقد بأن الأجواء الإيجابية للمفاوضات التي يتحدث عنها قادة فتح تتعلق بإمكانية نجاح المفاوض الفلسطيني بإحداث زحزحة في المواقف الصهيونية وخصوصا بشأن…
لا أحسب أن ثمة عاقلاً يمكن أن يعتقد بأن (الأجواء الإيجابية) للمفاوضات التي يتحدث عنها قادة فتح تتعلق بإمكانية نجاح المفاوض الفلسطيني بإحداث زحزحة في المواقف الصهيونية وخصوصاً بشأن الاستيطان أو القدس أو عودة اللاجئين، أو حتى بإمكانية الإفراج عن جزء كبير من الأسرى، أو إزالة حواجز الاحتلال بين مدن الضفة وداخلها.
ولكن من جهة أخرى يبدو أننا ظلمنا هذه السلطة حين قلنا إنها لا تملك أوراق قوة تطرحها على طاولة المفاوضات و تواجه بها حكومة نتنياهو، وتوظفها لتحصيل شيء يشبه (التنازلات) من الجانب الإسرائيلي.
لسنا نتحدث هنا عن عوامل قوة منشؤها تعدد الخيارات أمام سلطة فتح، أو إمكانية النزوع للمقاومة ولو في أبهت صورها في حال تعثر مسار التسوية وظلت مواقف الكيان متصلبة إزاء مسألة الاستيطان (القضية الوحيدة التي يصورها قادة فتح عقبة أمام المفاوضات)، بل إن ورقة القوة الوحيدة التي تمتلكها السلطة هي مقاومة المقاومة، وحسن البلاء في قمعها وتعطيل عجلتها، وسرعة تفكيك خلاياها العاملة أو تلك التي في طور النشوء (لهذا بالمناسبة كانت الحمى التي أصابت الاحتلال والسلطة عقب عمليتي الخليل ورام الله شديدة). لكن الحقيقة أن ذراع فتح الأمنية كانت الأقدر على تحجيم المقاومة ونسف فرص نهوضها وديمومتها، والدلائل على ذلك أكثر من أن تحصى في هذا المقام.
اللعاب الصهيوني سيسيل بلا شك أمام إنجازات سلطة تريحه من عناء تجييش المخابرات والجيش لملاحقة المقاومة، ولاستحداث آليات جديدة لإجهاضها في مهدها، ولتجنيد عملاء جدد، مع ما يستنزفه ذلك من وقت وجهد وميزانية جهاز المخابرات الصهيونية.
ولكن ماذا لدى الاحتلال ليقدمه للسلطة على مائدة المفاوضات مقابل خدماتها الجليلة تلك، صحيح أنه يكفي أن تلوّح الذراع الإسرائيلية أو الأمريكية بورقة الرواتب وأموال المانحين ليجثو أمامها المفاوض الفلسطيني على ركبتيه متنكراً لأي اشتراطات سابقة أو وعود قطعها لشعبه، ولكن تظل هناك حاجة دائمة لإغراء السلطة بالمزيد ولإحالتها إلى نظام موظف بالكامل لدى الاحتلال، تحقيقاً للنظرية التي انطلق منها (دايتون) في سعيه لتغيير العقيدة القتالية لدى أجهزة أمن الضفة والقاضية بأن (تعمل أجهزة أمن فتح أكثر ليعمل الجيش الإسرائيلي أقل)!
وباعتقادنا يكفي أن تَعِد حكومة نتنياهو قيادة السلطة بأن تعيد لها غزة لكي تبيع الأخيرة شعبها وأرضها وحتى نفسها، فرغبتها بالانتقام من حماس والعودة لحكم غزة لا يضاهيها حلم أو رغبة، وبغض النظر عن الثمن المقابل، فكيف حين تتقاطع مع هذه الرغبة حاجة مصرية ملحة للخلاص مما تسميه (تهديد حماس ذات الخلفية الإخوانية) لأمنها القومي المزعوم، ومثلها حاجة صهيونية لإقناع العالم بأنها قدمت للفلسطينيين منحة كبيرة تتمثل في دولة تشمل الضفة وغزة، وهو ما سيصرف النظر عن حدودها وشكلها وسيادتها.
لا أعتقد أن تفاصيل التفاوض الحالية المتعلقة بالدولة تسقط من اعتبارها غزة التي لا يمكن لدولة الاحتلال أن تسمح ببقائها قنبلة قابلة للانفجار في خاصرتها في أية لحظة، كما أن أي حل مستقبلي من وجهة نظر الإدارة الأمريكية لا بد أن يكون شاملاً وتصفوياً ومراعياً لجميع الاعتبارات الأمنية حتى وإن لم يكن حلاً نهائيا.
وفي هذا السياق تندرج –برأيي- الهِبة الإسرائيلية (السخية) لفتح بمنحها مسؤولية إدارة معبر كرم أبو سالم الواصل بين غزة والكيان؛ فمن جهة سيكون المعبر خطوة تدريجية على طريق تسلّم فتح إدارة القطاع، ومن جهة أخرى سيكون نافذة لإنعاش اقتصاد غزة، وهذا يصب في مشروع السلام الاقتصادي لحكومة نتنياهو، كما أنه سيثبت في وعي المواطن الفلسطيني أن مفتاح خلاصه من شقائه وفقره وحصاره يكمن في يد فتح ومشروعها. ومهم بالنسبة لإسرائيل وفتح على حد سواء إقناع المواطن الغزي بذلك ليسهل إغراؤه بضرورة الخلاص من حكم حماس، أو على الأقل جعله يتقبل ذلك ويُحيّد عن ساحة المواجهة في حال تطور الموقف باتجاه حرب جديدة وشاملة على غزة، خصوصاً وأن عهد فتح وحكمها مرتبطان في ذهن الناس في غزة بالانفلات الأمني والفوضى والاضطراب الداخلي، ولا بد أولاً من تغيير هذه الصورة لدى المواطن الغزي قبل استقدام فتح مجدداً لغزة!
والاحتلال من جهته سيعتبر أن هذا الثمن يكفي وزيادة لدفعه لفتح على طاولة التفاوض مقابل خدماتها الأمنية الجليلة السابقة، وتلك التي ستعقب سيطرتها على غزة، ويمكن أن يكون هذا الثمن بديلاً عن تجميد الاستيطان وبقية القضايا الكبرى. وقيادات فتح تدرك قبل غيرها أنها لن تحصّل تنازلاً سياسياً ذا قيمة، وهي لذلك برأيي لا تسعى لاتفاق سلام نهائي، حتى وإن أعلنت عن ذلك وأوهمت به نفسها وشعبها، فهي تعرف أنه ليس ثمة أمل بتوقيع اتفاق يتضمن دولة على حدود 67 مع تحصيل الحد الأدنى من الحقوق، وتعلم تماماً أن أقصى ما يمكن الحصول عليه هو أن يعيد الاحتلال لها غزة، ثم يتم بعدها إيهام الشعب بأن دولته التي وعده بها فياض قد قامت، وأن هناك تفاوضاً يجري على القضايا الكبرى، حتى وإن تم تمديد ترحيلها واستمر التباحث بشأنها للأبد.
بقي أن نقول إن ما يجري التخطيط له أو الحلم بتحقيقه على طاولة المفاوضات شيء، وما قد تحمله مجريات الواقع شيء آخر، وقد خبرنا فيما سبق مآلات المخططات الأمريكية يوم أن كانت تحلم بأن تفلح فكرة الانتخابات في احتواء حماس، ويوم أن خططت فيما بعد للقضاء عليها بقوة السلاح في غزة..
(ويمكرون ويمكر الله).. هذا ليس شعاراً عاطفياً لمواساة النفس، بل هو قَدَر نراه يتكرر في فلسطين على الدوام، فرياح التغيير على هذه الأرض لا يمكن لأحد أن يتنبأ بمكانها وزمانها وحجم تأثيرها هين تهب!