بين عشية وضحاها تخبط المستوى السياسي الإسرائيلي بين قرارين متناقضين بدرجة كبيرة فبالأمس القريب بتاريخ وأمام اللجنة الإسرائيلية المكلفة داخليا بالتحقيق في أحداث أسطول الحرية…
بين عشية وضحاها ... تخبط المستوى السياسي الإسرائيلي بين قرارين متناقضين بدرجة كبيرة ، فبالأمس القريب بتاريخ 9/8 وأمام اللجنة الإسرائيلية المكلفة داخلياً بالتحقيق في أحداث أسطول الحرية ، ألقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بينيامين نيتانياهو بمسئولية أحداث الأسطول التي وقعت في 31/أيار على المستوى العسكري وعلى وزير الجيش إيهود باراك بالتحديد .
لكنه وفي اليوم التالي وبتاريخ 10/8 سرعان ما اتجه عكس ذلك تماماً محملاً شخصه مسئولية الأحداث .
هذا التناقض في رأس الهرم السياسي الإسرائيلي لم يأتي من فراغ ، فالإتهام الموجه من قبل نيتانياهو للمؤسسة العسكرية وتنصله من المسئولية ، يبدو أنه قد أثار انتقاداً واسعاً داخل الأوساط الإسرائيلية بشتى أنواعها ، الأمر الذي جعل رأس الحكومة يعدل عن قراره الأول ، كما أن توجيه الإتهام لقادة الجيش من هذا المستوى الحكومي يعتبر إدانةً صريحة ودامغة بحق قادة الجيش الأمر الذي سيعزز توجه بعض الدول إلى استغلال هذه الشهادة في إضافة مادة جديدة في ملفات القادة الإسرائيليين المتهمون بجرائم الحرب ، في توجهٍ من هذه الدول إلى إصدار مذكراتٍ باعتقال هؤلاء القادة في حال دخولهم أراضيها .
وفي هذا السياق يجب أن لا ننسى دور السذاجة العسكرية الإسرائيلية التي أسهمت بشكل كبير في وضع المستوى السياسي في مأزق كبير بفعل النتائج التي آلت إليها الأمور على متن مرمرة .
فالقرار الإسرائيلي - في حينه - بمهاجمة سفن أسطول الحرية وسحبها إلى ميناء أسدود عنوةً كان قراراً عسكرياً بامتياز .
هذا القرار في حينه قُدّم للجهات العليا الإسرائيلية على أنها عملية تقليدية ومن السهولة بحيث أنها ستحقق هدفين رئيسين لإسرائيل :
الأول : هو أن طريقة السيطرة على سفن الإغاثة وبهذا السيناريو الذي حصل والذي أُعد بطريقة عرض العضلات ، سيجعل مجرد التفكير في تكرار قوافل الإغاثة بحرياً أمراً في غاية التعقيد ودون جدوى .
الثاني : الإثبات للعالم الخارجي – وخاصة المتعاطف مع غزة – أنه لا يمكنهم إحداث أدني تغيير في المنطقة بمعزل عن الإرادة الإسرائيلية .
القيادة العليا الإسرائيلية استبعدت هذا المشهد الذي خرج عن النص أثناء تصدي جيشها للقافلة ، وذلك بدا واضحا من خلال مبررات الحكومة الإسرائيلية الواهية في معرِض تعليقها رسميا وغير رسميا علي النتائج المأساوية التي آلت إليها الأمور .
لذلك فإسرائيل وبكل تأكيد ليس باستطاعتها تحمل هذا الوضع الحرج الذي أوقعتها فيه السذاجة العسكرية لقيادة الجيش ، وهذا هو مصدر مظاهر التخبط الذي لازم المستوى السياسي منذ وقوع الأزمة وحتى يومنا هذا ، وما مظهر إتهام قيادة الجيش والعدول عنها إلاّ إحدى أبرز حلقات هذه السلسلة من التخبط ، وأما المظهر الآخر والذي لا يقل أهمية عن سابقه ، ما قامت به إسرائيل عندما أعادت سفينة مرمرة التي استولت عليها ، فقد تبين أنها قامت بطلائها ظانّةً أنها بذلك ستخفي أدلة على متن السفينة تدينها وتؤكد استعمالها للرصاص الحي ضد ركاب السفينة العُزّل ، وكأن ركابها ماتوا غرقاً في المياه ولم يموتوا غرقاً بدمائهم !!
وهذا المشهد يذكرنا بذلك الثعلب الذي حاول إخفاء جريمته بدفن ريش فريسته لكنه نسي أن آثار الدم لا زالت على فمه !!!
فشهداء أسطول الحرية الأتراك الذين قَضَوا ، سينضموا إلى تلك القائمة الطويلة من المجازر الإسرائيلية التي راح ضحيتها الآلاف من الأبرياء .