المسجد الأسير... أتذكرونه؟

المسجد الأسير... أتذكرونه؟

د. ديمة طارق طهبوب
2010-08-16

جدول عادي تزدان المساجد في رمضان وتنفض عنها غبار هجران المسلمين لها طوال العام ويرتفع الأذان ويعلو صوت الذكر وتزداد صفوف المصلين وتزدحم الساحات وتضاء المصابيح ليلا وفجرا وحتى…

تزدان المساجد في رمضان، وتنفض عنها غبار هجران المسلمين لها طوال العام، ويرتفع الأذان، ويعلو صوت الذكر، وتزداد صفوف المصلين، وتزدحم الساحات، وتضاء المصابيح ليلا وفجرا، وحتى الدول العربية التي تمارس طوقا أمنيا على المساجد فتطلب هويات وبطاقات شخصية لدخول المسجد، أو تقنن مواقيت الفتح والإغلاق، ترخي قبضتها في رمضان، ويعود المسجد ليتبوأ مكان الصدارة في حياة المسلمين، وتعود الصلوات إلى الواجهة في أيامه، وما يلازمها من دعاء وتلاوة وحسن خلق .

حتى اللاهون لا يعدم المسجد منهم خطوة رمضانية في صلاة جمعة أو تراويح أو عيد، مدفوعين أحيانا برغبة، وأحيانا رضوخا للعادات وحالة التوجه الجمعي إلى المسجد .

أما المحبون فينتظرون رمضان لتكثر خطاهم إلى المساجد، فينالون بكل خطوة حسنة ورفعة، ويذوقون في هذا الشهر معنى الرباط بين الصلاة والصلاة، ويعود إلى الذهن كيف كان المسجد في حياة الأولين مهد السلم، ومصنع الحرب، المرتقى إلى عليين، ودار إنجاز أمور الدنيا والدين .

والنساء يَتُقْنَ لمشاركة الرجال في أجر صلاة الجماعة في المسجد، ويفرحن بالفسحة التي أعطاها لهن المصطفى صلى الله عليه وسلم عندما قال: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" ويمشين على خطوات نساء الصحابة اللاتي نزلت عليهن آية الحجاب، فخرجن إلى صلاة الفجر بالمروط السوداء، عليهن ستر من الله، في مجتمع ستير، لا ينظر رجاله إلى نسائه .

في رمضان يصبح المسجد مكان الإقبال، ويشهد ساعة الازدحام والذروة، وتلتصق الأكتاف بالأكتاف، والأقدام بالأقدام، وتنتظم الفوضى وراء نداء "الله أكبر"، فلا تسمع بعده إلا همس القراءة والتسبيح .

في رمضان تعود بيوت الله لتفتح أبوابها لعباد الله، وكل ينال من فضلها في دينه ودنياه، ولا يحرم الله المذنب، ولا ينسى من فضله المقصر، وخطوة الصدق يقابلها الله بخطوات، ومن أتاه يمشي يأتيه رب العزة هرولة .

تلبس المساجد إهابا آخر في رمضان، وتهفو الأفئدة إلى بيت الله الحرام ومسجد نبيه، إلا مسجدا واحدا تخلو ساحاته إلا من كبار السن بالقدر الذين يتحاملون على الأمراض والأوجاع بنية الصلاة والصمود والثبات، بينما الشباب ممنوعون، يفترشون الشوارع المؤدية إليه، وأعقاب البنادق مصوبة نحو هاماتهم الساجدة تتحرق لاختراقها، كما كان ذات يوم رمضاني في المسجد الإبراهيمي .

تنار المساجد كلها، ويبقى هو خافت الأضواء والأنوار، فقد نسي المسلمون وصية رسولهم أن يبعثوا بزيت يسرج في قناديله، ولسان حاله يبكي :

                                               كل المساجد طُهّرت   وأنا على شرفي أُدنّس

تعمر وتجدد المساجد في رمضان ويبقى هو مفرغا من تحته، وأساساته تنخرها الحفريات والمواد الكيماوية، ومع ذلك تمسكه قوة الله التي تمسك السماء بغير عمد، ويحرقه الأعداء في رمضان فينجيه رب إبراهيم، وتخمد النيران بعد قليل ضرر .

كل المساجد تتحقق فضائلها في رمضان، وتبقى فضائله معطلة عن أمة المسلمين، فكم يستطيعون أن يغنموا ثواب الصلاة فيه؟ كم من المسلمين يستطيعون أن يشدوا الرحال إليه؟ كم من المسلمين يهلون بحجة أو عمرة منه ليغفر لهم ما تقدم من ذنوبهم وتجب لهم الجنة؟

كل المساجد يلتئم شملها مع محبيها ويبقى هو محروما تشتاق أرضه لجبهة المصطفى ساجدا إماما بالأنبياء، تشتاق لجبهة عمر الذي أغلق الأعداء مسجده بجانب الأقصى حتى ينسى المسلمون الفاتح وسيرة الفتح والعهدة العمرية، تشتاق أرضه لصلاح الدين الذي كان يعرف بأمير الجمع والجماعات، وللشيخ المسجون المحزون على فراقه شيخ الأقصى رائد صلاح، تشتاق أرضه لجباه أمة محمد وخطباء أمة محمد ليعتلوا منبر نور الدين (المعروف بمنبر صلاح الدين) ليلقوا من فوقه خطبة النصر والفتح المبين >

تشتاق أرض الأقصى إلى سجود كسجود الخليفة عمر يوم فتح الله عليه بيت المقدس، فدخلها وقت العشاء، وسجد لله شكرا، فما رفع رأسه إلا وقد أذن مؤذن الفجر .

ويبقى المسجد الأقصى وحيدا مأسورا محاصرا، وتبقى القبلة الأولى ممنوعة من الالتحام بالمسلمين لتضفي عليهم من البركة التي أرساها الله فيها، ومن المجد الذي أنالهم إياه لقيادة البشرية ووراثة الرسالاتز

هو ذات التاريخ يتكرر يوم عاث اليهود فسادا في الأقصى زمن المسيح وحولوه إلى سوق للبيع والشراء، فجعل المسيح عليه السلام يطردهم عنه ويصيح: "مكتوب في الكتاب، بيتي يدعى مكانا للصلاة، وأنتم جعلتموه مغارة لصوص" كما يذكر العهد الجديد أن عيسى عليه السلام قال مخاطبا القدس: "سيجيء زمان يحيط بك أعداؤك بالمتاريس، ويحاصرونك ويطبقون عليك من كل جهة، ولا يتركون فيك حجرا على حجر "

وتابع الصليبيون اليهودَ على فسادهم، فقتلوا في ساحات المسجد الأقصى يوم دخلوه سبعين ألفا، منهم جماعة كبيرة من أئمة المسلمين وعلمائهم، وسرقوا قناديل الصخرة، وعطلوا الأذان مائة عام كما يروي المؤرخ ابن الأثير، وحولوا مصلياته إلى إسطبلات ومزابل وكنائس .

ثم صير الله لبيته من تربوا رهبانا في الليل فرسانا في النهار، من كان جهادهم يبدأ من جانب المحراب ليثمر شجاعة ونصرا في ساح القتال، وما من خلافة إسلامية إلا وحرصت أن تكتب اسمها وتثبت آثارها في باحاته ومدارسه وتكاياه وبوائكه وسبله، وكأن التاريخ يبدأ من عنده، كما سينتهي به يوم يكون مهد آخر خلافة إسلامية تقوم على بيعة هدى على منهاج النبوة، وتسلم بعدها ليوم المحشر والمنشر .

كل خلافة أعطت المسجد الأقصى عصارة مجدها، وخيرة رجالها، وزخم قوتها، فماذا أعطيناه نحن؟؟

ماذا أعطى أهل الشام الذين بشر النبي بهم، فقال: "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم"، وقال أيضا: "عليكم بالشام فإن الله قد تكفل لي بالشام وأهله"، وقال: "يا طوبى للشام، يا طوبى للشام، تلك ملائكة الله باسطو أجنحتهم على الشام"، "ألا إن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام ".

ماذا فعلنا له؟

أصبحنا نذهب إليه سائحين صاغرين مُطَبِّعين من بوابة المحتل، بدل أن ندخله فاتحين محررين !!

حصرنا قضيته برحلة وزيارة ونظرة وصورة تذكارية، ونسينا الجهاد والإعداد، وتنكرنا للشهداء والمبعدين والأسرى .

نعم إن للبيت ربا يحميه، ونحن الذين نغنم بنصرته أو نخسر بخذلانه، ولا يضر المسجد شيئا .

أن نذكره بالدعاء في مساجدنا أمر مهم، ولكن الدعاء ليس فعل القاعدين المتخاذلين، ولكنه عبادة العاملين، فالدعاء يُتبع بالعمل، ويخلط بالقطران من أول الإمداد بالزيت وما يقوم مقامه إلى من يستشهد في ساحاته .

اللهم ارزقنا في الأقصى صلاة قبل الممات، وأن نكون من جند فتحه وتحريره .

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026