تصريحات وردود

تصريحات وردود

د. عبد العزيز الرنتيسي
2003-07-08

د عبد العزيز الرنتيسي لقد ذكرت في مقالي السابق أن تعليق حماس المشروط للعمليات العسكرية لمدة ثلاثة أشهر كان ثمرة تشاور عميق بين جميع قيادات الحركة في مختلف أماكن تواجدهم ولقد درسنا…

د. عبد العزيز الرنتيسي

لقد ذكرت في مقالي السابق أن تعليق حماس المشروط للعمليات العسكرية لمدة ثلاثة أشهر كان ثمرة تشاور عميق بين جميع قيادات الحركة في مختلف أماكن تواجدهم، ولقد درسنا الأمور من جميع جوانبها دراسة مستفيضة، أي أننا عندما اتخذنا القرار كانت الرؤية أمامنا واضحة جلية، وكنا ننظر إلى الصورة كاملة وليس إلى زاوية واحدة فقط من زواياها، وكان بين أيدينا من المعلومات الشيء الكثير مما يعلمه غيرنا ومما لا يعلمونه، ولذلك أستطيع القول أن قرارنا كان قرارا واعيا وحكيما ومطابقا للشرع الإسلامي في آلية اتخاذه، ولا أرى له مثيلا في تاريخنا الإسلامي إلا صلح الحديبية، عندما رأى الصحابة فيه غبنا للمسلمين فتوجسوا منه خيفة ولولا أن طمأنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لبقي الخوف على مستقبلهم السياسي سيد الموقف، ومن هنا فثقتي أن الخطوة التي اتخذنا ستكون في صالح الشعب الفلسطيني والحركة الإسلامية، وأن المتضرر الوحيد منها سيكون الكيد الصهيوني والتآمر الأمريكي. 

ولقد وقف المحللون السياسيون من الإعلان مواقف شتى، فمنهم من نظر إلى الخطوة بأنها "ضربة معلم" كما قيل لي بالحرف الواحد سواء من المقربين من الحركة أو غير المقربين، ومنهم من تخوف من هذه الخطوة وهؤلاء المتخوفون هم ممن يؤيد المقاومة ويخشى عليها من الثعالب والذئاب التي تتربص بها الدوائر، وهم مشكورون أولا على تخوفهم، ومحقون ثانيا في موقفهم هذا لأننا ونحن ندرس الموقف وضعنا في حسابنا نفس التخوفات ولكننا وازنا بين الأمور فاخترنا مجتهدين ما ظنناه أقل ضررا وتوكلنا بعد ذلك على الله.

وكما أن هذه الخطوة الجريئة من قبل حماس قد حظيت باهتمام المحللين والسياسيين من العرب والمسلمين، فقد حظيت باهتمام دولي، فجميع دول العالم تقريبا كان لها اهتمام بهذا الإعلان، بما في ذلك أمريكا والاتحاد الأوروبي، وكذلك معظم دولنا العربية والإسلامية.

ولقد أدت هذه الخطوة الحكيمة إلى ردود أفعال أمريكية وصهيونية هامة تحتاج بطبيعة الحال إلى ردود

"كونداليسا رايس" مستشارة الأمن القومي في المؤسسة الأمريكية تصرح " أن أمريكا ستستثمر مبالغ هائلة في رفاه الفلسطينيين، بهدف حرمان حماس من الادعاء بأنها هي وحدها تحرص على الشعب الفلسطيني. وتحدثت رايس عن الحاجة إلى "مشروع مارشال" لإعادة بناء البنى التحتية في المناطق شق طرق جديدة، إنشاء المستشفيات ومؤسسات الإغاثة والمساعدة الإنسانية - لتكون وزنا مضادا للمؤسسات التي تمولها حماس".

إن هذا التصريح يدل على أن أمريكا التي تحدثت طويلا عن تجفيف منابع حماس، والتي حرضت بشتى الوسائل من أجل القضاء على الحركة، والتي طالما أعلنت أن حماس حركة إرهابية، بل والتي أعلنت الحرب على حماس، هاهي اليوم تتحدث بطريقة أخرى تنم عن إفلاس في مواجهة الحركة، فأمريكا تكتفي اليوم بالمواجهة عن طريق ضخ أموال للسلطة علها تخلق مؤسسات لدى السلطة توازي مؤسسات حركة حماس، إن في هذا التصريح تراجع أمريكي واضح أمام هذه الحركة المجاهدة، فأمريكا بهذا التصريح تعترف أن حماس تحرص على الشعب الفلسطيني وتقر بأن الحركة قد أنشأت المؤسسات التي ساهمت في صمود هذا الشعب، وهذا إقرار منها بنظافة يد قادة وكوادر حماس الذين لم ينهبوا أموال المؤسسات بل وظفوها لخدمة الشعب، ورايس تعترف بأن مؤسسات حماس أقوى بعون الله من التخريب الأمريكي فلم تعد أمريكا تفكر بحصارها والقضاء عليها وتجفيف منابعها فقد أيقنت أنها أعجز من أن تقوم بذلك ولهذا اكتفت بمحاربتها عبر منافستها.

ثم أضافت "رايس" مشددة " أن الإدارة الأمريكية لن تسعى إلى حل وسط مع حماس وستواصل الجهود الدولية لعزل الحركة وحرمانها من مصادر التمويل".

وهذا إقرار آخر من "رايس" أن أمريكا باتت تدرك أنها تقف عاجزة وحدها أمام مواجهة حركة تحب شعبها، ويحبها شعبها، وتتفانى في خدمة هذا الشعب المرابط، ومن هنا فإعلان رايس يتجه إلى تجنيد العالم لمواجهة حماس، وهذا التصريح تطابق مع تصريحات "لبوش" "وباول" وجميعها تدل على إفلاس الكيد الأمريكي في مواجهة حركة جماهيرية.

ورئيس جهاز المخابرات  "الشباك"، الصهيوني "آفي ديختر" يصرح قائلا "حماس تشكل تهديدا استراتيجيا بالنسبة لإسرائيل"

ومثل هذا التصريح يعتبر إقرارا بأن الخطر الحقيقي على دولة الغصب والعدوان إنما يكون عبر المقاومة وليس عبر المعانقة، وكلمة تهديد استراتيجي تعني أن كيانهم الزائل بإذن الله سيصبح في خطر مع استمرار المقاومة، وهذا يعكس حالة الهزيمة والخوف التي يعيشها قادة العصابات الصهيونية.

وما صرح به رئيس أركان العصابات الصهيونية "موشي يعلون" عندما قال "إن علينا في هذه اللحظة أن نعلن أننا انتصرنا" وأضاف قائلا " طلبت حماس وقف النار قبل أن يرن جرس إنهاء الجولة. هناك احتمال في أن قوة حماس قد هبطت".

طبعا هذا التصريح الأرعن يعكس حالة الهزيمة التي يعيشها "يعلون" "وموفاز" وكبيرهم "شارون"، فأي نصر هذا الذي حققه "يعلون" وهو أعلم الناس بأن "شارون" قد استغاث بأمريكا كي تنقذه من جحيم المقاومة، لأن وعوده للصهاينة بتوفير الأمن قد تبخرت أمام بسالة المقاومة، وأنه بعد عملية القدس أخذ يتوسل من أجل الهدنة، ويعلم "موفاز" قبل غيره أن قادة حماس لم يردوا على محاولة الاغتيال الجبانة والفاشلة بإعلان الهدنة كما يزعم ولكنهم ردوا عليها بصفعه في القدس، ولو كانوا يخشون على حياتهم كما يزعم "موفاز" لما اقتحموا القدس على القتلة، ولكن مثل هذه التصريحات تعكس حالة الهزيمة التي يعيشها "يعلون" "وموفاز" وكبيرهم "شارون"، ونقول "ليعلون" المعركة لم تنته بعد، والقادم صعب، وما لم تتحرر فلسطين فلن ينعم أحد من الصهاينة الغزاة بالأمن، ولا يمكنني أن أتجاهل الأصوات الواعية في الجانب الصهيوني لطبيعة الصراع والتي لم تسكت أمام انفعال "يعلون" العاطفي الأرعن

فهذه عضو الكنيست " زهافا غلئون" ترد على "يعلون" قائلة "كل نهج التبجح هذا هو نهج لا مجال له. في ماذا انتصرنا؟ بموت المئات في السنوات الأخيرة؟!! ".

وهذا الوزير الصهيوني "بني ألون" يرد أيضا قائلا "رغم عدم الاكتراث الخطير لشارون، فإن كل هشارون في أزمة سير بسبب الخوف من فدائي واحد. من الصعب جدا تسمية هذا الأمر نصرا".

عضو الكنيست "عمرام متسناع" يرد قائلا "هذا قول وقح، قبل أسبوعين قتل 17 شخص في باص - أهذا يعد نصرا".

ويعتقد "موفاز" نفسه بأنه لا يزال لا مجال للحديث عن النصر. وقال "لمعاريف" "إن الأسابيع القريبة القادمة هي حرجة. هناك لا يزال احتمال أن يكون اندلاع آخر وشديد للعنف في الأشهر القريبة القادمة. علينا أن نقف على أهبة الاستعداد وأن نتصرف بحذر".

لقد أثبتت هذه الخطوة أن الحركة الإسلامية في فلسطين تشكل رقما صعبا لا يمكن تجاوزه، وأعني بذلك أن المخططات الصهيونية الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية والوجود الفلسطيني عبر طاولة المفاوضات لا يمكن أن تمر بإذن الله، فكل الدلائل التي ظهرت بعد هذه الخطوة تبين أن تجاهل الحركة والقفز عنها درب من المحال.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026