الحرب على التديُّن إذ تصبح سياسة في الضفة!

الحرب على التديُّن إذ تصبح سياسة في الضفة!

لمى خاطر
2010-07-14

ما من شك بأن من تابع من أهل الضفة مهرجان طفل الأقصى في القدس الذي نظمته الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني مؤخرا سيتحسر على حال الضفة الغربية وهي تشهد عهدا غير مسبوق من تجفيف…

ما من شك بأن من تابع من أهل الضفة مهرجان طفل الأقصى في القدس الذي نظمته الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني مؤخراً سيتحسر على حال الضفة الغربية وهي تشهد عهداً غير مسبوق من تجفيف منابع الفضيلة والإصلاح على مستوى الفرد والمجتمع، وتضيع فيها أوقات الشباب سدى دون أن تجد المحاضن التربوية لاستثمار وقتها وطاقاتها على نحو مثمر وخلاق.

لقد كانت الحركة الإسلامية في الضفة على مر تاريخها تحسن استثمار النفوس وتربية النشء وابتكار وسائل دعوية وإصلاحية وإغاثية تستفيد منها جميع شرائح المجتمع، وحتى حين كانت حماس تمر بأصعب مراحل الاستهداف صهيونياً لم يكن ذلك يشكل عائقاً أمام استمرار خطها الدعوي، بل ظلت برامجها التربوية والاجتماعية في تطور وتفاعل، وكانت تجد إقبالاً منقطع النظير من جهة، وتفرز نتائج وآثاراً إيجابية من جهة أخرى، وهي آثار لمسها من عاش فترة التحول الكبيرة التي شهدها الشارع الفلسطيني عبر انتقاله من الحقبة العلمانية في مناحي حياته المختلفة إلى مرحلة التدين واعتناق المفاهيم الإسلامية، وبحيث غدت بضاعة التيارات العلمانية والماركسية تعاني الكساد، وانفض الناس من حولها لدرجة رأينا معها تلك التيارات تحاول ركوب الموجة والسير مع الاتجاه العام لقناعات الشارع وذلك عبر محاكاة الخطاب الإسلامي وتقليد مسلكه في بعض المناحي ورفع جزء من شعاراته وخاصة فيما يتعلق بالمقاومة.

وإن كان المشروع الدعوي والتربوي قد شهد تطوراً وإنجازات كبيرة في كل من غزة وفلسطين الـ48، وباتت نشاطات الحركة الإسلامية في هذه المناطق تستقطب اهتماماً كبيراً وتؤثر في قطاعات عريضة من الجمهور، إلا أن الواقع في الضفة نجده معاكساً لذلك تماماً.

فمنذ أن حلّت خطيئة مشروع "دايتون" في الضفة وبدأت الحكومة اللاشرعية برئاسة فياض بممارسة مهامها وجدنا أن هناك حرباً تدريجية تُشن على كل مظاهر الدعوة والإصلاح والتربية، وقد بلغت هذه الحرب اليوم أسوأ مراحلها؛ فدور القرآن مغلقة بأوامر رسمية، والمؤسسات الخيرية ممنوعة من ممارسة نشاطها الاجتماعية والثقافية داخل المجتمع بعد أن سيطرت عليها فتح وتحكمت بجميع نشاطاتها الخاضعة أصلاً لرقابة أمنية مشددة، ومسخت برامج المخيمات الصيفية التي لم تعد تقدم للطلاب غير الجانب الترفيهي، أما المساجد فحالها يرثى له، فالفصل الوظيفي يطال العشرات من الأئمة من المحسوبين على حماس أو حتى المعروفين باستقامتهم والتزامهم الديني، هذا عدا عن تحول المساجد لساحة تعج بالمخبرين وكتبة التقارير وبلاغات الوشاية التي ترفع للأجهزة الأمنية فتفرض بمقتضاها قيوداً حديدية على رواد المساجد ونشاطاتها.

وفي المقابل انتعشت سوق الإفساد الأخلاقي وفتح الباب أمامها على مصراعيه، فصار انتشار النوادي والملاهي الليلية أمراً مألوفاً وعلنياً خصوصاً في رام الله عاصمة السلطة، فيما باتت أموال المانحين والمنظمات الإغاثية العالمية تنفق على تنفيذ المشاريع الترفيهية بالدرجة الأولى.

الحرب على التدين في الضفة ليست عبثية بكل تأكيد، بل هي سياسة تصب مباشرة في خدمة أهداف مشروع السلطة فيها، فالتدين كان ولا زال في فلسطين قريناً للمقاومة، ومحركاً لها ومحشداً حول فكرتها، وهو العامل الأبرز الباعث على استمرارها من جهة، وعلى مناهضة مشاريع التفريط من جهة أخرى، ولاسيما بالنظر للخصوصية الدينية لقضية فلسطين عموما، ولذلك ينخفض الاكتراث الجمعي بالقضية ويخف الحماس لمواجهة الاحتلال حين تشيع أجواء الفساد الأخلاقي والبعد عن الدين، وتنقلب أولويات الفرد واهتماماته، وهي أجواء تعد مثالية لازدهار مشاريع التسوية والترويج لها، مستفيدة من غياب الخطاب والنشاط الديني وانحسار دوره التعبوي.

 

سياسة السلطة اليوم لا تستهدف فقط النشاط الديني والتربوي، بل كذلك تسعى لملء الفراغ الناشئ من هذا الغياب بإشاعة أجواء الإفساد وإلهاء الناس بتوافه الأمور، وقد بثت مؤخراً شبكات تلفزة عالمية تقارير عدة حول انتشار الملاهي الليلية في مدينة رام الله، وكان مفاجئاً رؤية مثل تلك الظواهر الدخيلة على تقاليد الشعب الفلسطيني الذي كان استشعاره بوجود الاحتلال صارفاً له على الدوام عن الإيغال في مثل هذا اللون من الفساد، لكن أكذوبة الدولة التي تروج لها حكومة فياض نجحت في جعل قسم من الجمهور الفلسطيني يتناسى مسألة الاحتلال وما تفرضه من تحديات.

وعلى كل حال، فحتى لو بلغت سياسة الإفساد وتغييب مظاهر الالتزام والفضيلة نهايتها وحققت جزءاً من مآربها فلن يكون صعباً نسف كل التغيرات التي أحدثتها في الوعي وفي الواقع الفلسطيني، ومن لديه شك بهذا فليعد بالذاكرة عشر سنوات إلى الوراء وتحديداً لصيف عام 2000، ليستذكر كيف أن مرحلة النسيان والفساد حينها قد تجاوزتها انتفاضة الأقصى أواخر ذلك الصيف، وأسست بنيان مرحلة جديدة مغايرة، ولن ينتظر هذه المرة أن يكون إفراز أي تغير قادم بأقل منه قبل عشر سنوات، مع فارق أن سلطة الضفة ستحصد هذه المرة نهايتها الحتمية وأفول نجم مشروعها الواهن، وستعلو من جديد راية الحق والمقاومة لتعيد للبوصلة اتجاهها الصحيح، (فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض).

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026