بمعايير الربح والخسارة إسرائيل خاسرة في كل جبهاتها خاسرة في معركتها مع أمعاء أهل غزة ولم تنجح في تصوير حصارها على القطاع كجزء من الحرب على الإرهاب وهي سيدته بلا منازع معظم دول العالم…
بمعايير الربح والخسارة، "إسرائيل" خاسرة في كل جبهاتها. خاسرة في معركتها مع أمعاء أهل غزة، ولم تنجح في تصوير حصارها على القطاع كجزء من "الحرب على الإرهاب" وهي سيّدته بلا منازع. معظم دول العالم بما فيها حلفاء ل "إسرائيل" يرفعون الآن صوتهم لرفع الحصار. وزراء خارجية عدد من دول الاتحاد الأوروبي سيزورون القطاع قريباً، ولم تبق سوى محاولات البعض مساعدة "إسرائيل" في آخر المحاولات للالتفاف على هذا الضغط الدولي، وهي كذبة تخفيف الحصار التي بدأت بدورها تتفكك أمام حقيقة تتكون من بشر يجوعون ويموتون.
كل التغيّر المشار إليه يتعلق بالمستوى الرسمي لما يسمى المجتمع الدولي، لأن شعوب العالم وأحراره وقفوا منذ اليوم الأول ضد الحصار بوجهيه السياسي والإنساني. لا تجد "إسرائيل" الآن جهة تدير إليها وجهها من دون أن تقابل بصيحة استنكار أو ما هو أقسى منها، بل بات العديد من قادتها يقرون بأن الصورة البشعة والسمعة الملطّخة تسبقهم إلى أي مكان يذهبون.
لكن الخسارة الكبرى وغير المسبوقة في الحرب "الإسرائيلية" مع العالم هي بلا شك تركيا، وهي قصة يمكن أن تبدأ من مقولة "الجاهل عدو نفسه" ولا تنتهي بمن يقطع الغصن الذي يجلس عليه. كثيرون كانوا يلاحظون دقة الحسابات لدى الأتراك وهم يلاحقون قتلة أبنائهم في البحر، وكان الطابع الغالب، رغم الغضب في اللهجة التركية، تفضيل المسار الدبلوماسي مع بعض الإجراءات المحسوبة التي لا تقترب من الحسم بانتظار ما يحقّقه رد الفعل المتراكم.
لكن وزير الخارجية التركي داوود أوغلو قلب طاولة التوقعات وأطلق تهديداً واضحاً وقاطعاً وصريحاً بقطع العلاقات الدبلوماسية مع "إسرائيل" إذا لم تعتذر عن مجزرة الأسطول، وتدفع التعويضات لأسر الضحايا.
من الطبيعي أن ترفض "إسرائيل" هذه المرة الاعتذار، لأن الأمر الذي ستعتذر عنه ليس حدثاً ينطوي على بعد معنوي كحادثة الكرسي المنخفض، بل جريمة فيها ضحايا ودماء. فالاعتذار يعني الاعتراف بالجريمة، ما يفتح الباب القانوني أمام محاكمة المسؤولين عنها كمجرمي حرب، وربما يصبح هذا الباب مدخلاً لمحاكمات أوسع.
لكن الهروب "الإسرائيلي" المؤقّت من المحاكمات سيكون ثمنه قطع أنقرة العلاقات معها، وهذا بحد ذاته خسارة كبيرة ووقف لقطار ممتد منذ ستة عقود من المصالح الشاملة والعلاقات التي تميل كفة ميزانها لمصلحة "إسرائيل". ولا نعتقد أن الحسابات "الإسرائيلية" بشأن المعادلة القائمة في تركيا دقيقة، رغم عدم امتلاكنا ميزاناً دقيقاً يقيس الجدل الداخلي هناك، لكن المعادلة التي تدخل فيها الدماء، يضيق فيها حيز المساومة وتقبّل القاتل إلى هامش رفيع من بعض المنتفعين الذين لا يضعون فوق أنانيتهم لا شرف ولا دماء ولا قضية بلد.
كان على "إسرائيل" أن تعرف أن عدوانها على سفينة تحمل علم تركيا، لن ينتهي مع آخر رصاصة أطلقها أحد جنودها في عملية القرصنة، والأهم أن لا تسقط مشاعر خوفها على الآخرين، وعليها أن تستعد للتعامل قريباً مع سبع سفن جديدة وتسعة آلاف متضامن يشدّون الرحال إلى غزة.