جدول عادي إذا كانت إسرائيل في الوقت الراهن منشغلة في مناقشة سبل إيقاف أسطول كسر الحصار عن غزة والذي يشهد كل مرحلة تناميا متزايدا في عدد السفن والمشاركين فيها على حد سواء فإنها على…
إذا كانت (إسرائيل) في الوقت الراهن منشغلة في مناقشة سبل إيقاف أسطول كسر الحصار عن غزة، والذي يشهد كل مرحلة تنامياً متزايداً في عدد السفن والمشاركين فيها على حد سواء، فإنها، على ما يبدو، قد باتت مرتاحة من الناحية الأمنية للجهد الذي يبذله غيرها في حماية أمنها، وتدعيم أسس الحصار على غزة من قبل بعض الأنظمة العربية.
حكايات وعذابات كثيرة تلك التي باتت تظهر إلى العلن عن مآس قامت بها أجهزة الأمن المصرية إزاء المعتقلين من أبناء المقاومة الفلسطينية مهما اختلف انتماؤهم الفصائلي. فحديث الدكتور (رمضان عبد الله شلح) إلى الإعلام عن (غوانتانمو مصر)، والأساليب المستخدمة في تعذيب رجالات المقاومة، ، يزرع الأسى والألم من تصرفات غير مسؤولة لأجهزة أمن من المفترض أن ترى في (إسرائيل) لا فيمن تعذبهم، عدواً متربصاً، فإنه يثير التساؤل عن مدى جدية النظام المصري في الاستمرار في لعب دور الوسيط في قضية إنهاء الانقسام الفلسطيني الداخلي.
التقرير الذائع الصيت الذي نشرته وكالة (قدس برس) استناداً إلى شهادة ضابط أمن مصري شهد فنون التعذيب، وخياراتها أمام أبطال المقاومة يفاجئك بأن الغاية من ممارسة التعذيب وإيقاعه على المعتقلين الفلسطينيين كانت التركيز على بنية حركة "حماس"، ومكان الأسير "جلعاد شاليط".
وعن ظروف اعتقال الفلسطينيين في السجون المصرية، قال الضابط في جهاز أمن الدولة المصري: "الظروف الاعتقالية سيئة للغاية، حيث يتم وضع المعتقلين الفلسطينيين في زنازين انفرادية تسمى المخزن موجودة بين عنابر السجناء الجنائيين المصريين، وهم غالباً من القتلة وتجار المخدرات". حتى السجين الجنائي المصري يعامل بشكل حسن مقارنة بالمعتقل الفلسطيني، فلديهم فرصة للزيارات من قبل الأهل، والخروج إلى مكتبة السجن للقراءة وصلاة الجماعة، كما أن وجباتهم الغذائية أفضل، وهذه الأمور لا يمكن أن يحصل عليها المعتقلون الفلسطينيون، فهم معزولون عن العالم الخارجي، ويعيشون في ظلام مطبق بشكل مستمر في زنازين ضيقة ورطبة وقذرة للغاية، لا يستطيع حتى السجان المكوث فيها لدقائق معدودة بسبب رائحتها الكريهة، في حين يسجن المعتقل الفلسطيني فيها لأشهر متواصلة دون أن يرى الشمس. كما أنهم ممنوعون من الصلاة بشكل نهائي، وأثناء التحقيق يجبر المعتقل الفلسطيني على الصلاة وهو عارٍ بشكل كامل.
الضابط المصري كشف عن أوامر وصلت لأقسام الاعتقال في سجن المرج وبرج العرب وأبو زعبل وأمن الدولة في القاهرة لتشديد الإجراءات، والتضييق، وفعل كل ما يمكن أن يمتهن كرامة المعتقل خصوصاً معتقلي حماس، وذلك بعد رفضها التوقيع على ورقة المصالحة المصرية في شهر كانون ثاني (يناير) الماضي.
وأكد الضابط تعرض المعتقلين لأشكال عديدة من التعذيب الجسدي والنفسي بشكل مستمر، من أبرزها الشبح وتعليق المعتقل متدلياً من قدم واحدة أو يد واحدة على أنبوب حديدي في سقف الغرفة لمدة ساعات، وضربهم على الوجه والمناطق الحساسة بالعصي الكهربائية أو عصي "البيسبول" السميكة، وعصب أعينهم لأيام وقد تمتد لأسابيع وربط الأيدي بالأقدام.
أما أسئلة التحقيق التي يبدو أنها تهدد الأمن القومي المصري، من وجهة نظر جلادي المعتقلين الفلسطينيين، فكانت تتركز على هيكلية حماس في غزة، ومصادر تمويلها، ونوعية الأسلحة التي تمتلكها كتائب القسام، ونوعية الصواريخ ومداها، ومصادر الحصول عليها، وعلاقة حماس بحزب الله، أما السؤال المشترك لكافة المعتقلين فهو مكان إخفاء الأسير شاليط , وكيفية أسره والأشخاص المشاركون في عملية الأسر.
الأمر الذي لم يعد مفاجئاً ولا مستغرباً (رغم قسوته) وجود تعاون بين سلطات الأمن المصري وسلطة رام الله على مستويات مختلفة فيما يتعلق بقوائم أسماء مواطنين من قطاع غزة لهم علاقة بحماس أو الجهاد الإسلامي، فقد قال الضابط المصري: "في مرات كثيرة تعاونت السفارة الفلسطينية في القاهرة مع أمن الدولة المصري، وزودته بأسماء مواطنين من غزة ونصحت بأن يتم اعتقالهم فور دخولهم الأراضي المصرية؛ لعلاقتهم المباشرة مع حماس، وكل ذلك يحدث تحت بند إضعاف حماس في غزة".
مشاركة سلطة رام الله وحكومة فياض في هذه الجرائم تزامنت مع الإعلان عن قيام فريق رفيع المستوى مكون من 5 ضباط من قيادة جهاز الشرطة الفلسطيني بإجراء مباحثات في عمان مع جهاز الأمن العام الأردني من أجل الشروع في تنفيذ برنامج تدريبي يشمل نحو 600 ضابط شرطة فلسطيني متوسطي الرتب على العمل الشرطي "التخصصي"، وذلك من خلال تنفيذ برنامج تدريب "القيادة المتوسطة".
وبخصوص الهدف، وتوقيت تنفيذ هذا المشروع التدريبي الضخم، قال قائد الشرطة الفلسطينية اللواء حازم عطا الله: "الهدف من هذا المشروع التدريبي هو رفع كفاءة القيادة الميدانية في جهاز الشرطة وتكليفها بالمواقع التي تستطيع إدارتها، وتحسين الأداء الشرطي من خلال تبني الأساليب الحضارية الحديثة في القيام بالمهمات والمسؤوليات الشرطية". ولنا أن نسأل: كيف يكون تركيز سلطة رام الله على بناء شرطة قوية ومعظم أراضي دولتها العتيدة لا تزال تحت الاحتلال المباشر وغير المباشر؟، وفي مواجهة من سيتوجه نشاط هذه الشرطة المدربة على ما سمته الأعمال الميدانية؟.
والحال أن ظلم (إسرائيل) واضطهادها للشعب الفلسطيني قد يكون "متعقلاً" و"متفهماً" في ظل حالة الصراع القائمة معها بوصفها العدو والمحتل، أما ظلم ذوي القربى، فهو وإن كان أشد مضاضة وألماً على المرء، فإنه لن يكون مقبولاً أو متفهماً أو متعقلاً إلا إن وصفنا أصحابه بأوصاف نربأ في الوقت الحالي بأنفسنا عن إطلاقها، رغم أنها لم تعد خفية أو سرية بالنسبة للشعب الفلسطيني.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع