جدول عادي يتجدد الألم دوما وتولد المعاناة من جديد مع كل ذكرى تمر وترسخ في أعماق ذاكرتنا معاني تعلمنا كيف نضمد الجرح ونضغط على النزيف ونرفض الصراخ ونتناسى الألم ونميت المعاناة في…
يتجدد الألم دوماً .. وتولد المعاناة من جديد .. مع كل ذكرى تمر وترسخ في أعماق ذاكرتنا معاني تعلمنا كيف نضمد الجرح ونضغط على النزيف ونرفض الصراخ ونتناسى الألم ونميت المعاناة في أعماقنا .. ونظل صامدين رغم العواصف والمحن.
تعود ذكرى النكبة تدقّ أحزاننا .. ترنّ في حطام معاناتنا .. تعود وتتراقص فوق دموعنا .. تختبر الرجولة فينا .. تمتحن الرجال الرجال في وقت عزّت فيه الشجاعة والمروءة.
تأتي علينا ذكرى النكبة في يوم اختلط فيه الدم بالحبر السائل على أوراق اتفاقيات الأمم المتحدة .. التي تقر حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني.
الخامس عشر من أيار 1948 ذكرى سنمارس طقوسها على الطريقة الفلسطينية .. نلملم فيها ما تبقّى من مكدسات أحزاننا وابتهالات آلامنا .. نلملم مفاتيح بيوتنا هناك في حيفا ويافا وبيسان وصفد.
وبعد أن وضعت حرب 48 أوزارها .. وتجرّع الناس مرارة النكبة .. واستقر العرب في قعر الهزيمة .. وتوالت الأعوام والسنون والعرب العاربة تتقلب في عارها.
منذ تلك الأيام التي لن تنساها ذاكرة الزمن أبداً .. اليهود يستوطنون بلادنا ويستعمرون عقولنا .. ويسكنون بيوتنا .. ويحرثون أرضنا .. ويقطفون ثمارنا ويتنفسون هواءنا .. ويغتسلون ببحرنا كسادة .. بعد أن كانوا أفراداً يتسوّلون العطف والرحمة وحسن الجوار .. وتركنا نتجرع الغصة على أنغام الإعلام العربي المهزوم.
منذ تلك الأثناء التي أخذت تتمحور ذاتياً وبصلف منقطع النظير حول فكرة السيد لدى اليهودي في فلسطين الثقة الكبيرة في النفس والتمسك الشديد بالأرض.
مستوطنات محاصرة لكنهم كانوا يستميتون في الدفاع عنها .. إطلاق مصطلح حرب الاستقلال عبر نكبة أصحاب الأرض الأصليين وطردهم من بلادهم واغتصاب بيوتهم في حيفا ويافا مفارقة مذهلة .. وتشويه مصطلحات وتزوير تاريخ .. وسط صمت العالم المنحاز للظلم والطغيان .. وانحسار العالم العربي في مدار الهزيمة الشاملة.
كبار اليهود يقولون إسرائيل ليست مشروعاً إسرائيلياً بل مشروعاً يهودياً عالمياً.
هذه هي المرجعية الهائلة للعدوان اليهودي في فلسطين بوأت اليهودي كل مواقع السادة.
وتركوا الفلسطينيين يتقلبون في عبوديتهم.
هذا التصور هو استحقاق منطقي حاسم وإجراء تلقائي للواقع الحياتي للإنسان في بلادنا.
اليهود هم الذين يقرّرون مجريات الواقع على الأرض ولو مرحلياً بلا منازع .. فوجودهم هنا يستند أولاً وأخيراً على مضاء سيوفهم واعوجاج منطقهم.
الخامس عشر من أيار صفحة كئيبة لا يمكن أن تمحى من ذاكرة هذا الشعب .. وذكرى مريرة تجعل قلوبنا تنزف دماً وعيوننا تهطل دمعاً وأرواحنا تزهق من الألم.
إنه اليوم الأكثر حزناً في تاريخ الشعب الفلسطيني .. ووصمة عار في جبين الأمة العربية.. إنه يوم ضياع الجزء الأكبر من فلسطين وإعلان الكيان العبري فوق أرضنا المقدسة .. وتهجير أهلنا من مدنهم وديارهم حيث طرد أهالي 531 مدينة وقرية .. يومها انفتح الجرح الفلسطيني الكبير .. ولو أننا نسينا ذلك من ذاكرتنا لفقدنا إنسانيتنا وللعنتنا ملائكة السماء.. ولفقدنا تاريخنا وتراثنا ولخُنّا العهد والوطنية.
وماذا بعد النكبة .. شعب وأسرى نبذهم الزمان والمكان .. يرغمون على أن يذوقوا مرارة المأساة وحلاوة الرحيق المختوم .. كُبّلوا بالحديد وأُرهِقوا بالتعذيب .. سيق منهم من سيق للموت مضرجاً بدمائه واستبقي منهم من استبقي للذل يمتحن في دينه وكبريائه.
ماذا بعد النكبة .. حال مخزٍ لأمة تملك مساحة واسعة على سطح الكوكب ولديها الملايين من الأفراد والموارد .. حال مخزٍ أن تبدد أموال دولنا على موائد القمار والليالي الحمراء وغزة حكومة وشعباً يموتون جوعاً وقهراً وظلماً كما هو في الضفة .. وواقعنا لا يسرّ صديقاً ولا يغيظ عدواً، بلادنا ما زالت ضائعة أخذتها العصابات اللقيطة.
نكبة فلسطين ما زالت تمتد من أمسنا إلى يومنا تستهلك زمن حاضرنا وتقترض من زمن مستقبلنا
قيل فينا أننا نعيش ليومنا ولا نستشرف أبعاد غدنا ... والحقيقة أننا نعيش في ماضينا ولا نعرف كيف نتدبر أمور حاضرنا.. ليست نكبة فلسطين المتجددة دليلاً ساطعاً على قصورنا وتقصيرنا.. ألا تعتبرون بناء السور نكبة ؟؟ ألا تعتبرون أن اتفاق أوسلو نكبة ؟؟ ألا تعتبرون الانقسام نكبة ؟؟ ألا تعتبرون أن الهيمنة والتمرد والتفرد بالقرار نكبة؟؟.
وأخيراً اللاجئون الذين هم اليوم أنفسهم في أسوأ حال منذ النكبة .. وهم يطلبون منهم تحت غطاء السلام أن يسقطوا حقوقهم .. لم ينتظر هؤلاء 62 عاماً في الشتات مقاومين مناضلين صابرين خارجين من غبار عدة حروب .. وعدد لا يحصى من الغارات والإغارات .. لكي يقرّوا بعدها أنه ليس لهم وطن .. وليس لهم حق وليس لهم تاريخ .. وأن هذا كله قد كان وهماً وخيالاً كما أراد لهم المتلفّعون بجلد السلام .. حتى أصبح الصائح القدس عربية مختل العقل إرهابياً .. تطارده الأنظمة والحكومات المحبة للسلام.
رغم النوائب سيبقى الشعب متماسكاً صامداً مكافحاً مدافعاً عن حقوقه حتى يعود إلى أرضه ولا غيرها تعبر عن حق اللاجئين ولا يؤمن أحد بالسلام إلا بالعودة إلى الوطن .. لا شك عندنا في ذلك ويبقى أن يسجل التاريخ كم من التضحيات ينبغي بذلها حتى يتحقق حق العودة .. ولا نسقط حق العودة من عقولنا وأن الكبار يموتون والموت حق .. ولكن أحفادهم لا ينسون وستظل فلسطين العقيدة والهوية والعنوان ولا رجوع عن حقنا ولا بد أن يكون هذا شعارنا اليومي .. ومن ينكر حقنا في العودة ننكر حقه في الوجود.