جدول عادي كان محمد صلى الله عليه وسلم مطاردا وفارا مع صاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه والملاحقة له على أشدها حيث إنه لو نظر أحدهم تحت قدمه لرآهم ونجحت رحلة الهجرة وصفها الله تبارك…
كان محمد صلى الله عليه وسلم مطارداً وفاراً مع صاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه والملاحقة له على أشدها حيث إنه "لو نظر أحدهم تحت قدمه لرآهم".... ونجحت رحلة الهجرة.. وصفها الله تبارك وتعالى بقوله " إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ " [التوبة : 40] فهل تحقق نصر لرجلٍ مطارد وملاحق. وحين تم التوقيع على صلح الحديبية والذي بمقتضاه غادر محمد صلى الله عليه وسلم مكة وقفل راجعاً دون أن يعتمر.. واحتج أصحابه "أنرضى الدنية في ديننا". ورغم ذلك فقد كان نصراً استراتيجياً عبّر عنه القرآن الكريم بهذا المعنى "إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ" [النصر:1] وتحقق ذلك على الأرض سياسياً واستراتيجياً في معركة محمد صلى الله عليه وسلم مع قوى الكفر حيث تحققت الأهداف وهو المعنى الأوضح للانتصار.
تعقيباً على مقتل جنود الاحتلال في غزة قال قائد أركان جيش الاحتلال إشكينازي "نحن بحاجة إلى مراجعة نتائج الحرب على غزة". وآفي ديختر يعقب بالقول "المشكلة الرئيسة التي تواجهها الدولة العبرية تتمثل في قطاع غزة، وليس قضية القدس"، معتبراً أن البنية العسكرية لحركة حماس في قطاع غزة تمثّل مشكلة استراتيجية (لإسرائيل)، والمعضلة هي في تفكيكها. وقبل وقت قصير كانت اعترافات أولمرت رئيس وزراء الاحتلال السابق ومجرم العدوان على غزة، ليقول وبالفم الملآن "لم ننتصر في غزة". وبذلك خفّ الجدل المحتدم سابقاً للإجابة على سؤال: من انتصر في غزة؟.
في عوامل النصر والهزيمة يمكن العمل على إسقاط منطقية التحليل الاستراتيجي لتقييم نتائج عدوان الفرقان بأسلوب علمي ومنهجي، بدايةً لابد من توضيح الاشتباه حول إشكاليات المعاني لتقييم المعارك والحروب سواء النصر أو الهزيمة, والنجاح أو الفشل. فالانتصار مفهوم عسكري في كينونته يوحي بتمكن أحد الطرفين المتحاربين من عدوه، وهزم إرادته، وتغير الواقع السياسي والعسكري الذي كان قائماً. بينما الهزيمة مفهوم عسكري في كينونته يوحي بالانكسار، وفقدان الإرادة والرغبة في القتال والاستسلام للطرف المنتصر، والقبول بشروطه مهما كانت مجحفة. أما النجاح مفهوم مدني في كينونته يوحي بالقدرة على اجتياز عقبة كبيرة كانت تعترض الطريق، وعملية النجاح في المفاهيم العسكرية هي عملية تراكمية تؤدي في النهاية لتحقيق الانتصار. بينما الفشل مفهوم مدني في كينونته يوحي بالعجز عن اجتياز عقبة كان يفترض اجتيازها، مما يؤدي إلى بقاء الأوضاع السياسية والعسكرية على حالها دون تغير جوهري. والإخفاق في تحقيق الانتصار المطلوب، لا يمكن أن نسميه هزيمة لأنه لم يترتب عليه تغير الواقع السياسي والعسكري.
على صعيد الأهداف في عدوان الفرقان فإن من الواضح أن غزة قد انتصرت حيث فشل العدو في تحقيق أهدافه في هذه المحرقة. كان التركيز الإسرائيلي على الهدف الاستراتيجي بإنهاء وجود حماس على الأرض لأن الخطر هنا لا يتحدد بوجود حماس المادي, بل الوجود المعنوي الذي يمثل الخطورة الحقيقية على الاحتلال والمشروع الغربي في المنطقة. حيث إن حماس حركه إسلامية سنية، لها امتدادات فكرية وجماهيرية واستمرار حكمها قد يصبح ملهماً للحركات الإسلامية. وفي ذلك يقول الإرهابي بيرس "إن أكثر ما أخشاه على (إسرائيل) حرب دينية، لأنها ستجند كل المسلمين ضد (إسرائيل)" أما تيدي كوليك فيقول: "عليكم أن تصنعوا سلاماً مع عباس وسلطته قبل أن تنجح حماس في أسلمة الصراع، عندها عليكم أن تتوقعوا أن يأتي عمر بن الخطاب من التاريخ ليعلن عودة القدس ثانية للمسلمين".
وعلى صعيد آخر أدرك الكيان الصهيوني حجم المخاطر التي ستترتب على وجود حماس في السلطة، ما دامت لم تقبل بما قبلت به منظمة التحرير, لذلك كانت استراتيجية الإقصاء والإلغاء فكانت شروط الرباعية, وكان افتعال الأزمات الداخلية بتخطيط دايتون وتنفيذ عناصر فلسطينية ولم يتم الإنجاز. فكان لابد لـ(إسرائيل) من العمل المباشر, فبدأ مسلسل الحصار الاقتصادي وإغلاق المعابر، ومن ثم لم يكن من خيار أمام الكيان إلا استخدام القوة العسكرية المباشرة لإنهاء حكم حماس في غزة. وأراد الاحتلال كذلك ضرب حلف إيران في المنطقة الذي قد يشكل عليها خطراً في حال اندلاع المواجهة مع إيران، وبالتالي كان منطقياً أن يبدأ الكيان الصهيوني بالحلقة الأضعف. علاوة على ذلك كان للفشل الصهيوني في حرب لبنان انعكاس سلبي كبير على صورة جيش العدوان، فكان لابد من إعادة توازن الردع من خلال حرب جديدة، وكان الظرف الدولي مواتياً لأن تكون غزة هي حقل التجارب الذي سيستعيد فيه الكيان هيبته.
يؤكد أولمرت في اعترافاته المعلنة في هذا السياق بأنه كان هناك هدف استراتيجي للاحتلال متمثلاً في إسقاط حماس وإنهاء حكمها لغزة وإعادة غزة إلى بيت الطاعة الصهيوني-الأمريكي.. ولمَّا لم يتحقق هذا الهدف أصبح الهدف من العدوان وقف الصواريخ وتأمين الجبهة الداخلية الجنوبية لدولة الكيان.. وبدلاً من تحقق ذلك استمرت صواريخ المقاومة في التساقط حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار من جانب واحد، وتوسعت "بقعة الزيت اللاهب" وزاد مدى الصواريخ وتضاعف عدد الصهاينة في الملاجئ وأصبحت الصواريخ تهدد مناطق مركزية في دولة الكيان.
ثم تراجع الاحتلال ليعلن أن هدفه وقف تهريب السلاح إلى المقاومة وهذا لم يتحقق بالتزام المقاومة بذلك فلجأ الاحتلال إلى من يساعده في ذلك فكانت "مذكرة التفاهم الأمنية", وكانت "البوارج الفرنسية" على سواحل غزة, وكذلك "خبراء منع التهريب الأمريكيين" على حدود غزة, "وإعداد شبكة تكنولوجية وأمنية" على طول الحدود. ويمكن القول إن هذه أهداف تكتيكية متواضعة لا تتناسب مع عدوان بحجم المحرقة ورغم ذلك فقد فشل الاحتلال في تحقيقها. وقد اعتمد الاحتلال سياسة غموض الأهداف, وفي ذلك فقد كانت لدروس تقرير فينوجراد نصيب وافر في تطبيقات الحرب على غزة؛ فلم تلزم القيادة الصهيونية نفسها بأي أهداف محددة قبل العملية كما فعلت بحرب لبنان في صيف 2006م، لتبقي مجال المناورة أمامها مفتوحاً، حتى تسمي النتائج التي تتمخض عن الحرب انتصاراً إن أرادت ذلك؛ ولكن قادة الكيان في الحقيقة أفصحوا عن أهداف العدوان غير مرة.
ومن هنا فإن الاحتلال لم يحقق أيٍاً من الأهداف الاستراتيجية, سواءً بإنهاء حكم حماس في قطاع غزة, أو بإعادة توازن الردع المفقود بعد حرب لبنان 2006م. وكذلك لم ينجز الأهداف التكتيكية سواءً إيقاف إطلاق الصواريخ الفلسطينية على المغتصبات داخل فلسطين, أو منع تهريب الأسلحة إلى القطاع عبر الأنفاق. وعلى صعيد حماس فقد كانت أمام خيارين إما الهزيمة: وهو ما كانت تشير إليه كل المعطيات المادية والعسكرية والسياسية التي بنيت عليها خطة الحرب العدوانية، والتي كانت تقدر أن يتمكن الاحتلال من إنهاء حكم حماس في القطاع, وبالتالي هزيمتها. أو النجاح: هو ما كانت تسعى إليه حماس, ولسان حالها التحدي والصمود في وجه العاصفة وهذا ما حدث بالفعل. فقد حققت حماس شيئاً من أهدافها الاستراتيجية وذلك بالتمسك بالثوابت الفلسطينية, والعمل على إعادة الصراع مع اليهود إلى عمقه العربي والإسلامي. وسيتحقق إنجاز تاريخي بإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين, وكسر الحصار ورفع المعاناة عن الشعب الفلسطيني.
أما أولمرت فإنه يؤكد بأن الاحتلال لم ينتصر في غزة، ولكن الحقيقة أن الشعب الفلسطيني قد انتصر في غزة، وكان لهذا الانتصار التاريخي ملامح كثيرة، أهمها ملامح عسكرية تمثلت في إدارة الجبهة الداخلية, وصمود المقاومة على الأرض رغم قلة العتاد والعدة, بقى الجيش الذي لا يقهر تائهاً في غزة نعم إنها أول معركة على أرض فلسطين ولذلك دلالة كبرى, ولم يحدث الاستسلام المنشود رغم حجم كمية المتفجرات التي تم إلقاؤها علي غزة, وأخيراً تحققت استراتيجية المقاومة على الأرض بدون خسائر فادحة وذلك باستيعاب الصدمة الأولى مع الحفاظ على القيادة والروح المعنوية العالية. وصاحب ذلك طول المدة الزمنية للعدوان مع عدم تحقيق الأهداف وذلك يمثل خسارة ذات مغزى حيث صرح الخبير اليهودي كوردسي: "(إسرائيل) انهزمت استراتيجياً في غزة"، حيث غدا مليون إسرائيلي في الملاجئ واندحرت صورة الجيش الذي زعموا أنه لا يقهر وعلاوة على ذلك فشل الأمن الإسرائيلي في أبسط أهدافه الأمنية (تحرير شاليط نموذجاً).