حرية الإنسان وكرامته كانت وما تزال من أعظم ما صانه الإسلام وذاد عنه ولقد وثق القرآن الكريم والسنة المطهرة وسير الخلفاء الراشدين نصوصا وتطبيقات عملية خالدة حفظت هذه الحقوق لكل…
حرية الإنسان وكرامته كانت وما تزال من أعظم ما صانه الإسلام، وذاد عنه. ولقد وثّق القرآن الكريم والسنة المطهرة وسير الخلفاء الراشدين، نصوصا وتطبيقات عملية خالدة حفظت هذه الحقوق لكل شرائح المجتمع الإنساني المسلم منها وغير المسلم. وبهذا يكون الإسلام قد سبق جميع منظمات حقوق الإنسان المعاصرة، في إحقاق الحقوق، وحفظها لأصحابها. إلا أننا إلى جانب ذلك لا نستهين بالشوط الكبير الذي قطعته هذه المنظمات، والتطبيقات العملية للقوانين الدولية التي تراعي حقوق الإنسان، ولكنها تقف في كثير من الأحيان عاجزة مشلولة، بل مشوًّهةً ظالمةً عندما تعنى بحقوق الإنسان المسلم أو العربي أو الفلسطيني.
فالعالم اليوم يحتفل سنوياً بيوم المرأة، يوم الطفل ويوم العمال العالمي، والمنظمات الدولية وثّقت حقوقاً للمريض وللمعاق وللأسير واللاجئ، وحقوقاً للأقليات وللشعوب الواقعة تحت الاحتلال. أما في الموضوعات والمضامين فهنالك قوانين حق الإنسان في الكرامة والحرية، والعدالة، وحرية التعبير، وحرية الانتخاب والترشَّح، وغير ذلك من القوانين الإنسانية. إلَّا أنها في كثير من الأحيان تأتينا مشوًّهةً، تكيل بأكثر من مكيالين. "إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد". وتكون مرهونةً بالجغرافيا والعنصر واللون، فتنصف في بلد وتظلم في آخر، وتحفظ الحقوق لأهل دينٍ دون آخر ولأمَّة دون أمَّة.
لسنا بحاجةٍ إلى بحثٍ عميق، وتحرٍ مستفيض لكي نثبت بأن ديمقراطية أمريكا التي أوصلت أوباما، ذا الأصل الأفريقي إلى سدةِ رئاستها، تنتهي هذه الديمقراطية بمجرد عبورها الأطلسي. فأمريكا في العالم العربي والإسلامي، تدعم الدكتاتورية القمعية، وتقف معها ضد إحزاب المعارضة والحركات الإسلامية والأحزاب اليسارية. وأمريكا في العراق تدمر بلداً بمقدراته وثرواته وتاريخه وحضارته لمجرد الشبهة بأنه يمتلك أسلحةً فتاكة. وأمريكا في أفغانستان، تسقط نظام طالبان، وتحتجز آلاف السجناء في سجن غوانتنامو الجهنمي سيئ الصيت، حيث لا حقوق إنسان ولا محاكمات ولا مرافعات. والقوات الأمريكية تسوم السجناء في سجن "أبو غريب" العراقي وسجونها عبر العالم سوء العذاب، والإهانات والتنكيل بأنواعه. متجاوزة بذلك كل المعايير الإنسانية والقوانين الدولية، غير عابئة بكرامة إنسان ولا حقوق بشر.
ومثل أمريكا في انتهاكاتها كذلك إسرائيل، "واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط". إنها ديمقراطية لمواطنيها اليهود، تحفظ لهم حق "العودة"، والمواطنة والملكية حتى قبل أن تطأ أقدامهم "أرض الوطن". ولكن المواطن العربي المقيم في أرضه ووطنه ومنذ عقود وقرون، يُسلب من الحق ليل نهار، تحت ذرائع ومبررات، لا أول لها ولا آخر. يهدم بيت بحجة البناء غير المرخص، وتصادر أراضٍ بحجة قانون "الموات"، أو قانون "أملاك الغائبين"، أو لأنه لم يسجل في سجلّات اللجنة المعيَّنة في التاريخ المعيًّن. وحتى لو لم ينطبق أي قانون من هذه القوانين على الحالة المعينة ليبرر المصادرة أو الهدم، تفتعل قوانين وتأويلات وحجج وذرائع لا نهاية لها. وبعد أن تقتلع القرية أو العشيرة العربية من أرضها ومساكنها، نفاجأ بتسليم الأرض لمزارع يهودي، يقيم مستوطنة زراعية لنفسه، "مزرعة الفرد الواحد" الذي يمتلك عشرات آلاف الدونمات ويوصل بيته بشارع ومياه وكهرباء، لكي يحفظ الأرض لملكية الدولة. إنها إذا العنصرية البغيضة بعينها، وإنه الظلم الصارخ إذا ما كان المستهدف عربيا.
كثير من المواطنين العرب في إسرائيل مبهورون من الخدمات، مستوى المعيشة، وهامش الحرية الذي توفره لهم الدولة، من خدمات تأمين وطني وتأمين صحي، وأماكن عمل وأماكن ترفيه مؤسسات خدماتية وغيرها. ولكن إسرائيل داخل الخط الأخضر تختلف تماما إذا ما شاهدنا أفعالها خارج الخط الأخضر. ففي قطاع غزة حصار ظالم لمليون ونصف المليون من الفلسطينيين، وحرمان من أبسط مقومات الحياة، وحرب طاحنه دمرت الأخضر واليابس. كل ذلك لأن المواطنين الفلسطينيين في القطاع انتخبوا قيادة غير التي تريدها إسرائيل. فديمقراطية إسرائيل لم تقبل بأن تنعم غزة بالديمقراطية. ورفاهية إسرائيل لا تكتمل إلا بجوع الفلسطينيين في غزة. وأمن إسرائيل وقوتها النووية، وتفوقها العسكري الهائل، لا يرضى بأن يمتلك الفلسطينيون سلاحا غير الحجر. إنها الإنسانية المشوهة، وإنها الغابة التي لا مكان فيها لغير منطق القوة والعنجهية، والقمع والتجبر في الأرض.
أما إذا عرجنا على الضفة الغربية، حيث حكومة فتح "المرضي عنها"، فالاعتقالات على الهوية تنفذ بالعشرات ضد النشطاء الفلسطينيين، لمجرد انتمائهم الحركي، ولا يمتلك أحد من البشر حق السؤال: لماذا؟ وإلى متى؟ وما السبب؟ وما التهمة؟؟. المستوطنون يعيثون في الأرض فسادا، يقتلعون أشجار الزيتون بلا رادع، وينتهكون كل الحقوق الإنسانية للإنسان الفلسطيني. مصادرة أرض الفلسطينيين، هدم منازلهم، وتدنيس مقدساتهم عبارة عن إجراءات يومية، يدعمها جيش الاحتلال ومن ورائه الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة. أما شأن المقدسات، فحدث ولا حرج عن الانتهاكات الخطيرة بحق المسجد الأقصى، الحرم الإبراهيمي ومسجد بلال في نابلس. والقائمة لا تتسع لأنواع وتفاصيل الاعتداءات والانتهاكات اليومية في فلسطين المحتلة.
وبالمقابل فالمستوطنون اليهود في الضفة الغربية ينعمون بأعلى مستويات المعيشة، الرفاهية والخدمات. إنهم المدللون المحظوظون، الذي يحظون بالامتيازات المبالغ فيها في أسعار العقارات والتسهيلات المختلفة. ولهم الشوارع الالتفافية الواسعة والحديثة ، في حين يحرم الفلسطيني من السير بمركبته في هذه الشوارع. فإسرائيل صاحبة حقوق الإنسان وكرامة الإنسان (اليهودي)، هي التي تمارس انتهاك حقوق الإنسان وتقنن هدر كرامة الإنسان، وقمع حرية الإنسان الفلسطيني.
إن الإسلام الذي تحاربه أمريكا، وتتبعها أوروبا وإسرائيل، هو الإسلام الذي حفظ حقوق الأقليات وأهل الذمة، وغير المسلمين في الدولة الإسلامية لمدة ثلاثة عشر قرنا. إنه الإسلام الذي شهد العهدة العمرية في القدس الشريف، وشهد إنصاف عمر رضي الله عنه للقبطي المصري وأخذ الحق له من إبن الأكرمين (إبن عمرو بن العاص والي مصر)، فقال مقولته الشهيرة: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟". إنه الإسلام الذي عاش اليهود في أكنافه مئات السنين معززين مكرمين في الأندلس وغيرها. إنه الإسلام الذي رد فيه أبو عبيدة - عامر بن الجراح – الجزية لأهل حمص حين إضطر لإخراج الحامية الإسلامية منها. وإنه الإسلام الذي استثمر مقدرات كل بلد لأهله ومواطنيه، وما فاض عن حاجتهم نقل إلى بيت مال المسلمين. أما الإنسانية المشوهة للمستعمر الغربي، فقد جاءت بالجيش الأجنبي يحتل الأرض، ويستولي على مقدرات الشعوب، ليزيد من تخمة الأجنبي ورفاهيته، على حساب فقر وذلة الشعب الواقع تحت الاحتلال.
فشتان بين "إنسانيتهم" المشوهة، وممارساتهم العنصرية الظالمة، وبين عدالة الإسلام ونزاهته وعالميته، التي استقاها من كتاب الله ومن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.