الأسير نايف الرجوب.. أسد المنابر.. الشاعر والكاتب

الوزير الأسير وصفي قبها
2010-04-14

إن الكتابة عن الرجال العظام من أبناء الشعب الفلسطيني مسؤلية كبيرة جدا وخاصة عندما يكون الأمر من أمثال الشيخ نايف الرجوب أبو حذيفة حيث يصعب إنصاف هذا الرجل بسطور قليلة وخاصة أن…

إن الكتابة عن الرجال العظام من أبناء الشعب الفلسطيني مسؤلية كبيرة جداً وخاصة عندما يكون الأمر من أمثال  الشيخ نايف الرجوب " أبو حذيفة " حيث يصعب إنصاف هذا الرجل بسطور قليلة وخاصة أن محطات عطاء أبي حذيفة والصفحات المضيئة من سيرته كثيرة وعديدة , والحديث عنه لا يمكن أن يكون مفصولاً عن الحديث عن بيته وعائلته , بيت العز والكرم والشهامة , بيت الجهاد والنضال ، بيت العطاءات والتضحيات , هذا البيت الذى  استهدفه الاحتلال بالمداهمات والترويع والاعتقال وتعرض لمتاعب كثيرة من أجل القضية الوطنية , بيت ضرب أروع الأمثلة فى الجهاد والنضال والبذل والشجاعة , من جبريل إلى نايف إلى ياسر نماذج من العطاءات والتضحيات ورفض ومقاومة الاحتلال قد يعجز عن تقديمها وخوضها الكثيرون من أكابر الرجال , بيت يحمل الهم الوطني ويضم أصحاب العقول الراجحة والعلم , هذا البيت نموذج أصيل للبيت الفلسطيني حيث القضية وهموم الشعب الفلسطيني شغله الشاغل , وقد تصدى هذا البيت من خلال رجالاته لقضايا كثيرة لم يستطع  الاضطلاع والقيام بها آخرون ,فكانت سلسلة إنجازاتهم وخدماتهم وتضحياتهم ترقى لمستوى حبهم للوطن والشعب والمقدسات.

 أبو حذيفة له من الأشقاء ستة , ومن الشقيقات سبع , وهو أحد توأمين وتوأمه الشيخ ياسر "أبو العبد " وللشيخ نايف من الأنجال أربعة ومن الكريمات أربع ,وأكبرهم حذيفة الذى يدرس الهندسة فى جامعة الصين بالسنة الثالثة ,والحاج محمود والد أبي حذيفة أحد التجار والمزارعين المعروفين الذين نجحوا فى أعمالهم ,وهو الذي امتلأت  نفسه بالاعتقاد أن الرزق الحر والبركة فى التجارة والزراعة ,الأمر الذى انعكس على حياة العائلة التي توفر لها ما تريد من احتياجات  الحياة اليومية.

 تعتبر عائلة الحاج محمود الرجوب من العائلات النموذجية التى يمكن أن يضرب بها المثل فى الوحدة الوطنية ويحتذي بها ،وتُقَدم كنموذج للفصائل الفلسطنية التي أنهكتها الخلافات وأضعفها التناحر لتستسقي من وحدوية وتماسك وتعاضد وتفاهم هذه العائلة بالرغم من التباين بالمواقف السياسية داخلها ،الدروس والعبر التي يمكن أن تساعد الفصائل فى تجسيد الوحدة الوطنية وترسيخ القيم الوحدوية فى الساحة الفلسطينية , فمعرفتي الشخصية بأبي حذيفة وتوأمه الشيخ ياسر اللذين جمعتني بهما المعاناة وحياة الأسر والاعتقال من أصحاب التوجهات والفكر الإسلامي ، والشيخ نايف من المنظور إليهم والمشار لهم بالبنان ليس على صعيد محافظة الخليل فحسب وإنما على صعيد الوطن كله ,ومن الجهة الثانية يعتبر المناضل الكبير اللواء جبريل " أبو رامي " من الكوادر الفتحاوية اللامعة والمعروفة ,وهو عضو المجلس الثوري لحركة فتح والمؤسس والقائد لجهاز الأمن الوقائي لسنوات قد تصل إلى عشر, وهوالمستشار لشؤون الأمن القومي , وهو الذي اقتطع السجن أكثر من خمس عشرة سنة من عمره , وكان أحد الكوادر والقيادات المعروفة للحركة الوطنية الأسيرة قبل أن يتم الإفراج عنه في صفقة التبادل عام 1985،عندما أفرجت الجبهة الشعبية القيادة العامة عن ثلاثة جنود كانوا لديها أسرى مقابل 1150أسيراً فلسطينياً.

هذا التباين  بين الأشقاء فى المواقف والألوان والانتماءات  السياسية والفكرية لم يفسد علاقة الأخوة والود كما لم تنقطع صلة القرابة بينهم بالإضافة إلى أن صلة الدم والقرابة والبيت الواحد الذي يضم الجميع لم يكن سبباً ولا محفزاً ولا دافعاً لطرف أن يتخلف عن لونه السياسي ، فنايف يحب ويحترم ويقف إلى جانب جبريل الذى لا يفكر بالمطلق بل من المستحيلات أن يتخلف عن شقيقه لمجرد الانتماء السياسي وفى الوقت الذى يصرّ فيه كل طرف على صوابية موقفه ونهجه السياسي.

أذكر مقالاً قرأته في صحيفة التايمز الأمريكية عام 1998 تناول الكاتب الموضوع مستغرباً  التناقض في المواقف السياسية في ظل جو من الود والتفاهم في الوقت الذي كانت حدة الخلافات بين فتح وحماس تتصاعد , كما وتابعت يوماً فضائية العربية التي استضافت الشقيقين حيث عبر كل منهما عن أصالة الانتماء العائلي والفلسطيني مجسدين بمواقفهما منظومة من القيم الإسلامية والوطنية والأخلاقية التي يمكن أن تضبط وتنظم العلاقات بين أصحاب التوجهات السياسية المختلفة من خلال لغة واحدة هي لغة الحوار والعمل جنباً إلى جنب من خلال القواسم المشتركة في الوقت الذي يبقى فيه حبل الود والاحترام قائماً.

 وأما الحالة الفلسطينية الشاذة والمستنفرة التي يعيشها الكل الفلسطيني فهل يستحق مثال عائلة الأخوين الرجوب أن يدرس بعناية وعمق ونستقي منه الدروس والعبر لحل النزاعات والخلافات بين فتح وحماس وإنهاء حالة التشظي والانقسام السياسي والجغرافي.

 إنني إذ أقدم هذا النموذج الواقعي والمثالي كأحد النماذج المضيئة والمشرقة في مجتمعنا الفلسطيني والتي تتجلي من خلال صورتين مختلفتين من صور التعاطي مع القضية الفلسطينية فإنه يحدوني الأمل والثقة أن كل العقلاء سيجدون العبر الكافية التي يمكن أن تستنبط  وتفيد وتساعد في رأب الصدع الحاصل في جدار الوحدة الوطنية والتخلي والتنازل عن الكبرياء الفصائلى والأنا التنظيمية ,هذا هو بيت الحاج محمود الرجوب بكل مكوناته السياسية ونموذجه الرائع , صورة من صور العظمة ومسيرةٌ عظيمة لعائلة عظيمة برجالاتها العظماء فى هذا الوطن الذي يئن تحت وطأة وجراح الانقسام والاقتتال المضافة إلي ظلم وقهر الاحتلال ، أقدمه نموذج قدوة عملية إلي طرفي النزاع والخلاف في الوطن ,وما يدريك لعل الله يفتح ويهدي الجميع إلى الوحدة والعمل المشترك ؟!

أبو حذيفة الذي يعود ميلاد5 إلى العام 1958 والحاصل على البكالوريوس في الشريعة الإسلامية من الجامعة الأردنية والماجستير في الفقه الإسلامي من جامعة الخليل تربطه بجامعة صنعاء اليمنية علاقة بحث وتعاون أكاديمي حيث قدم للجامعة عدة أبحاث منها "زكاة الزيتون " , " والإيمان بعذاب القبر " ، "والدية الشرعية في القتل "," الكفاءة الزوجية " ،    " الإسلام والعلمانية ".

ويلتحق الشيخ نايف الآن ببرنامج الدكتوراه في جامعة السويس وقد حال اختطافه الأخير والزج به خلف قضبان سجون ومعتقلات الاحتلال من متابعة واستكمال رسالته وأطروحته  التي تتناول " أحكام النظافة في الفقه الإسلامي وأثر ذلك على الصحة والبيئة " وبهذا البحث يكون أبو حذيفة قد طرق أحد أبواب البحث في المواضيع العلمية من منظور شرعي وفقهي  و مثل هذه المواضيع تستقطب اهتمامات العالم أجمع وخاصة أن الموضوع البيئة وعوامل التلوث وأسباب وعوامل التدهور البيئي التي تشكل قلقاً لكل الحكومات والباحثين والمهتمين بالبيئة وسلامتها والمحافظة عليها نظيفة ونقية وبذلك يكون أبو حذيفة قد سلط الأضواء الفقهية على هذا الموضوع الذي يدور محوره حول النظافة وكل ما تتناوله وتعنيه وترمز إليه.

أبو حذيفة الخطيب المفوّه يتقن ويجيد كل فنون الخطابة وهو الذي على الدوام يجدد   ويجود في أدائه وهو صاحب الصوت القوي والجهوري وأسلوبه مميز يبدع في جذب القلوب والعقول ولديه ملكات التعبير عما يريد أن يوصله للجمهور فكلماته الصادقة التي تنبع وتصدر من القلب مباشرة وتتجه إلى القلوب  مباشرة لتدخلها وتجد طريقها إلى نفوسهم دون تعقيدات ودون حواجز وهو الذي يتمتع بكاريزما خاصة ويصبر عن هموم الشعب والأمة ويحمل ويعمل لتحقيق آماله وتطلعاته إنه حقاً خطيب محترف ويعرف كيف يهز المشاعر ويشد المستمعين.

وهو الذي عمل في وزارة الأوقاف لمدة ثلاثة وعشرين عاماً خطيباً في مساجد المحافظة فقد عرفته منابرها أسداً هصوراً يزأر بالحق ويصدح بكلمة الحق ويطلق عليه محبوه ومريدوه ومؤيدوه بــأسد المنابر وهو الداعية المعروف من خلال دراسته ومواعظه والندوات السياسية والحلقات والورشات الدراسية التي شارك فيها وقد وضع وألف كتاباً يحمل عنوان " كيف تكون خطيباً ناجحاً " ويقدم فيه زبدة علمه وخبرته كما وألف كتاباً آخر من عدة أجزاء تضمن ألف خطبة منبرية تناولت شتى مناهج حياة الإنسان وطرحت هموم ومشاكل الفلسطيني اليومية والمناسبات الوطنية والإسلامية وعبرت عن بعض المواقف السياسية وألف كتاباً أخر تناول  "أحكام الخطبة في الفقه الإسلامي " هذا وكان أبو حذيفة أحد المحاضرين في جامعة القدس المفتوحة لعدة سنوات.

أبو حذيفة الذي تفاعل مع النحل وتربيته " وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون, ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللاً يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون " وتوقف مطولاً على الأسرار العجيبة للنحل وقد بلغ إنتاجه من العسل الطبيعي أكثر من اثنين طن حيث نجح نجاحاً باهراً في هذا المجال وهو أحد مؤسسي جمعية مربي النحل "النحالين " ، أبو حذيفة رصد خلايا النحل وعملها وتوزيع المهام بينها ودقق في أنظمتها وانضباطها الأمر الذي أكسبه خبرة عملية فريدة بعد أن اجتاز دورات نظرية ونظراً لخلفيته الدينية وتخصصه في الشريعة الإسلامية وفهمه للقرآن الكريم الذي تناول النحل في إحدى السور ، قد مكّنه من وضع وتأليف كتاب مليء بالمعلومات حيث الأسرار العجيبة بعمل النحل ، وتجلت قدرة الله عز وجل وبديع خلقه وصنعه في هذا المخلوق كما وتناول الكتاب طرق تربية النحل وجني العسل وفوائده الغذائية والصحية وقد جاء العنوان حاملاً لمضامينه " المُثُلْ في مملكة النحل "

ويأبى أبو حذيفة إلا أن يكون له في الشعر نصيب فثقافته العالية وحبه للأدب العربي وما حباه الله من مواهب وملكات , مكنت له من أن يؤلف العشرات من القصائد الشعرية فله ديوان بعنوان " تأملات في الإسراء والمعراج"  وصوَّر وسجل معاناة مبعدي مرج الزهور وحنين العودة إلى الوطن والمواقف البطولية لكل النسور الفلسطينية التي حلقت عالياً في الجنوب اللبناني والتي أصرت على أن تضع حداً وتنهي سياسة الإبعاد التي انتهجتها سلطات الاحتلال الإسرائيلي على مدار سنوات الاحتلال بإبعاد القادة والمؤثرين من أبناء شعبنا وتشتيتهم في عواصم العالم , وكان لثبات المبعدين وإصرارهم على العودة وصبرهم وعدم مغادرتهم حدود الوطن إنهاء لسياسة الإبعاد فبعد سنة عاد المبعدون إلى الوطن مرفوعي الرأس وعاد أبو حذيفة وهو يحمل ديواناً جديداً بعنوان "باقات زهور من مرج الزهور "

قبل حوالي أقل من شهر التقيته  لمدة ثلاثة أيام في معتقل نيتسان /الرملة حيث آخر مرة رأيته فيها قبل أكثر من سنة ونصف قبل أن تفصل مصلحة السجون نواب الشمال عن نواب الوسط والجنوب وكان ذلك يوم 4-7-2006وجدت أبا حذيفة وقد أنهى تأليف كتاب جديد "مخطوط" حول الحركة الوطنية الأسيرة بكل جوانبها وما يتعلق بشؤونها ويعترضها وتتعرض له من سياسة قهر وإذلال مبرمجة , كما وجهز ديوان شعره الثالث (مخطوط) ويتضمن قصائد رائعة وغاية في جمال التعبير والوصف والوضوح تعبر عن مكنونات صدره وخفقات قلبه وحبه الكبير للوطن وتعبر عن المعاناة وقصائد أخرى تعبر عن مواقفه السياسية .

لقد اطلعت وقرأت بعض فصول الكتاب المتعلقة بالحركة الأسيرة وقرأت بعض القصائد من ديوانه الجديد ونظراً لعدم وجود نسخ من مخطوطتي الكتاب والديوانين فلم أتمكن من انتقاء بعض الأشعار للقراء الكرام ، ولكن أستذكر بعض الأبيات والتي فيها :

عناد عدونا للحر قهر                     وإذلال لينـــــسوه بلاده

 

وما كنا نفاجأ يا صديقي                    فظلم الحرِ في الأشرار عادة

 

سأكتب جرمهم في كل سفرٍ                وأسكب من دمى القاني مداده

 

لنوابٍ مغاوير كــــرام                  وقل ما شئت من فن الإشادة

 

همُ للمجد صــناع لعمري                    وعنـوان الكرامةِ والقيادة

 

نجـحنا في انتخابات بصدق                   تواترت النزاهة وبشـهادة

 

من القدس الشريف وما تلاها                عقول في الأمور لها ريـادة

 

 فما نــاموا عن الجلاد خوفاً                 ليوم القدس قد جمعوا عتاده

 

ومن حرم الخليل أضياء نور                  يقيـم الرأي إحكاماً سداده

 هذا هو أبو حذيفة كالغيث أينما وقع عطاء بلا حدود حيثما يكون وأينما تحط به عصا الترحال ، هذا هو العملاق الذي كانت له جولات وجولات مع الاحتلال فقد اعتقل خمس مرات وأبعد إلى مرج الزهور مع 415 من القيادة المجاهدة للشعب الفلسطيني لمدة عام فقدم بذلك أكثر من ست سنوات من عمره المديد ضريبة حب وعربون وفاء لفلسطين برضا المؤمن وبصبر واحتساب وهو الذي جعل من مراغمة التحقيق عبادة يتقرب بها إلى الله ، ففي عام 1991 خضع لتحقيق قاس جداً في مركز تحقيق المسكوبية لمدة سبعة وسبعين يوماً وبعدها خضع مرة أخرى لتحقيق في مركز شكمة (عسقلان ) وكان يتذوق الموت كل يوم كل ساعة وهو ينتظر لقاء الأحبة محمداً وصحبه في كل لحظة وبعد اختطافه الأخير مع الوزراء والنواب  مورست عليه القسوة النفسية والجسدية حيث تشعب التحقيق معه ليشمل كل أوجه نشاطه وعمله السياسي والخيري والتربوي وعلاقاته وارتباطاته وفعالياته في إطار حركة المقاومة الإسلامية حماس وعلى مدار أكثر من شهر أمضاها في التحقيق قبل أن يتم نقله مرة أخرى إلى سجن نيتسان يوم 6-8-2006 ولايزال يقبع مع إخوانه من النواب والوزراء من مناطق القدس والخليل وبيت لحم وأريحا .

وعلى صعيد آخر لم يكن غريباً أن يكون لهذا الرجل المفضال دور بارز في لجان الإصلاح والقضاء العشائري الذي يلعب دور المحكمة المتنقلة والميدانية  في فض الخصومات والنزاعات بين الناس والعائلات الكريمة والفصائل فبيته العامر وعلى الدوام لا يخلو من الضيوف والزوار وأصحاب الحاجات الذين يأتون لإسماع شكاواهم باحثين عن الحلول العادلة والمنطقية وطالبين الرأي الحكيم والسديد كما يلجأ إليه ويستعان به في تهدئة التوترات وتنفيس الاحتقانات وفض المشاكل والخلافات التي كانت تطل برأسها بين الفينة والأخرى ،  وهو الذي له هيبة وحضور واحترام وكلمة نافذة على الأفراد والمجموعات وهو المعروف بمواقفه الرجولية صبور ، حكيم ، صاحب حكمة ورويّة في إصدار الأحكام على الناس وصاحب الحكمة ودراية ، حيث أن أحكامه تلقى القبول لدى الأطراف المتنازعة والمتخاصمة وهو الذي يبحث بأناة وجدّ ويدقق بالأحكام والصياغات وتضمينها بكل الشواهد التي ترضي الأطراف , لذلك تستند إليه في مواقف وأحايين كثيرة صياغة قرارات التحكيم في مختلف الجرائم وحالات فض النزاعات والصلح ، ومن ثم إخراج الصيغ النهائية في حرص منقطع النظير على عدم إغضاب الناس وعلى عدم ظلمهم ، وهذه مشاعر الناس نحوه عندما يأتون إليه بحثاً عن رجاحة العقل وسعة الصدر وسداد الرأي  فرهافة قلبه الذي يمتلئ بحب الناس مهما كانت أصولهم وفصولهم وانتماءاتهم السياسية ومشاربهم الفكرية وقدرته على التعاطي مع أكبر المشاكل وأعقدها نظراً لسعة صدره وشمولية فهمه وخبرته في الأعراف والأصول وضوابط العمل الفصائلي ومتطلباته يجعل منه بحق مرجعية وموسوعة وهو من المشهود لهم بالاستقامة والنزاهة والعدالة والبعد عن الهوى وهو الذي يرفع راية الحق والدفاع عن الفقير قبل الغنى وعن الضعيف قبل القوي .

أبو حذيفة الذي ترأس العديد من الجمعيات الخيرية والتعاونية والعضو الفاعل في جمعيات أخرى تشكل محور تقديم الخدمات التعليمية والصحية وإعالة الأسر المحتاجة وكفالة الأيتام وغيرها من جوانب الخير والعطاء وقد تركت أيادى أبو حذيفة البيضاء آثارها في كل جانب وكل منحى من مناحي حياة شعبنا الفلسطيني فكل مجالات الخدمة تشهد له بعطائه وتضحياته.

 لقد شكل قرار مشاركة أبي حذيفة بالانتخابات التشريعية حالة من القلق والتوتر الشديد في أوساط كل المشاركين من المستقلين والألوان السياسية الأخرى وقد عزى المراقبون حالة الخوف هذه إلى ماعرف "بالنايفوفوبيا " بعد أن نطقت صناديق الاقتراع بمكنوناتها كانت النتيجة المتوقعة وكانت الحقيقة الساطعة فقد حصل أبو حذيفة على59885 تسعة وخمسون ألفاً وثمانمائة وخمسة وثمانون صوتاً وهى أعلى الأصوات في الضفة الغربية ولم يكن هذا الأمر مفاجئاً لأهالى خليل الرحمن وبلداتها وقراها ، ففي مسقط رأسه دورا كان محط شبه إجماع  فقد حصل على 13500 ثلاثة عشر ألفا وخمسمائة صوت من أصل 16300صوت شاركوا بالاقتراع بينما حصل منافسه من فتح الأستاذ نبيل عمرو وهو ابن العائلة الأكبر على 6000 ستة ألاف صوت حيث والذي حصل في قرية المجد التي هي قرية الأهل والأقرباء فقط 15% من أصوات القرية بينما حصل الشيخ نايف وإخوانه التسعة من كتلة التغيير والإصلاح على ما يقارب 85%من الأصوات أسوق ذلك لا لشئ إلا للقول بأن شخصية أبي حذيفة والثقة الغالبة والعالية التي حظي بها ما كان ليحصل عليها لولا تضحيات وعطاءات وحب وتفانى الشيخ نايف في خدمة كل أبناء شعبه وما لمسه أهالي محافظة الخليل من مصداقية ونزاهة وشفافية وهو صاحب الأيادى البيضاء .

 لقد حصد أبو حذيفة وإخوانه في كتلة التغيير والإصلاح كافة المقاعد المخصصة لمحافظة الخليل على الدوائر , هذا ويبلغ عدد النواب من كتلة التغيير والإصلاح الممثلين عن محافظة الخليل ثلاثة عشر نائباً من بينهم امرأة ، وجدير بالذكر أن من بينهم عشرة نواب من مبعدي مرج الزهور.

هذا أبو حذيفة من الرجال الوطنيين الأحرار لدينهم ولشعبهم ولقضيتهم ، التقيته لأول مرة عام 1997 في مؤتمر الحوار الوطني الذي عقد برئاسة الرئيس الراحل أبو عمار ، حيث تعرفت على شخصيته بعد ما كنت أسمع عنه ، وتعرفت على مواقفه الوطنية ووعي هذا الرجل ، كما وجمعنا القيد في الأسر خلف القضبان ثلاث مرات تعرفت في إحداها على شقيقه وتوأمه الشيخ ياسر ، كما وعملنا مع بعض في الحكومة العاشرة ، عندما أسندت إليه وزارة الأوقاف بينما أسندت إليَّ وزارة شؤون الأسرى والمحررين ، وقد وجدت أن أبا حذيفة ليس من أولئك الذين ينظّرون بالشعارات أياً كان مصدرها ، ويعتبر رجل المهمات الصعبة ومن ذوي الهمم العالية ، تهون عليه الصعاب في سبيل تحقيق المعالي والغايات النبيلة لخدمة الشعب الفلسطيني ، له رأي سديد وثابت ، شديد الاعتزاز بانتمائه ، يكره الذل والمهانة ، عزيز النفس ويأبي الذل والهوان والضيم ، ولا يجرؤ أحد على النيل من شموخه وعزته وكرامته لذلك رأيناه ينتفض في وجه القاضي العسكري الذي حاول استجوابه ، وقد رفض أبو حذيفة الانصياع لتعليمات المحكمة واعتبرها غير قانونية ولم يعترف بها وهي التي تعمل وفق كل أشكال الوصاية والتبعية من قِبل الأمن الإسرائيلي ، فثار غضب القاضي العسكري ، وأصدر بحقه حكماً لمدة ثلاثة شهور مضافاً إلى أي حكم يصدر بحقه مستقبلاً ، وذلك لأهانته المحكمة والقضاء ، فارتسمت ابتسامة عريضة على وجه الشيخ نايف ، وهي ابتسامة الانتصار على الجلاد ، إنها البطولة الفلسطينية ، إنها الشجاعة التي يجسدها الشيخ نايف وفي كل موضع ، إنها مواقف الرفض والتحدي والمقاومة لكل الظلم وواقعه .

إنه الإنسان الفلسطيني وقادة هذا الشعب الدكتور عزيز دويك ، الشيخ نايف الرجوب ، مروان البرغوثي ، أحمد سعدات ، وبسام السعدي ، وغيرهم من رموز الشعب الذين يرفضون كل أشكال الوصاية والإذلال ولا يعترفون بالاحتلال ومحاكمة قضائه .

 

عندما التقيته مؤخراً في سجن الرملة كان يتألم بحرقة وقد عكس مشاعر الحزن والآلام على الحال الذي وصلت إليه الفصائل الفلسطينية ، ولم تختلف على تشخيص الحالة والواقع والاتفاق على ضرورة العودة إلى الوحدة الوطنية ، فالفصائل الفلسطينية ومهما بلغ حجم شعبية أحدها تبقى بمجملها تحتاج إلى شقيقاتها من الفصائل الأخرى وهذه ضرورة فلسطينية وواجب وطني حيث لا يمكن الانكفاء على الذات والاستغناء عن الآخر وخاصة أننا لا زلنا تحت الاحتلال نتجرع مرارته كؤوساً من العذابات والموت ، فحالنا  تستوجب من الجميع توفير كل أجواء التفاهم والحوار ، فنحن ينطبق علينا قول الشاعر :

وما المرء إلاّ بإخوانه                 كما تقبض الكف بالمعصم

 

ولا خير في الكف مقطوعة             ولا خير في الساعد الأجذم

لابد أن ينشأ حوارٌ يفضي إلى قدر من الانسجام والتفاهم والثقة المتبادلة يمكن بها تحقيق مصالح الشعب الفلسطيني والمحافظة على ثوابته وأن لا تقتصر هذه العلاقة ولا تُبنى لتحقيق مصالح حزبية ، وفئوية ، فيجب أن نتجاوز الأنا الفصائلية وأن لا نؤسس حوارنا وعلاقاتنا على أساس هذه المصلحة ، يجب أن نجسد منظومة القيم الإسلامية والوطنية والأخلاقية ، فوحدة الفصائل الفلسطينية هي وحدة الشعب الفلسطيني ، وهي قوة لها وللشعب واجتماعها على القواسم المشتركة والعمل في إطارها واجب ديني ووطني وأخلاقي لا ينكره  إلاّ من حرم العقل والحكمة والشاعر يقول :

 

تأبى الرماح إذا اجتمعنّ تكسراً         وإذا افترقن تكـسرت آحـــاداً

 

النمل تبني قراها في تماسكها           والنحل يجني رحيق الشهد أعواناً

هذا هو أبو حذيفة يعمل على إعلاء شأن الشعب والنهوض به ، هذا هو الشيخ نايف يؤدي الدور الوطني الرائد ، يُكتَب له في سفر التاريخ الشعب الفلسطيني ومسيرته الجهادية والنضالية صفحات من الفخر والعزة والكرامة ويرفع رأسه معتزاً بالثقة التي حظي بها من شعبه الذي لم يبخل عليه بأصواته كما لم يبخل أبو حذيفة بعطاءاته وتضحياته وخدماته الكبيرة وهو الذي يعمل بصمت وهدوء وسكينة وحنكته المعهودة.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026