الانتفاضة الثالثة في ضوء جدلية الوهم والواقع!!

الانتفاضة الثالثة في ضوء جدلية الوهم والواقع!!

عامر سعد
2010-03-21

جدول عادي في خضم تصاعد وتيرة الإجراءات الصهيونية تجاه مكونات الوجود الفلسطيني وفي خضم بروز السلوك المؤدلج لدى النظام السياسي الصهيوني والذي يرتدي طابع الصفاقة والإجرام بسعيه…

في خضم تصاعد وتيرة الإجراءات الصهيونية تجاه مكونات الوجود الفلسطيني ، وفي خضم بروز السلوك المؤدلج لدى النظام السياسي الصهيوني والذي يرتدي طابع الصفاقة والإجرام بسعيه لفرض واقع جيو – سياسي يخدم طموحاته التلمودية وبدون عمليات تجميل أو وضع ستائر - كما في السابق - والتي تفرضها الحراكات الدبلوماسية وإجراءات التفاوض المسرحية ، وفي خضم انسداد الأفق السياسي أمام أي حل سلمي للصراع الصهيوني الفلسطيني كنتيجة حتمية للسلوك الصهيوني ومن ورائه العقيدة المكونة لنظامه السياسي منذ إقامة كيانهم المزعوم ، وفي خضم الإقرار بترهل وانحطاط الموقف العربي وطوباوية " مثالية " الموقف الأمريكي ، بات مصطلح الانتفاضة يسيطر على المشهد السياسي والفكري والشعبي الفلسطيني .

 

لكن هذا المصطلح لم يعد أحد مخرجات حالة الإجماع الفلسطيني في كونه الخيار الناجع لحماية المقدرات واستعادة الحقوق وصد المخطط والعنجهية الصهيونية كما كان الحال في تجسيداته السابقة والتي يؤكدها السياق التاريخي للنضال الفلسطيني، بل بات في هذه المرحلة الحرجة والدقيقة مصطلحاً يرتدي طابع الجدل وعلى كافة المستويات والصعد ، فالصراع الفكري والطروحات ذات المفردات المتفجرة والسجالات الحزبية والإعلامية المستعرة والتي تغص بها الفضائيات الاخبارية والنقاشات اليومية التي تشهدها مختلف الاوساط الاجتماعية والتباين الفاضح بين التأكيد عليه في الخطاب السياسي والتعبوي والاستراتيجي لدى أطراف في مقابل الرفض المطلق له لدى أطراف أخرى بات التوصيف الدقيق لمختلف الظواهر التي يفرزها هذا المصطلح في البيئة الفلسطينية .

 

وفي ضوء ذلك فإن الحديث عن انتفاضة ثالثة بات أمراً تحسمه جدلية الوهم والواقع بما تنطوي عليه من معطيات ومؤشرات تلخصها أبعاد ثلاثة :

 

البعد الأول : سوسيولوجيا - ماهية البنى الاجتماعية - الضفة :-

مما لاشك فيه بأن الضفة الغربية تعتبر في ظل الظروف الموضوعية هي قوام أي انتفاضة قادمة لهذا لابد من تشريح مختلف الظواهر الاجتماعية في الضفة حالياً ولكن بمبضع العقل وليس بتحطيمها بطريقة سببية ساذجة تفرضها الخطب الجوفاء والطروحات الغارقة بالتجريد والأحلام الأفلاطونية .

 

فالضفة تعيش ومنذ الانقسام الفلسطيني في ضوء عملية تكوين جديدة لبناها الاجتماعية- تقوم بها منظومة السيد سلام فياض - عنوانها المجتمع المدني والذي ينطوي على خلق بنى فكرية جديدة تؤمن بالمصالح الاقتصادية الذاتية وتجعلها الإطار المرجعي لمختلف أنماط السلوك ، وتؤمن بالقيم المادية كمرتكزات وأسس للوجود بدل القيم الأخلاقية والوطنية ، وتسعى لتحقيق الرفاه والاستقرار كغايات متناهية للوجود البشري ، ولعل مضمون الرفض من قبل بعض الشرائح المجتمعية في الضفة وعدم تحركها إزاء الإجراءات الصهيونية والتي تهدد الوجود الفلسطيني من خلال بلورة منطق تبريري مفرداته " عدم التضحية بالاستقرار " و " عدم التضحية بالمصالح الاقتصادية " و " العيش بسلام " تؤكد ذلك ، كما علينا أن لا ننسى أن الشعوب في المفهوم الميكافللي والذي يعتبر على درجة من الصواب إذا ما استعرضنا السياق التاريخي للشعوب وسيرورة الأحداث في العقود الأخيرة هي طبقة غير مستقرة " عاطفية ومنافقة " يحدد ولاءاتها الواقع وليس الحق . .

 

وخطورة استمرار تكرس " المجتمع المدني " في الضفة سيؤدي ببديهة الحال وكما أكد عدد من المفكرين ومنهم ابن خلدون – في مقدمته الشهيرة – وهيجل – في نظريته عن الحرب والسلام الدائم - وميكافيللي – في كتابه الأمير – إلى بروز سلوك مجتمعي دائم يرتدي طابع الضعف والتفكك ولا يقوى كنتيجة حتمية إلى رد المخاطر أو درء الفتن وسرعان ما يسقط هذا المجتمع فريسة للقوى الخارجية ، فكيف بضفة ترزح تحت نير احتلال إحلالي يواصل فرض وقائع جغرافية تهدد الوجود الفلسطيني برمته !!!!.

 

لكن في المقابل لا يمكن أن ننكر وجود شرائح مجتمعية في الضفة ترفض إحلال القيم المادية والمصالح الضيقة مكان القيم الوطنية والثوابت وتعمل جاهدة لخلق بنى فكرية لمختلف شرائح المجتمع تعي مخاطر القبول بمجتمع مدني بما ينطوي عليه في ظل استمرار وجود الاحتلال وإجراءاته لقضم الأرض الفلسطينية ومن ثم إنهاء الوجود الفلسطيني ، لكن هذه الشرائح في ظل استحقاقات الاتفاقات الأمنية بين النظام السياسي في الضفة والكيان الصهيوني وفي ظل تصاعد وتيرة مشروع السيد سلام فياض وتكرس أيديولوجيته – نوعا ما - خاصة على الصعيد الأمني والاقتصادي وفي ظل تداعيات الانقسام الداخلي يقف حائلاً أمام نجاحها .

 

البعد الثاني : ماهية المشهد السياسي الفلسطيني :-

يلعب المشهد السياسي الفلسطيني بخصائصه التقليدية أو الطارئة - بفعل الانقسام - دوراً محورياً في حسم جدلية الوهم والواقع إزاء مصطلح الانتفاضة " الثالثة " كون القرار السياسي يعتبر قوام السلوك المجتمعي وباعثه الرئيسي ، ولهذا فإن سبر أغوار الأيديولوجيا السياسية لألوان الطيف الفلسطيني أو الممارسة السياسية الواقعية في ظل غياب وحدة الفكر والممارسة لدى أكثرها يعتبر أمراً ضرورياً لبلورة رؤية تقارب الصواب بشكل كبير .

 

وفي ضوء ذلك فإن المشهد السياسي الفلسطيني انقسم هو الآخر إزاء الانتفاضة هذه المرة كوننا أمام عقيدتين سياسيتين إحداهما تتبنى المقاومة كخيار استراتيجي يعتبر قوام سلوكها في ظل الاحتلال وهي متمثلة بشكل كبير في حركة حماس وأخرى تتبنى المفاوضات كخيار استراتيجي ووحيد وهي حركة فتح والنظام السياسي المنبثق عن أطرها ومضافاً إليها منظومة السيد سلام فياض ببديهة الحال ، ووفق المعطيات الحالية فإن سيطرة حركة فتح على الضفة الغربية تعني الحؤول وبكل الطرق دون انبعاث انتفاضة جديدة ليس فقط على صعيد العقيدة السياسية لذلك النظام بل مضافاً إليها الارتهانات الوظيفية والسياسية لقوى دولية واقليمية ترفض المقاومة تحت طائلة الإرهاب واستحقاقات واقعية للاتفاقات الامنية ، وحتى نتعدى الأطر النظرية فان البرنامج السياسي لحكومة السيد فياض يخلو من كلمة مقاومة بكل أشكالها وأيضا الموقف السياسي الرسمي للسيد محمود عباس والذي يؤكد على حتمية المفاوضات في إقامة السلام والدولة الفلسطينية ورفض الاشكال الاخرى ويعمل على تحطيم الأحداث الحالية رغم خطورتها هو وجوقته الإعلامية بطريقة سببية ساذجة مرجعها التملص من المفاوضات والإطار المرجعي للمفاوضات غير المباشرة المتمثل بخارطة الطريق يدعم ما ذهبنا إليه ببديهة الحال ، فلهذا الحديث عن انتفاضة ثالثة لن يكون طرحاً موضوعياً في ظل ما ذكر وفي ظل التاكيد على أن الانتفاضة الثانية جاءت بقرار – على الاقل ضمني – من الشهيد القائد ياسر عرفات ومختلف الفصائل ، فالقرار السياسي هو قوام أي سلوك اجتماعي شعبي مهما كان شكله .

 

أما موقف حماس حالياً وقدرتها على التأثير في سيرورة الأحداث خاصة في الضفة والتي تفتقد فيها لعامل السيطرة والقيادة على جسمها القاعدي وتفتقد للقدرة على التأثير السياسي والمجتمعي فإن موقفها السياسي الرامي لتأليب أهل الضفة وحثهم على القيام بانتفاضة ثالثة سيبقى أسير التجريد والأطر النظرية كون عوامل الدفع والتحريك والتأليب مفقودة ولن يرى النور على الأقل في هذه المرحلة ، وسيعتمد مستقبلاً على مفاعيل الممارسة الصهيونية حيال شعبنا وعلى هلامية الإصلاحات الحاصلة حالياً في الضفة كونها تفتقد للبنيوية إلى حد كبير وتعتمد على المال السياسي وأبعاده وفشل نهج المفاوضات ببديهة الحال .

 

البعد الثالث : الاقتصاد السياسي في الضفة :-

ومن أهم الابعاد التي تحول دون قيام انتفاضة ثالثة في الوقت الراهن أيضاً الانتعاش الاقتصادي المؤقت في الضفة رغم كونه من المنظور الاقتصادي المحض انتعاشا هلاميا قوامه رأس المال النقدي والذي لا يبنى اقتصادات متماسكة في ظل غياب المقومات والمقدرات والبنى الاقتصادية الحقيقية والمؤسسات البنيوية والتي تشكل مرتكزات رأس المال .

 

لكن وكما اكد ميكافللي وكما هي الحقيقة فإن الشعوب يحكمون على ما يرونه باعينهم وليس ما يدركونه ، لهذا فإن الانتعاش الحالي يقود للرخاء والرفاهية والدعة والتي هي نقيض مفردات الثورة والتمرد والانتفاض ، وأيضا يقود هذا في ضوء حقل الاقتصاد السياسي إلى بناء الرؤية السياسية ومختلف المواقف والحراكات إزاء المخاطر المحدقة ومختلف الظواهر السياسية التي تكتنف المشهد الفلسطيني على اساس المنظور الاقتصادي المصلحي فقط ، مما ينذر بارتكاسات كبيرة على الصعيد الوطني وهذا ما هو حاصل حاليا وللأسف .

 

لكن للضفة كلمة أخيرة :

ورغم كل ما ذكرته آنفاً فإن الحتمية التاريخية و النبوءات التي جاء بها الإسلام العظيم تؤكد على أن الشعوب المحتلة لا بد أن تنتفض على محتلها وأدواته مهما طال الزمان وبان المخططات التي تستهدف سلخ الشعوب عن منظومتها القيمية والأخلاقية والوطنية و إرضاخه للأبد ستبوء بالفشل مهما اتسمت بالحنكة والحذاقة ، وأيضاً بأن الضفة التي أذاقت المحتل الصهيوني على مدار تاريخ النضال الفلسطيني العلقم وأضحت بؤرة العمل النضالي ومعقله الأساسي ستنتفض لا محالة ، وستثبت كما أثبتت في الانتفاضة الثانية علو كعبها النضالي فخسائر العدو الصهيوني مازالت تقر للضفة وأهلها بأنها الأكثر تأثيراً وجسارة في قتال العدو وعندها ستكمم كل الأفواه المزايدة وكل من يتبنى التفكير بالتمني بأن يرى الضفة هجينة ترضى بكنتونات اقتصادية لا هوية لها .

 

 

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026