كالأسد الهصور خرج مرعبا سجانيه يحيطون به خوفا من أن ينقض عليهم أو يفترسهم بل هو أسد دون الكاف يسير بقيده دون قيد لا يأبه للزبانية حوله وكأنهم غير موجودين فالقيد والسجان لا يعنيان…
كالأسد الهصور خرج مرعبا سجانيه، يحيطون به خوفا من أن ينقضّ عليهم أو يفترسهم!! بل هو أسد دون "الكاف" يسير بقيده دون قيد، لا يأبه للزبانية حوله، وكأنهم غير موجودين … فالقيد والسجّان لا يعنيان له شيئا، لأنّ الروح تسبح في فضاء الحرية، وعبثاً حاول المجرمون أن يحيطوا بها فما استطاعوا لذلك سبيلاً … لم تطوقها ألف وسبعمائة سنة من الحكم الخيالي الحاقد، ولم تثنها عن العيش بعزة وكبرياء كما لو أنها تسيح في البراري أو تقفز فوق قمم الجبال أو تمخر عباب البحار!! هي الروح المؤمنة المجاهدة تحمل صاحبها لآفاق لا يراها "القاعدون"!
نعم؛ أسدٌ ياسيدي! وسجّانوك من حولك فئران ترتجف رعباً أن تزأر عليهم، فهم "أحرص الناس على حياة"، ويكأني بهم من هلعهم لايرون قيودا كبلوك بها! فقد سكنتَ فيهم رعبا و"أُشرِبوا" من شجاعتك جُبناً؛ فلا يرون فيك إلا "قاتلاً" لسبعة وستين علجاً منهم، فكيف لايهابونك حتى لو كانوا هم قد كبلوك؟!
جبناء!! إي والله جبناء!! وأشد منهم جبنا من صدّق يوماً أنّهم ليسوا جبناء!!
سيدي ما أبهى طلّتك معتمراً "قلنسوتك" وكأنها تاج الملوك!! ماأبهى طلتك "ترفل" بقيودك عزة وأنَفةً وكبرياء. ما هي بالقيود! وإن أدمت قدميك ويديك الطاهرتين، ولكأنّي بك تتعمّد إظهارها كما يظهر المقاتل نياشينه وأوسمته، لا بأس سيّدي! تِه فخرا حيث "المقام" مقام التيه والتبختر! نعم سيّدي: تبختر بها فقد دفعت ثمنها غالياً عزلا وقمعا وقهرا، ودع غيرك يتباهى بظلّ وسام وطيفِ نيشان، لم يبذل في سبيله نقيراً!!
ملِكٌ أنت يا سيّدي، وعلى رأسك تاجٌ وبيدك صولجان!!
سيديّ! من ذا الذي يسمعك فيصدّق أنّك خارجٌ من العزل الإنفرادي _ وما أدراك ما العزل الإنفرادي ؟! لا شيء يدلّ – غير الهيئة الخارجية – على أن من يزمجر في "القاضي" والسجان معزول في زنزانة لسنوات خلت!
تتحدّث عن "شاليطهم" وكأنّك سجّانه وتعرف تفاصيل مكانه، وتطمئنهم عليه!!
تفخر "بقيمك" وكأنّك تلقي عليهم محاضرة أعددتّ لها بروية وهدوء!!
وفوق هذا ترفض الاعتراف بما يسمى "محكمتهم" بعزة وشموخ لا يتكرر في التاريخ إلا كتكرار الأحداث الفلكيّة، كيف لا؟
وصبرك فلكيّ ..
وصمودك فلكيّ ..
وحكمك فلكيّ ..
وإيمانك فلكيّ .. وقبل هذا وذاك بطولتك وفعلك فلكيّ …
سيّدي كلك "فلكي"! وكأني بك لست من الأرض ولا من أهلها ولا أجرامها، أنت بعض من أجرام السماء بكل مكوناته وصفاته، لست من الأرض ولا من طينها، وكأنك نفحة من نور مرّت على الأرض فحملت شيئا من ترابها! لا أزكيك على الله؛ فأنت صنعته. حسبي وحسبك رحمته أن يمنّ علينا بالفرج عنك وعن إخوانك، علنا نزغرد يومها بلقائكم فرحاً بدل أن نكتب اليوم لفعالكم مدحاً …
"أيها البرغوثي" الثائر! أعرف أن مدحي لك وثنائي عليك لن يخفف عنك ألماً، ولن يوسّع زنزانتك عليك قدماً، ولن ينقص المؤبدات - السبعة والستين - يوماً، بيد أنه فخر لي أنا، إذ سيسجل في تاريخي أنّي كتبت عنك، وعرّفت بك وبجهادك أمّة عطشى للبطولة والرجولة، لعل الحديث عنك وعن أمثالك من العظماء - عظماء الكون والتاريخ - يومِض في أفق الأمّة القاتم ومضة أمل بنصر قريب.
أيا عبدالله، أسرتَ الملايين - وأنت الأسير - بهدوئك وثقتك بالله وأنت تتحدث مع عدوّك بلغته كي تفهمه رسالتك! لا تنازلاً عن رسالتك في حمل لغتك، لم "ترطن" العبرية جبناً وتخاذلاً كما أراد "الآخرون" لنا أن نكتب تاريخنا "بالعبرية" وأن نرسم حدودنا "بالعبرية" وأن نسمي أنفسنا ومدننا وقرانا أسماء عبرية … خاب فألهم فمن يسمعك تقهر عدوك "بلكنته"، يستجمع العزة كل العزة بعروبته وعربيته!!
سيّدي! أراك الآن عدت لعزلك، وتركتنا نتغنى ببطولتك وعزتك، فهل نتركك تتلظّى بسياط مؤبداتك؟!
وكلمتي..أنت في قيدك ترهبهم .. لم تنظر للقيد ولم يغير الأسر فيك شيئا.. ونحن في الحرية ..التي لا نستحقها فمثلك من يستحقها.. الحرية للرجال الذين لا ينتظرون وأقصاهم يستباح ..الرجال الذين لا يتقنون الا فناً واحداً انه فن العمل لا فن الكلام.. كم يشتاق الأقصى لأمثالك.. كم يبكي قائدنا لفراقك وأسرك.. أما نحن فينظر الينا الأقصى وهو لا يرانا.. لأنه يشاهد ويلاحظ من يحموه ومن قدموا الغالي والنفيس من أجله.
أنت في أسرك تعلمنا كل يوم شيئاً جديدا.. أنت من تستحق الحرية وأن تحلق عالياً بأعمالك وبطولاتك. أما نحن فليغلق علينا الكتاب وتشطب كلماتنا لأنها ضعيفة ركيكة بسيطة .. وأما أعمالنا فلتذهب مع الهواء.. لأنها أمام أعمالك وبطولاتك وأقوالك لا تذكر.