شتان بين المحمودين .. حين يتفق المبنى ويفترق المعنى !!

شتان بين المحمودين .. حين يتفق المبنى ويفترق المعنى !!

محمد عوض
2010-02-01

خطر في بالي وراودتني كثيرا نفسي أن أعقد مقارنة بين أرض وسماء ثرى وثريا عتمة وأنوار بين النور والديجور بين اللباقة والحماقة بين الحصافة والسخافة بين المبحوح والمقهور تدفعني عوامل…

خطر في بالي ، وراودتني كثيرًا نفسي ، أن أعقد مقارنة بين أرض وسماءٍ ، ثرىً وثريَّا ، عتمةٍ وأنوار..

بين النور والديجور .. بين اللباقة والحماقة .. بين الحصافة والسخافة .. بين المبحوح والمقهور ..

تدفعني عوامل متباينة نحو الحديث ، وتنثر شظايا كلماتي في ميدان التناقض .. علّها تظفر بالمراد ولا تكاد ..

تجمع وتطرح .. تقدح وتمدح .. تسكت وتصرّح .. تنادي وتناجي .. تسرّ وتعلن ..

يكتنفها الغموض كأنها لوغاريتمات العظمة لا يستطيع تحليل رموزها إلا من عايشها وعاينها ولا مسها ..

إنه الحديث عن شهادة الشهيد .. وارتقاء القائد .. واستجابة المنادي لداعي الجهاد السؤدديّ ..

إنك حينما تتحدث عن الشهيد محمود رحمة الله عليه تعلم أنك تحتاج قدرًا من الطاقة لا يُستهان به من أجل أن يكتمل الكلام وتتكامل الصورة وتجلو عنك غبار اللبس..

لا لشيء إلا لأن العظمة نوعان ؛ إما أن تكون ذاتية وهي ليست إلا الله .. وإما أن تكون مستفادَة باستقاء معينِها من عظيم ، واستهداء مسالكها ودروبها ومناكبها من جليل القدر عالي المنزلة ..

ونحن عندما نتحدث عن الشهداء ، فإنما نتذكر قول الله تعالى في هذا المعرِض:

" وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ " (البقرة:154) " وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ " (آل عمران:169) حسبك يا محمود أنك لم تفرّط وأنك بقيت على العهد صامدًا صامتًا .. تحبّ الظل وترفض الظهور ..

حسبك يا حبيبنا أنك عظيم بحياتك الحقيقية التي نلتها وسامًا من الله تعالى بعد غيابك الجسديّ عنّا ..

حسبك أن حسابًا يسيرًا – بإذن الله – ينتظرك بعد أن كفيت – إن شاء الله – فزعًا ببارقة الرصاص وصعق الكهرباء ..

حسبك يا محمود أنك ستظل محمودًا طيبًا نتنسم ذكراك ونستعطر بشذاك ونأتلق بأنوارك وسناك ..

كنت عظيمًا ؛ لأن من انتمى إلى ربه سكنته العظمة وسكنها .. وتوشّى بها وركبها .. فطوبى لك ، وطوبة في رؤوس شانئيك ومبغضيك ..

لا نحسبك ميتًا ، فإنما الميتُ ميتُ الأحياء ، ميتُ الضمير ، ميتُ الانتماء لأمته وشعبه وقضيته ..

أترانا بعد هذا كله قادرين أن نذكر محمودًا عبّاسًا لنقارنه معك .. كلا .. فلماذا نذكره ؟!

لكي نقول أنه المذموم مسمىً ورسمًا المحمود ضمنًا واسمًا .. بسّام مع الصهاينة عبّاس مع بني شعبه ..

إنه لمن الضروري أن نذكر هذا الدعيّ الأثيم ، المختال اللئيم ، الفكِه الذميم .. لكي نؤكد على الفطرة التلقائية ..

بأن الجمال لا يُمكن أن تُدرك حقيقتُه إلا برؤية الجمال وملامسته ومعايشته ..

وأن الطول لا يُمكن أن تفهم مراميه وإشاراته إلا بعد معرفتنا بإشكال القصر وسلبيّاته على النفس ..

كما لا يُمكننا أن نفهم التفاوت البشريّ إلا في وجود التنافس العلميّ والعمليّ ؛ نزولاً وصعودًا .. ذبولاً وألقًا ..

فنحن نذكر ( فلان !!) هنا لنؤكد على أن المحمود الفعليّ يزداد انتماؤنا إليه بمعرفة المذموم العباسيّ ..

وأن خطَّ الجهاد والشهادة ، خطَّ النبيين بشكل عام ، قيّض الله له من الأعداء ما يواجهونه لينتهض وتزداد همته وترقى عزيمته " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ " (الأنعام:112) ..

لماذا ترى الناس يكرهون عبّاسًا ويبغضونه ملء أفواههم وقلوبهم جميعًا ؛ لأنهم يحبّونك

!!

لماذا تراهم يسبّونه ويظهرون عواره ويخبرون ذلته وهوانه وانكسارَه ؛ لأنهم يعلمون عزتك وكرامتك ويحترمونك !!

لماذا تراهم غير مقتنعين به ، لا يشعرون أن فيه شيئًا من القيادة ولا المسئولية ؛ لأنهم يُكبِرونك ويجلّونك !!

لماذا ترى أن عدوّه قد أذلّه وأهانه واحتقره لضعفه وعدم قدرته على الوفاء بالتزامه برغم ما يقدّم ؛ لأنهم يخافونك !!

أعلم انه ليس من الدقّة أن نتذكر السفيه المتنازل وهو مستمتع وسعيد في مثل هذا السياق الذي لا ينبغي إلا للعظماء .!

ولكن شاء الله في حكمته وسنّته أن تكون الحياة مرتع كل حيّ ومسلك كل بشريّ ، وعند الديّان تجتمع الخصوم ..

يومها سيقول هؤلاء المفاوضون الذين خانوا دماءك يا محمود وباعوها بلا ثمن ، أننا نادمون ، ولكن :

ندم البغاة ولات ساعة مندم **** والظلم مرتعُ مبتغيه وخيمُ

إن كون أبناء أوسلو تسمّوا بمحمود أو كانوا من النبلاء ( نبيل عمرو ، نبيل أبو ردينة ، نبيل شعث ) لا يعفيهم من تبعة التفريط والتنازل ، ولا يغني عنهم من الله شيئًا ..

سيلتقي محمود ومن قتله بين يدي ربهم يوم القيامة جميعًا حفاة عراة غرلا ..

وسيقتص محمود من قاتله ، وسيكون مصير من قتل ومن باع الدماء وخيمًا ..

وإنا لمنتظرون يومَك يا عبّاس ، وبيننا وبينك المقابر ..

رحمة الله على شهيدنا البطل ،، وأسكنه فسيح فردوسه ..

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026