مبشرات النصر والعزة في الحرب الصهيونية على غزة

مبشرات النصر والعزة في الحرب الصهيونية على غزة

د. نافذ سليمان
2010-01-19

جدول عادي لك المجد يا غزة لك العزة والنصر على جلاديك وقاتليك فأنت اليوم تعيدين ملاحم بدر وخيبر وبني قينقاع وحطين وغيرها من أيام الإسلام الخالدة فمعركتك هي معركة بين الحق والباطل…

لك المجد يا غزة، لك العزة والنصر على جلاديك وقاتليك ، فأنت اليوم تعيدين ملاحم بدر وخيبر وبني قينقاع وحطين وغيرها من أيام الإسلام الخالدة ، فمعركتك هي معركة بين الحق والباطل ، بين حق العقيدة وحق الوطن وحق المقاومة من جهة ، وبين باطل التلمود وباطل اغتصاب الأرض وباطل العدوان ، فأي الفريقين أحق بالنصر ؟ وأي الفكرتين أبقى في الأثر؟ " أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26)" (سورة إبراهيم).

 

وهاهي بشائر النصر تصنعها سواعد المقاومة وجراحات المكلومين ودماء الشهداء وصبر وصمود المستضعفين من أهل غزة ، يسندها في ذلك مجموعة كبيرة من البشارات نوجزها فيما يلي:

 

1.  وعد الله ورسوله: فالآيات والأحاديث التي تبشر المؤمنين بالنصر كثيرة وعديدة ، وكلها تمثل طاقة متجددة تمد المجاهدين بعوامل الثبات والثقة بالنصر ، ومنها قول الله تعالى: " كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ" (المجادلة،21)، وقوله : "وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا"(النور،56)،أما البشارة الخاصة بأهل فلسطين والمسجد الأقصى فقوله تعالى: "فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا" (الإسراء،7).

 

والأحاديث النبوية المبشرة بالنصر للمؤمنين والتمكين للمجاهدين كثيرة كذلك ،ونذكر منها ما يخص النصر في فلسطين فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَأَيْنَ هُمْ ؟ قَالَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ" (رواه أحمد)، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ تُقَاتِلُونَ الْيَهُودَ حَتَّى يَخْتَبِيَ أَحَدُهُمْ وَرَاءَ الْحَجَرِ فَيَقُولُ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ" (رواه البخاري).

 

وحينما يستحضر المسلم هذه الشواهد يزداد ثقة بأنه منتصر لا محالة شعاره في ذلك "هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (الأحزاب،22) .

 

2.  ثقة أهل غزة بالله: فالمتابع لمواقف أهل غزة خلال هذه الحرب الجهنمية - التي يجب أن تسمى بحق مجزرة الأطفال – يلحظ بوضوح ثقة الناس بالله عز وجل ، حين يلجأون إليه دون غيره ، فتسمع على شاشات التلفاز صرخات المعذبين " يا الله " و"حسبنا الله ونعم الوكيل " " ليس لنا إلا الله" "لا نريد مساعدة أحد الله وحده يحمينا"، وتجلى خطاب رئيس الوزراء الفلسطيني "إسماعيل هنية " الذي يقف على رأس المقاومة ، والذي امتلأ بعبارات الأمل بالنصر والتذكير بغزوة الأحزاب وتكالب الأعداء من كل حدب على المسلمين، لكن ذلك لم يزد المؤمنين إلا ثباتاً وتسليماً لله.  

 

3.  الصبر مفتاح الفرج: فلقد ضرب الشعب الفلسطيني المقاوم في غزة أروع الأمثلة في الصبر والثبات، ترى ذلك على لسان المرأة العجوز التي تتحدى الجيش الصهيوني بالدخول برياً ليرى مدى ضعفه أمام المقاومة الباسلة، وتراه على لسان الكثيرين الذين يصرون على البقاء في بيوتهم ولو تهدمت عليهم ، والراجعين من مصر أنهم سيرجعون للقطاع ولو ضربوا بالنووي ، ناهيك عن موقف المقاومة التي تنتظر بصبر الدخول البري للقوات الصهيونية ليجعلوا من غزة مقبرة لهم.

 

ولا بد أن يؤتي هذا الصبر والثبات أكله مصداقاً لقوله تعالى " وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ" (السجدة،24)، فالاستخلاف والتمكين لا يأتي إلا بعد الصبر والابتلاء ، وحين سئل أحد السلف " أيهما أفضل للرجل ؟ أن يُمَكَّن أو يبتلى؟ فقال: لا يُمَكَّن حتى يبتلى.

 

4.  مقاومة مؤمنة: فالمقاومة في غزة هي مقاومة جهادية ، تنطلق من العقيدة الإسلامية ، وتعتبر أن أسمى أمانيها الموت في سبيل الله ، وهذا يعطي المقاومة قوة وانطلاقة عظيمة وثبات في المعركة ،ما دام أن المقاتل يعتبر أنه الفائز على كل الأحوال "إما النصر أو الشهادة" ،ولذلك نرى في هذه الحرب صوراً من الإيمان المقاوم ، فهؤلاء الاستشهاديون الأشباح يرابطون في خنادقهم لأيام عديدة يرتلون القرآن ويعيشون على التمر والماء منتظرين العدو ليفجروا أنفسهم به ، ويرى الدكتور "عبد الستار قاسم" أن من بين أسباب صمود حماس أمام القوة الإسرائيلية العنيفة "صلابة العقيدة والإرادة؛ فمقاتلو حماس يقاتلون على أساس عقيدة دينية متينة تربوا عليها لسنوات".

 

5.  القيادة سباقة: فهذه المعركة أظهرت مدى تلاحم القيادة مع شعبها وجندها، فهي تقف في الخندق الأول ، وتضرب المثل العلى في الصمود والشهادة ، فهذا الدكتور الشهيد "نزار ريان" –عالم الشريعة والحديث الشريف- يرفض الخروج من بيته والاختباء في مكان آخر ، فيقصف بيته ، فيلقى الله هو وعائلته شهداء يشكون إلى الله ظلم المحتلين، ومثال ثان هو استشهاد القائد الكبير" سعيد صيام" – وزير الداخلية الفلسطيني والذي ظل يواصل عمله في إسناد المقاومة طيلة فترة الحرب - ،وسبقهما من قبل استشهاد قادة كبار كرئيس الشرطة ورئيس جهاز الأمن والحماية وغيرهم ، وهذا يؤكد أن القيادة المجاهدة تتقدم الصفوف ، مما يعطي القدوة الصالحة للجنود والشعب.

 

6.  حراك الشعوب: فمسيرات الملايين التي جابت مدن العالم من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه ، في صورة تمثل إجماعاً عالمياً على نصرة قطاع غزة ، والتنديد بالإرهاب الصهيوني ، وكان هذا الحراك العالمي انتصاراً للمقاومة وهزيمة للاحتلال ، حتى وصل الأمر بخروج مسيرات يهودية تندد بالعدوان الصهيوني توجت بحرق حاخام يهودي لجواز سفره الإسرائيلي ، وتعالت أصوات الجماهير المطالبة بمحاكمة مجرمي الحرب الصهاينة ، وإغلاق السفارات الإسرائيلية ووقف التطبيع ، وإعلان الجهاد، وبهذا اكتسبت القضية الفلسطينية زخماً عالمياً لم يسبق له مثيل من قبل.

 

هذا فضلاً عن مشاركة هذه الشعوب بالمال والمساعدات لأهل غزة ، حتى تبرعت النسوة السودانيات بحليهن ضمن مشروع جبل الذهب لنصرة غزة، وتبرع آخرون بالدم وما طالته أيديهم من إمكانيات ، وكذلك استطاعت هذه الشعوب بحركتها أن تضغط على حكوماتها لتغير من سياستها اتجاه الكيان الصهيوني فتم طرد السفراء الصهاينة في فنزويلا وبوليفيا وقطر وموريتانيا ، وتغيرت سياسة تركيا اتجاه إسرائيل ، إلى غير ذلك.   

 

7.  الظلم الصهيوني نذير هزيمة: وهل هناك أكثر ظلماً من قتل الأطفال الرضع والشيوخ الركع ، والنساء الهُلَّع ، ناهيك عن تدمير بيوت الله وإحراق كتاب الله ، وتدمير الجامعات والمستشفيات وأماكن الإيواء لوكالة الغوث الدولية ، فلم تترك الآلة الصهيونية المتوحشة حجراً ولا شجراً ولا بشراً إلا وصبت عليه حممها الجهنمية، كل ذلك وغيره لن يمر دون عقاب إلهي ، والذي جعل الظلم مقدمة للهلاك والدمار فقال تعالى "وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آَخَرِينَ" (الأنبياء،11)، وفي الحديث الشريف"إن الله ليُملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يُفلته"، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: { وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } (هود،102)،وقال العلامة "ابن خلدون" الظلم مؤذن بهلاك العمران ، وقال " ابن تيمية" اللَّهُ يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الْعَادِلَةَ وَإِنْ كَانَتْ كَافِرَةً وَلَا يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الظَّالِمَةَ وَإِنْ كَانَتْ مُؤْمِنَةً" ، لذا فنحن واثقون من أن دماء غزة ستكون المسمار الأخير في نعش دولة إسرائيل بإذن الله.

 

8.  تمييز الخبيث من الطيب: إن من سنن الله في هذا الكون سنة الابتلاء والغربلة ، فمن خلال المحن والمواجهة بين الحق والباطل يتميز الناس إلى مؤمن صادق ثابت صابر ، ومنافق متذبذب مرجف كما قال الله تعالى: " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (37)" (الأنفال) .

 

وفي الحرب الأخيرة على غزة تميز العالم كله بغض النظر عن الدين والقومية ، سواء على مستوى الحكام إلى حكام يمتلكون قرارهم بأنفسهم فطردوا السفراء الإسرائيليين من بلادهم رغم أن بعضهم ليسوا عرباً أو مسلمين ،وآخرون لم يجرؤوا على فعل ذلك رغم عروبتهم وإسلامهم ، وتميزت الشعوب عن حكامها ، حين هبت عن بكرة أبيها دعماً للمقاومة ورفضاً للمساومة، كذلك تميز صف المقاومة بصلابتها وتضحياتها عن صف المفاوضة بضعفها وتبعيتها، وهذا التميز خطوة هامة لاستكمال الطريق نحو التحرير الشامل بإذن الله.  

 

9.  أرحام النساء قنبلة لا تملكها إسرائيل : فعين الله ترعى هذه المعركة ، وتهيء أسباب النصر خارج الحسابات البشرية "وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُو"َ (المدثر،31) ،ومن المسلمات التي باتت معروفة في الصراع الفلسطيني الصهيوني ، أن أرحام النساء الفلسطينيات تتميز بخصوبة فائقة على المستوى العالمي وسيتساوى عدد السكان الفلسطينيين واليهود قبل منتصف عام 2010 حيث سيبلغ عدد الفلسطينيين 5.7 مليون فلسطيني مقابل 5.7 مليون يهودي ، وعلى المستوى العالمي من المتوقع أن يتضاعف عدد السكان الفلسطينيين في العالم ليصل إلى نحو 20.2 مليون عام 2028 أي بعد نحو 23 عاماً، ورغم أن الآلة الصهيونية قتلت حوالي 400 طفل خلال ثلاثة اسابيع من الحرب المجنونة ، إلا أن إحصائيات وزارة الصحة الفلسطينية في غزة تفيد بولادة أكثر من ألف طفل خلال هذه المرحلة ، فهل تستطيع إسرائيل أن تتحدى قوة الله " وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ" (الأنفال،30).

 

10.  اشتدي أزمة تنفرجي: فمن السنن الإلهية تبدل الأحوال وتداول الأيام ، كما قال الله تعالى "وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ" (آل عمران ،140)، ولذا "سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا" (الطلاق،7)، ولابد لليل أن ينجلي عن صبح سافر، وكلما اشتد الحبل قارب على الانقطاع ، وبعد الصحراء القاحلة واحة خضراء ، وكما قال الشاعر:

ما بين غمضة عين وانتباهتها *    يغير الله من حال إلى حال

وقول الآخر:

ولرب نازلة يضيق بها الفتى * ذرعا وعند الله منها المخرج

ضاقت فلما استحكمت حلقاتها * فرجت وكنت أظنها لا تفرج

لهذا كله نبشر أمتنا الإسلامية وشعبنا الفلسطيني بهذا الانتصار الكبير الذي سيزاحم الانتصارات التاريخية ، وسيكون إيذاناً بمرحلة الصعود الإسلامي ، والتفاف الأمة حوله ليقودها نحو معركة التحرير الشامل لفلسطين بإذن الله، "وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) " (الروم).

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026