عن المبادئ والمصالح إن إلقاء نظرة على ردود الأفعال التي تقوم بها الدول والجماعات في العالم على التهديدات الأمريكية للعراق يوضح تماما ردود أفعال قوية في بعض العواصم الغربية على…
عن المبادئ والمصالح
إن إلقاء نظرة على ردود الأفعال التي تقوم
بها الدول والجماعات في العالم على التهديدات الأمريكية للعراق يوضح
تماماً ردود أفعال قوية في بعض العواصم الغربية على المستوى الرسمي
كألمانيا وفرنسا ومترددة كروسيا ومؤيدة لأمريكا كبريطانيا وباقي الدول
الغربية أما على المستوى الجماهيري فهناك الملايين التي خرجت إلى الشوارع
للتظاهر ضد الحرب حتى في أمريكا وبريطانيا لكن مستوى رد الفعل على
المستوى العربي والإسلامي رسمياً وجماهيرياً كان باهتاً إلى حد بعيد في
أحسن الأحوال ومتآمراً في بعضها . فلماذا يا ترى هذه المواقف من قبل
العرب والمسلمين تجاه العراق . هل الغرب أحرص على العراق من العرب
والمسلمين ، هل جاك شيراك الذي دعا الزعماء العرب إلى إبداء بعض القوة في
معارضتهم أحرص على مصلحة العراق من الزعماء العرب . هل الشعوب الغربية
التي خرجت بالملايين متظاهرة ضد الحرب أحرص من الجماهير العربية
والإسلامية على العراق . ولماذا هذا التواطؤ مع أمريكا من بعض الزعامات
العربية والإسلامية والصمت المخزي من البعض تجاه التهديدات الأمريكية .
على الصعيد الغربي لم تقف دولة من الدول ولا حتى المظاهرات الشعبية
المليونية تعاطفاً مع العراق نفسه ، فالدول التي ترفض الحرب كألمانيا
وفرنسا تصر على نزع سلاح العراق وهو نفس المطلب الأمريكي ،إذاً فموقفها
من العراق سيئ ولكنها ضد الحرب لأن أمريكا ستحصد نتائج الحرب لمصلحتها
فقط كما حصل في الحرب السابقة سنة 1991م ولذلك لا تريد هذه الدول الحرب
حتى لا يخضع العالم الإسلامي كله للنفوذ الأمريكي وحتى تظل لهذه الدول
بعض المصالح في المنطقة ، أما عن الشعوب الغربية فهي لم تظهر في الحقيقة
تعاطفاً مع العراق ولكنها وقفت ضد الحرب لأن هذه الشعوب سئمت ويلات
الحروب السابقة من جهة وهم من جهة أخرى يخشون الهيمنة الأمريكية وضياع
مصالحهم الاقتصادية ورفاهيتهم التي تهددها الحرب .
أما على الصعيد العربي والإسلامي ، فمن الواضح جداً أن المستوى الرسمي في الدول العربية والإسلامية قد نسي الإسلام كمبدأ ونسي مبدأ الاخوة الإسلامية ومبدأ الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين .
فهناك من الحكام من تواطأ مع أمريكا تواطؤاً كاملاً وفتح بلاده ومطاراته
وموانئه أمام الجيش الأمريكي ـ جيش التحرير الأمريكي ـ وهناك من يقف
مذعوراً يظهر أنه لا يريد الحرب على العراق بنَفس ذليل وإذن مسبق من
أمريكا طالما أنه يطالب في نفس الوقت العراق بالالتزام بتدمير أسلحته
والتعاون مع المفتشين الدوليين وهذا النوع في الحقيقة لا يختلف موقفه عن
أمريكا . وهناك جيران العراق بالذات الذين ينسبون أنفسهم للإسلام ،
موقفهم الخالي من أي حس إسلامي لن يغفره لهم التاريخ مهما تذرعوا بمصالح
موهومة آنية فلن ينسى التاريخ أبداً ابن العلقمي الذي سلم بغداد للتتار
وخان خليفة المسلمين ولن ينسى التاريخ أبداً الخواجه نصير الدين الطوسي
الذي اشتغل وزيراً لهولاكو زعيم التتار . فالمصالح المذهبية الضيقة لن
تزيد أصحابها إلا بعداً عن المسلمين وإثباتاً لكذب الانتماء إلى الإسلام
ولدعاوى الوحدة الإسلامية وكذلك أولئك الذين يراهنون على بعض المكاسب
الوطنية الضيقة على حساب المبادئ الإسلامية لن يفلحوا أبداً في إقناع
أنفسهم أنهم مسلمون ولا في إقناع شعبهم أنهم مسلمون ولا في إقناع العالم
الإسلامي أنهم مسلمون وبالتالي سيسقطون في الامتحان ، لقد كان هناك صمت
مريب لمن يدعون الانتساب إلى الإسلام تجاه الغزو الأمريكي لأفغانستان
لالتقاء مصالحهم الضيقة مع المصالح الأمريكية وتأتي قصة العراق لتجرد
هؤلاء من أي ثوب إسلامي . أما الدول الأخرى العلمانية فهي قد طرحت
المسألة بوضوح سلفاً إنها تريد مصالحها الضيقة ولا تفكر لا في الإسلام
ولا في المسلمين وإذا كانت هذه الدول لا تهتم بالإسلام في بلادها فكيف
تهتم به في بلاد غيرها من الدول الإسلامية .
إن الوقوف مع العراق بغض النظر عن النظام الفاسد الذي يحكمه ضد الولايات
المتحدة الأمريكية يشكل واجباً شرعياً في مناصرة المسلمين ضد الكفار .
وكذلك يشكل واجباً وطنياً لأن أمريكا لا تهدد العراق فقط ولكن تهدد
العالم الإسلامي كله وقد قالها كولن باول بوضوح " إن احتلال العراق
سيمكنا من إعادة تقسيم الشرق الأوسط وفق المصالح الأمريكية " وإن الذي
يظن أنه بالصمت المتواطئ سيكف شر أمريكا عنه فهو واهم وخاسر فأمريكا
تحارب لنفسها ولأهدافها ومصالحها فقط . ولكن يبدو أن البعض من هؤلاء
الزعماء ربط نفسه بأمريكا تماماً واعتبر نفسه من ضمن المصالح الأمريكية
لأنها الحصان الرابح فهؤلاء أيضاً خاسرون في الدنيا والآخرة فأمريكا
زائلة وعقاب الله لا مفر منه .
أما أولئك الذين يسمون أنفسهم بالمعارضة العراقية فقد فقدوا مصداقيتهم
سلفاً حين لجأوا إلى أمريكا للخلاص من صدام حسين وهل ستكون أمريكا
في يوم من الأيام خيراً من صدام حسين . مع تسليمنا بكل ما يقال عن صدام
حسين فإن النظام العميل الذي ستقيمه أمريكا لن يكون إلا أسوأ فأمريكا ليس
عندها خير لتعطيه لنا وكل ما يهمها هو مصالحها ونهب ثرواتنا ، ومن
المعارضين المتناقضين فيما بينهم من يقول إنه يريد دولة إسلامية هؤلاء
حالمون فأمريكا لا يمكن بحال أن ترضى بدولة إسلامية ، ومنهم من يريد دولة
عرقية وأمريكا أيضاً لن تنفعهم إلى بمقدار ما يحققون مصالحها وما سيتبقى
لهم بعد هذا المصالح أقل بكثير مما يعطيهم فعلاً صدام حسين ، أما أولئك
الذين يريدون الملكية وإرجاعها فهل الملكيات في الوطن العربي أصلح من
صدام حسين . إن المعارضة الحقيقية هي التي تنبع من ضمير الشعب وتجبر صدام
حسين وجماعته على التخلي عن الحكم أما إذا جاءت هذه المعارضة إلى الحكم
عن طريق أمريكا فلن تكون إلا عدوة للشعب العراقي ولن تقبل بها أمريكا إلا
عدوة للشعب العراقي . أمريكا لا تقبل بالديمقراطية في البلاد العربية
والإسلامية لأن الديمقراطية ستأتي بقيادة تعمل لصالح الشعب وغالباً ستكون
هذه القيادة إسلامية ومصالح أمريكا لا تتمشى مع مصالح الشعوب الإسلامية
ولا مع دولة إسلامية وهكذا ستقف أمريكا ضد كل نظام حكم نظيف في أي بلد
عربي أو إسلامي ويكفي أن نعرف أن أمريكا هي التي تدعم كل الاستبداديين في
العالم العربي والإسلامي وتسند أنظمتهم الحاكمة . لأنهم يحققون مصالحها
التي ترتكز على ركيزتين الأولى محاربة كل ما هو إسلامي أو من شأنه إن
يقود إلى نهضة المسلمين ، الثانية هي السيطرة على ثروات البلاد العربية
والإسلامية ، الأولى تنزع الهوية عن الأمة وتمسخ شخصيتها والثانية
تفقدها إمكانياتها وهكذا تظل أمريكا مسيطرة على المنطقة.
وهكذا فكل من يقف اليوم مع أمريكا فهو خاسر خاسر خاسر وإن تعلق بمصالح أنانية عاجلة . لأن أمريكا كالشيطان حين قال للإنسان اكفر فلما كفر تبرأ منه . فأمريكا هي شر الشياطين على الأرض وكل من تحالف مع الشيطان فهو فاشل وزائل .
ولن يبقى إلا من يعمل خالصاً لوجه الله والعاقبة للمتقين حتماً " إن الله لا يصلح عمل المفسدين ".
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع