استعينوا بالله واصبروا

استعينوا بالله واصبروا

د. إبراهيم المقادمة
2003-02-20

القصص القرآني على ما فيه من متعة لم يسق للتسلية والاستمتاع فقط بل ربما كان هذا آخر ما يراد من ذلك وإنما الهدف الرئيس من ذلك العبرة والاتعاظ والاستفادة في حياتنا الإيمانية والحركية…

القصص القرآني على ما فيه من متعة لم يسق للتسلية والاستمتاع فقط بل ربما كان هذا آخر ما يراد من ذلك وإنما الهدف الرئيس من ذلك العبرة والاتعاظ والاستفادة في حياتنا الإيمانية والحركية يقول الله عز وجل " لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ " ، ولقد ذكرت قصة فرعون في القرآن بشكل ملفت للنظر لما فيها من عبر كثيرة لان نموذج فرعون نموذج فريد في الكفر والطغيان والجبروت والاغترار بالقوة والملك والسلطان ، وهذا النموذج يتكرر كثيراً عبر العصور و لا يعتبر الفراعين الجدد بمصير فرعون الأول ولكن على المؤمنين دوماً أن يعتبروا بقصة موسى والذين آمنوا معه . ونتناول اليوم جانباً من قصة فرعون تنطبق على واقعنا إلى حد بعيد فالطغيان هو الطغيان سواء كان يركب حصاناً أو يركب طائرة أف 16 ، والصمود في وجه الباطل سنة تاريخية سنها لنا أنبياء الله الكرام وأولياؤه الصالحون .

بعد الهزيمة الساحقة لفرعون أمام سيدنا موسى عليه السلام آمن السحرة فصعق فرعون وبدأ يتهدد ويتوعد " قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَـذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ .لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ . قَالُواْ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ . وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ". يستخدم الطاغية جبروته ضد المؤمنين فيتحدى هؤلاء الباطل معتمدين على الله وحده فلا يلجأون إلى سواه وماذا يطلبون في وجه هذا البطش يطلبون من الله أن يصبرهم وأن يتوفاهم على الإسلام لأن هذه الدنيا الفانية لا تساوي شيئاً أمام الوفاة على الإسلام ونيل الدرجات العليا في الجنان . هذا أول الدروس العظيمة ولكن الطاغية لا يقف وحده فحوله زبانية يزينون له الباطل ويؤزونه أزاً . " وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ  " . فهؤلاء الحاشية المجرمون يذكرون فرعون بما يكون قد نسي ويذكرونه بالخطر الذي يتهدده إنه إذا قتل السحرة وترك موسى وقومه فإن هؤلاء سيقوى أمرهم ويشتد بعد أن رأى الناس آيات النبوة والمعجزات الباهرة فقالوا بكل وقاحة متهمين موسى وقومه أنهم سيفسدون في الأرض ،  تماماً كما قال فرعون من قبل " إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ " ، إنها نفس حجة الفراعين والطواغيت في كل زمان فأهل الحق عند الطواغيت يريدون أن يفسدوا في الأرض وهل تُهم الإرهاب التي يحاول طواغيت العصر إلصاقها بأبناء الإسلام إلا نفس الموال القديم الذي عزف عليه فرعون وملؤه . ولكن الحقيقة غير ذلك ،  إنهم يخشون  على مكانتهم ومصالحهم " وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ  " يعني أن الناس سينفضون من حولك وتبقى مع آلهتك وحيداً لا وزن لك ولا قيمة . وهذه في الحقيقة مشكلة الباطل في كل زمان إنه يخشى على نفسه ومصالحه ويحاول أن يغلف طمعه وأنانيته بالأكاذيب وادعاءات أخلاقية كاذبة . مثل أمريكا اليوم التي تريد أن تخلص العالم من إرهاب المسلمين لتسود عدالتها الأمريكية في العالم بإبادة آلاف الأطفال والنساء واستغلال ثروات البشر واستعبادهم .

يذكر الزبانية ذلك لفرعون فيطمئنهم فرعون إلى أنه يقظ ولا تخفى عليه هذه الأمور وأنه قد أعد العدة لذلك مسبقاً " سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَاءهُمْ " يريد فرعون أن يقتل الأولاد الذكور ويستبقي النساء أحياء حتى لا يقوى بنو إسرائيل على المقاومة وتضعف حيلتهم ويستغل هو النساء في العمل سخرة له ولقومه . إنه لم يفكر في إبادة الجميع ليس إنسانية منه ولكن حفظاً لليد العاملة الرخيصة التي تخدمه بلا مقابل . ويبدو أن منطق فراعين العصر بوش وشارون لا يبتعد عن ذلك كثيراً بل فاقوه فقنابلهم لا تفرق عندما تقتل الأطفال بين الذكور والإناث . ويبدو أن منجزات الحضارة الحديثة فاقت إمكانيات فرعون على الإبادة .

" وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ  " هذا هو بيت القصيد ففرعون يريد أن يستمر قهره لبني إسرائيل وهو الهدف الحقيقي . وبوش وشارون اليوم هدفهم الحقيقي هو القهر والسيطرة ليس إلا فأي خطر يشكل العراق على أمريكا حتى لو كان عنده مائة قنبلة نووية .

بوش يتهدد العراق ويتهدد كل ما هو إسلامي في العالم باسم مكافحة الإرهاب وشارون يتهدد باجتياح قطاع غزة وسحق المقاومين باسم مكافحة الإرهاب نفس الفراعنة ونفس الحجة . فماذا سيكون موقفنا في مواجهة الفراعنة الجدد ؟.

" قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ  " ثلاث حقائق مهمة

الاولى . هذا هو موقف المؤمنين الحق في مواجهة الجبروت والطغيان الله أقوى من فرعون ومن كل الفراعين ، أقوى من أساطيلهم وأقوى من قنابلهم النووية وأقوى من سفنهم الفضائية واصبروا أيها المؤمنون حتى يتنزل عليكم نصر الله ، فالله لا يعمل عندكم ولكنكم أنتم العاملون عند الله فعليكم بالصبر حتى يأتيكم الأجر والنصر بإذن الله ، متى سيكون ؟ علم ذلك عند الله فهو المتصرف بكل شئ .

أما الحقيقة الثانية فهي أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده وليست لفرعون ولا لبوش ولا لشارون ولكنها لله وحده يورثها من يشاء من عباده فيتداولها الناس وفق سنن وضعها الله عنده لن تجدوا لها تحويلاً ولا تبديلاً فإن أخذتم بالسنن كانت لكم وإن تخليتم عن هذه السنن كانت لغيركم .

ولكن الحقيقة الثالثة العاقبة للمتقين النهاية حتماً ستكون للمتقين فعليهم أن يصبروا ويحافظوا على حقهم .

هذا هو الموقف الذي يجب علينا اتخاذه في مواجهة تهديد شارون وإرهابه ومواجهة بوش وأساطيله  " اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ " وثق بها المؤمنون فجاءهم النصر من حيث لا يحتسبون ، اغرق الله فرعون وجنوده فكانوا عبرة لمن يعتبر " فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ " على المؤمنين الصادقين أن يثقوا بنصر الله لهم رغم موازين القوة المختلة لصالح أعدائهم في الظاهر فإن قوة الله معهم ترجح كل كفة وما حرائق استراليا وسقوط المكوك كولومبيا إلا مقدمات صغيرة لجبروت الله عز وجل

جبروته فوق الذين يغرهم****جبروتهم في برهم والأبحر

ولكن دون شك سنجد المثبطين والمشككين بإمكانية النصر والمرجفين الذين يخوفوننا ببطش شارون وأن أسلحتكم البسيطة لن تجدي نفعاً في مواجهته رغم كل الحقائق الناصعة التي تبين أن تأثير ا لمقاومة على شارون وقومه أسوأ ألف مرة مما هي علينا .هذه الظاهرة ظاهرة المرجفين ليست جديدة ففي بني إسرائيل حين كانوا مع موسى عليه السلام كان المرجفون " قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا " وكأني بهؤلاء المرجفين يقولون لنا نفس المقولة اليوم ،  صفاقة هؤلاء مع نبيهم تتكرر فأنكروا فضل نبيهم وادعوا أنه لم ينصرهم لأن الأذى كان قبل أن يأتيهم النبي واستمر حتى بعد مجيئه وعلتهم أنهم لم يصبروا حتى يروا النتائج .

" قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ " إن الله سيهلك عدوكم ولكن متى ؟ حين ترجعون إلى دينكم ويعلم الله منكم أنه إذا نصركم فإنكم ستقيمون دين الله في الأرض فلا تستبدلوا فساداً بفساد من نوع آخر وطالما  لم تتمحصوا وتؤمنوا فإن النصر سيتأخر لأنكم ببساطة لا تستحقونه .

ونحن في الحركة الإسلامية اليوم ليس أمامنا إلا الاستعانة بالله والصبر على مقاومة الأعداء مهما طال الزمن وعظمت التضحيات وعلينا الإعراض عن هؤلاء المرجفين فإنهم لن يسكتوا إلا حين يأتي نصر الله عز وجل وما هو ببعيد بإذن الله . * هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع

جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026