كل عام وأنت بألف خير يا بيسان كنت أجلس معه في الفورة وأستمع إليه بكل حواسي وجوارحي حول محطات حياته وعمله مع الشهيد عماد عقل الذي اتخذ من الخليل محطة عمل وانطلاق لتفعيل العمل المقاوم…
كل عام وأنتِ بألف خير يا بيسان
كنت أجلس معه في الفورة وأستمع إليه بكل حواسي وجوارحي حول محطات حياته وعمله مع الشهيد عماد عقل الذي اتخذ من الخليل محطة عمل وانطلاق لتفعيل العمل المقاوم في الضفة وقادنا الحديث عن مرات وظروف اعتقاله والتحقيق معه وسنوات سجنه ومطاردته وهدم منزله ومحاولات اغتياله واعتقاله من قبل سلطات الاحتلال وما تعرض له من اعتقال وشبح وإذلال وامتهان لكرامته في سجون السلطة وعلى أيدي ذوي القربى وتحدث لي عن ابنته بيسان ومتى قالت له بابا لأول مرة والظروف التي قالتها فيها ، وللعلم أن ابنتي بيسان تصغر ابنته بيسان بحوالي سنة ، فسالت دموعي غزيرة ، هكذا أنا لا أتحمل المواقف والمشاهد العاطفية والإنسانية ، وحتى لا يراني ولا يلاحظني أحدٌ من المجاهدين تركت محدثي المجاهد طلب أبو سنينة " أبا عبيدة " من غير شعور وقصد وأسرعت إلى الزنزانة وألقيت بنفسي على البرش وأخذت مشاهد المجاهدين المعذبين والمعتقلين في أقبية التحقيق تمر أمامي ، وأخذت صرخاتهم واستغاثاتهم تثير مشاعري وسخطي فبكيت بكاءً مراً لبكائهم وعلى الحال الذي وصلت إليه الحريات العامة وعمليات القمع والإذلال وامتهان الكرامة الإنسانية التي سفحت في مقرات الأجهزة الأمنية ، وكيف لا أبكي وأنا الذي اكتوى بنار تعذيبهم ووحشيتهم ، فما تعرضت له من تعذيب وتعليق في جنين وأريحا وبيتونيا حيث كنت أول معتقل سياسي يدخل بيتونيا يوم افتتاحه في العام 2000م وأسفت وحزنت وتألمت لما يحصل .
ولما كان هذا اليوم ذكرى ميلاد ابنته بيسان فقد استأذنت الأسير المجاهد طلب أبو سنينة أن أكتب لبيسان هذه الرسالة نيابة عنه وبقلمي في ذكرى ميلادها الرابع عشر فجاءت الرسالة : الحمد لله وكفى ، والصلاة والسلام على الحبيب المصطفى وبعد ..
ابنتي .. حبيبتي بيسان حفظك الله برعايته ، وأسعد الله أوقاتكِ بكل خير .. سلام الله عليكِ ورحمته وبركاته .. سلام أزكى من العبير ..
حبيبتي وغاليتي بيسان .. وكلي أمل أن تصلكِ رسالتي وتلامس شغاف قلبكِ ..فكثيراً ما كتبت ، وكثيراً ما تذكرتكِ ، وكثيراً ما تساقطت دموعي على أوراقي ، وكثيراً ما كتبت بدموعي ، دموع الفرح ودموع الألم والحزن والحسرة والفراق ، وما أكثر الأحبة الذين ابتعدت عنهم أو الذين ارتحلوا إلى عالم الآخرة ، وكانت لي معهم ذكريات عشت معهم حلو الأيام ومرها ، عشنا المحن والابتلاءات .. ساعات وأيام مواقف مشاهد غاية في الصعوبة حيث المطاردة العصيبة والاستهداف من القوات الإسرائيلية .
لقد جاء الثامن عشر من كانون أول / ديسمبر هذا اليوم الذي أبصرتِ فيه النور من العام ألف وتسعمائة وخمسة وتسعين وها أنا أرسف بقيودي وأربض خلف القضبان مع أعدادٍ من المجاهدين الأطهار ، وقد جاءت ذكرى ميلادك العزيزة عليَّ ، وأخذ شريط صورك وذكرياتكِ يمر مع المشاهد والمواقف ، بكيت من داخلي بقلب مكلوم ، تذكرت حبيبتي .. تذكرت غاليتي ، تذكرتك يا بيسان ، فقد عادت بي الذكريات وحملتني إلى ماضٍ بعيد ، بل بعيد جداً .. أتعرفين يا فلذة كبدي ، لقد كنت يومها لم أتجاوز السابعة من العمر عندما قررت بداخلي أن يكون اسم ابنتي الأولى بيسان ، لقد جاء ذلك عندما زرت تلك المدينة الفلسطينية المحتلة والتي هُجِّر منها أهلها قسراً عام 1948 ، لقد أحببت بيسان هذه المدينة الفلسطينية التي تقع في الشمال من فلسطين التاريخية بالقرب من بحيرة ومدينة طبرية وليست ببعيدة عن الحدود الأردنية والجولان السورية ، بيسان يا ابنتي هي مدينة النخيل .. المدينة التي لا تزال شامخة بشموخ نخيلها ، وهي التي لا زالت تعبق أراضيها بدماء شهداء معركة جنين ، لقد أحببت بيسان صغيراً ، لذلك اخترت هذا الاسم لكِ يا أعز مخلوقة عندي في هذه الدنيا الفانية وتمرُّ الأيام وتكبر سني ويكون النصيب وأقترن بأمكِ الحبيبة ويمنُّ الله علينا ويكرمنا ويرزقنا بطفلة رائعة بروعة بيسان ونخيلها وأرضها المباركة وذكرياتها العطرة ، ويتحقق ذلك الحلم الذي راودني وأنا طفل صغير ، فكم كانت فرحتي يا بيسان يوم ميلادك ، حمدت الله وسجدت له شكراً على تحقيق أمنيتي ، يومها قالت جدتك رزقتها أحسن منها ، فكان ردي السريع والله إن ظفرها أحسن وأغلى عندي من الدنيا كلها ، ولا زلت أقولها فأنتِ يا بابا أثمن وأغلى من كنوز الأرض كلها .. أنتِ روحي التي تسري في جسدي .. أنتِ عمري كله .. أنتِ حبيبتي .. وتمر الأيام وتسير بطيئة وسريعة وتسجل ذكرياتي مع طفولتكِ وتكبر بيسان ويكبر معها حلمي ، وتكبر فرحتي بكِ ومعكِ يا عمري كله ، وكما كانت فرحتي بقدومكِ ، كان الاحتلال ينغص عليَّ تلك الفرحة ، فهيهات هيهات أن تدوم هذه الفرحة ، فالاحتلال الذي اغتصب فلسطين التاريخية ما كان له أن يترك الشعب الفلسطيني بحاله وفرحته ، فلم تكتمل فرحتي بكِ ، ولم تدم ، إنه الاحتلال الجاثم فوق أرضنا وعلى صدور شعبنا هو من سلب وسرق مني تلك الفرحة ، لم يمضِ يومها إلاَّ شهر واحد على مولدك حتى جاء اعتقالي ومن ثمَّ اقتيادي إلى أقبية التحقيق في عسقلان حيث بدأت رحلة الآلام مع التحقيق والتعذيب والتنقل بين السجون ، عسقلان ، شطة ، السبع ، نفحة ، مقرات قهر وإذلال لكل المناضلين والمجاهدين من أبناء الشعب الفلسطيني حيث يحاول الاحتلال أن يكسر إرادة الأسرى وينتزع من قلوبهم حب فلسطين والأقصى ، ويحطم معنوياتهم ويقتل الروح الوطنية في نفوسهم ، لقد بدأت معها رحلتكِ ورحلة أمكِ أيضاً مع هذه المعاناة ، عرفتِ أسماء السجون قبل أن تتعرفي على مدينة خليل الرحمن والحرم الإبراهيمي الشريف ، وتمر السنون طويلة متباطئة ، ثقيلة بثقل قيود الاعتقال والسجن وآلامه إلى أن يأذن الله بالفرج بعد سنوات من الصبر والاحتساب ، كان لكِ ولأمك الحبيبة نصيب من هذا الأجر ، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال "يؤجر المرء رغم أنفه " ، لقد عشتِ أربعة أعوام بعيدة عن حضني ، محرومة من حناني ، محرومة من حياة الأبوة التي ينعم بها الآخرون من الأطفال ، بعد أربعة أعوام كبرتِ ولم تكن المفاجأة لي أنكِ لم تقبلي أن تبقي معي أو تجلسي في حضني ، ولكن كانت الصدمة الكبرى لي عندما رفضتِ أن تناديني بكلمة بابا ، لقد اختنقت .. لقد احترقت .. ترقرقت الدموع في عيني ، حاولت حبسها ، فالتهبت عيناي حمرة ، فاحترقت وتمزقت من داخلي ، لقد باءت يومها كل محاولاتي بالفشل لإقناعك بذلك ، وكنتِ تردين وتقولين " بعرفش أقولها " ، وتمر الأيام وأحاول الاستعانة بأصحابي وبناتهم من أترابك حيث يجلسن في أحضان أبائهن وينادينهم بابا ويطلبن منكِ فعل ذلك مثلهن فترفضين وتصرين " بعرفش " ، ومرة أخرى يوضع اسمي على قائمة المطلوبين لفرقة الموت الإسرائيلية ، فكان لكِ نصيب كبير من المعاناة والمطاردة وما يرافقها من أخطار ، كما كان ذلك يوم كنت أنقل من سجن إلى سجن وأنت تتابعيني وتلا قيني مع والدتك ، وها هي الأقدار تكتب لنا أن نعيش حياة محنة أخرى ، تذكرين يا بيسان ، كم سرنا وتنقلنا في جنح الظلام ، والليل البهيم بعيداً عن عيون الاحتلال وعملائه ونحن نبحث عن مكان آمنٍ يؤوينا لتلك الليلة أو ما تبقى من تلك الليلة ، وكم من المرات أنزلتك وماما من السيارة بسرعة عندما كنا نشعر بحركات وصوت طائرة الزنانة أو الأباتشي في السماء وكم من المرات عشتِ معي حياة الخوف والرعب في ليالي الاجتياح وقصف البيوت التي كان يفوح منها رائحة الموت ، تذكرين يا بيسان يوم تم قصف وهدم منزلنا ، سالت دموعكِ بكيتِ بمرارة على ألعابكِ وغرفة نومك ، لقد نجوتُ يا بيسان من الموت مراراً ومع كل مرة كنت أرى فيها الموت لم يشفع لي عندك كي تناديني بكلمة بابا ، وظل الحلم يراودني ، وأصبحت أمنيتي في الحياة وقبل أن أرتقي إلى الله شهيداً أن أسمع منكِ كلمة بابا ، لقد كنت أتمزق يا بيسان ، لماذا ضننت عليَّ بها ، لماذا حرمتيني أن أسمعها .. لم أبكِ عندما أطلب منكِ ذلك ويأتي ردك " بعرفش أقولها " بالرغم من أن البكاء يشفي أحياناً ويخفف أحياناً كثيرة ، فكم من المرات غالبت دموعي وحرمتها من أن تعبر عن نفسها ، ابنتي التي حرمني الاحتلال أن أعيش معها طفولتها وأن تكبر في حضني ، وأن تناديني بابا ، فهل كان معكِ العذر وأنتِ التي حرمكِ الاحتلال أن تكبري في حضن أبيكِ ، لم تشربي من حناني يا بيسان فهل أبكي حياتي ؟ ، هل أبكي مرَّ السنين ، هل أبكي مرَّ العمر ، لأنني لم أحظ بضمكِ إلى صدري كما هو حال كل الآباء ، فإما مغيباً خلف القضبان أو مطارداً ، يحرقني البكاء يا بيسان ولولا أني أفر إلى الله .. أفر إلى إله الكون .. إلى رب العزة .. إلى رب السماء ألتمس عنده الصبر وأرجوه لمنحني العزاء وإلا تفجرت من البكاء ، وبالرغم من أن رقرقة الدموع في عيني كانت تفضح تلك النار المشتعلة في قلبي وما يختلج من صدري .. فلك الحمد يارب العرش العظيم يا ربي.
وهكذا كنت مستهدفاً من قبل الاحتلال .. هدم منزلي .. فشل الاحتلال في قتلي .. هذا الاحتلال الذي زرع الخوف في نفوس أطفال شعبنا ، هذا الاحتلال الذي حرمني من أن أسمع كلمة بابا من حبيبتي .. من ابنتي .. من فلذة كبدي بيسان ، وها أنا وفي أي لحظة في موعد مع الشهادة لأنني أرفض الاستسلام للاحتلال وتسليم نفسي ، فلا نامت أعين الجبناء يا بيسان ، أرفض أن أكون في السجن من طوع نفسي ومحض إرادتي ، أفضل الارتقاء إلى علياء المجد والخلود لأعيش الحياة التي يتمناها المجاهدون ، حيث الأنبياء والصديقون والشهداء وحسن أولئك رفيقا ، ولكن لي أمنية أن أسمع منك يا بيسان كلمة بابا قبل أن أرحل من الدنيا إلى الفردوس الأعلى من الجنة .
لم أكن أعلم أن تلك اللحظة سيكرمني بها الله عز وجل صاحب المنة والفضل ، تذكرين يا بيسان ذلك اليوم الذي لم يكن كأي يوم لا في حياتكِ ولا في حياتي ولا حياة العائلة ، أتذكرين يوم كنت في الطريق لإيصالكم إلى بيت جدكم يومها ما أن وصلنا أمام المنزل حتى انهمر علينا الرصاص من كل حدب وصوب ، حاولت تجنب زخات الرصاص المنطلقة من فوهات بنادق الوحدات الخاصة و فرق الموت التي كانت متخفية بلباس مدني وعربي ، يومها قدر الله كان أسبق إليَّ ، أصابتني رصاصات حقدهم وسقطت على الأرض مدرجاً بدمائي أمام عينيك ، وأزيز الرصاص ورائحة البارود والدم والموت تملأ المكان وبينما كنت أتلفظ وانطق الشهادتين جاءتني البشرى حيث سمعت صوتاً باكياً وقد غطى على صوت أزيز رصاصهم ، سمعت ابنتي .. حبيبتي .. فلذة كبدي وبأعلى صوتها تصرخ بابا .. بابا .. بابا .. قتلوا بابا قتلوا بابا .. قتلوا باباااااااااااااا ، نعم لقد كان صوتك يومها أقوى وأعلى من أزيز رصاصهم ومن هدير دباباتهم ، نعم سمعتها منكِ يا بيسان لأول مرة ، نسيت الموت ، نسيت الدماء النازفة ، نسيت أن هناك أزيز رصاص .. لقد غطى صوتك على كل المشهد ، يومها وبحمد الله وفضله تحققت أمنيتي ، نعم وأخيراً سمعتها منكِ يا بيسان ، لقد شنفتِ بصرخة بابا أذني ..
والآن سأمضي إلى الله عز وجل وقد تحققت أمنيتي ، لقد ابتسمت يومها يا بيسان وأغمضت عينيّ .. أتذكرين ذلك المشهد وأنا ملقى في بحيرة من الدماء .. ابتسمت .. ولماذا لا أبتسم وها أنا في طريقي إلى المجاهد الشهيد عماد عقل رفيق دربي وتوأم روحي الذي سبقني إلى الفردوس الأعلى .. الآن سأمضي إلى الله بنفس راضية مرضية ، هناك إلى جوار الحبيب المصطفى ، لقد غبت يومها بعد ذلك عن الوعي بعد أن فقدت تلك الكميات الكبيرة من الدماء ، لقد فتحت عينيّ وكتبت لي الحياة مرة أخرى ، وجدت نفسي في إحدى المستشفيات ولتبدأ دورة جديدة من التحقيق الصعب تحت التهديد بالضغط على الجرح وحرمان تقديم العلاجات اللازمة ، هذا هو الاحتلال يا بيسان بساديته ، بجرائمه .. وأمضي بعدها إلى بطن الحوت ، إلى ظلمة السجن ، إلى مقابر ومدافن الأحياء ، وعلى مدار سنوات تلك السجنة لم يُسمح لكِ ولأمكِ من زيارتي وحيث تماثلت إلى الشفاء وهكذا عشت سنوات السجن العجاف ولم يسمح لأحدٍ بزيارتي بدعوى وتحت ذرائع وحجج أمنية واهية .
ويفرج عني وتكبرين يا بيسان حيث نتعرض لمحنة أخرى ولكن هذه المرة بمشاهد جديدة وبطعم جديد ، حيث الذي يلاحقني هذه المرة يا بيسان ليسوا الاحتلال بجنوده ووحداته الخاصة وفرق موته ، إنهم أبناء جلدتنا ، إنهم أبناء السلطة الفلسطينية من حركة التحرر الوطني الفلسطيني " فتح " إنهم من عاشوا معي وجمعني بهم ألم القيد في سجون الاحتلال ، لقد عانينا معاً ظلم وبطش وقهر السجان الإسرائيلي ، أتذكرين يا بيسان عندما داهمت عناصر الأمن الفلسطيني المنزل الذي نسكن فيه ، يومها نهضت مسرعاً لأنجو من الاعتقال ، كان الليل يومها يخيم على المنطقة ، فزوار الليل يا بيسان هم اليوم من أبناء السلطة الفلسطينية ، أبناء شعبنا الفلسطيني تحديداً غالبيتهم من أبناء فتح أو المتعاطفين مع فتح ، لقد تبدلت الأدوار وتغيرت ، لقد أسندت المهام الأمنية إلى السلطة الفلسطينية يا بيسان ، لقد سمعتك يومها تضحكين وأنا أستعد للإفلات من قبضتهم وتقولين لي " شو خايف من السلطة " وبدك تترك البيت كمان مرة ؟! ،معاك حق بابا ، لقد تعودت أن أتركه بسبب الاحتلال الإسرائيلي ولكن أن يداهم البيوت وينتهك حرماتها ويروع الأطفال هذه المرة هم من ذوي القربى ، لم تعهدي ذلك من قبل ، ويبدو لك أمراً عجيباً وغريباً أليس كذلك يا بيسان .. آآآخ ياااااا ابنتي ، يا حبيبتي .. ياااا بيسان .
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ** على النفس من وقع الحسام المهند
كم هو صعب ظلم أبناء الجلدة وخاصة عندما يأتي ممن عاشوا معك ألم القيد ، وظلم السجن وقهر السجان عند الاحتلال ، لقد علقوني يا بيسان على باب الزنزانة كما تعلق الشاة المذبوحة ، حيث قيدوا يدّي إلى الخلف وشدوا القيد وأوثقوه وأخذوا يرفعون يديّ حتى انتصبت إلى أعلى ، وعندما تقوس ظهري ربطوا ذلك في باب الزنزانة ، هذه وطنية الثوار الجدد ، وهذه أفعال وممارسات حماة المشروع الوطني ، هؤلاء هم من تقطر قلوبهم حقداً أكثر من جنود الاحتلال مع الأسف الشديد وهنا لا أريد أن أقول لكِ أن السموم التي تنفث منهم أشد فتكاً من تلك الأفاعي الأكثر سماً ، لقد دار حديثٌ بيني وبين أحدهم عندما وضعوني في زنزانة لا فرشة فيها ولا غطاء ، الأرض هي الفراش ، وسقف الزنزانة هي الغطاء ، لقد كان البرد قارساً والساعة تقترب من منتصف الليل ، فجمعت بعضي في إحدى زوايا الزنزانة وبدأت أسناني تطقطق ومن ثم تصطك من شدة البرد ، لقد طلبت مرات عديدة أن يحضروا لي فرشة وغطاء لكن الجواب بعد أكثر من عشرة محاولات ، التعليمات ممنوع ، نعم ممنوع يا بيسان على ابن حماس أن يزود بفراش وبطانية ، ممنوع حتى في أسوأ الأحوال وأشدها برودة ، لقد كان صوتك يرن في أذني وأنا أحاول الإفلات منهم وقبل أن أقع في كمينهم " شو خايف من السلطة " ! , وبعد منتصف الليل حضر مدير التحقيق وخاطبني من تلك الفتحة الصغيرة في باب الزنزانة ، صباح الخير يا طلب حضرت إلى المكتب قبل نصف ساعة ووجدت ملفك على الطاولة ، وعندما وجدت أنك أمضيت أكثر من عشرة أعوام في سجون الاحتلال تألمت وتأثرت جداً حيث لا يمكن لنا أن نعتقل المناضلين والشرفاء ، عندها نسيت البرد ونهضت واقفاً في ذلك الصباح حيث توسمت بالمدير خيراً ، وحمدت الله رب العالمين ، هذا إنسان مناضل سيفهمني لأنه يقدر النضال ويعز عليه اعتقال المناضلين ، الحمد والشكر لكَ يارب ، الذين سبقوه لم يتفهموا وضعي وحالتي ، يبدو أنهم لم يتعرضوا للاعتقال عند الاحتلال ولم يمروا بتجربة ألم القيد ومعاناة السجن ، ولم يشموا الغاز أيام الاستنفارات والقمعات ، لقد اقتحموا منزلنا وقاموا بتفتيش غرفنا يا بيسان ، لقد كال نصيبها من العبث بمحتوياتها كما هو حال كل الغرف ، لقد قلبوها رأساً على عقب ، عاثوا في المنزل فساداً حتى ألعابك يا بيسان لم تسلم من هجمتهم ، نفس الطريقة يا بيسان لا فرق بين تفتيشهم وتفتيش الاحتلال إلاّ أنهم وللأسف ينافسون الاحتلال بممارساتهم الوحشية وبمعاملاتهم السيئة للمجاهدين والمناضلين والشرفاء ، هذا قدرنا يا بيسان ، هذه هي أوسلو ، وخارطة الطريق ، هذا هو السلام الذي جلبوه لنا ، سلام أمريكي وصهيوني ، ماركة إسرائيلية مسجلة صناعة مستوطنات أيضاً ، هذا هو الأمن الذي حققه لنا سيادته ورئيس وزرائه وأجهزته الأمنية ، هذه العيون الساهرة على أمن الوطن والمواطن ، والتي تختفي من الشوارع والساحات عندما تدخل قوات الاحتلال للقيام بنشاطاتها العدوانية بحق شعبنا الفلسطيني ، إنهم يخلون لهم الطريق ، وكل ذلك ببركة التنسيق الأمني ، ما أقبح التنسيق الأمني يا بيسان ، إن العناصر الأمنية الفلسطينية تختفي وتفسح المجال ليقوم جنود الاحتلال بعدوانهم بكامل حرياتهم ، هيك التنسيق .. وهيك الاتفاقيات .." أسد عليَّ وأمام جنود الاحتلال نعامة " .
أليس ذلك أمراً مؤسفاً يا بيسان ، أليس ذلك أمراً مخزياً .. واحسرتاه لقد قاموا بكل التزاماتهم وما هو مطلوب منهم من ملاحقات واعتقالات ومصادرة أملاك خاصة وعامة واغتصاب المؤسسات المنتخبة والسيطرة على مؤسسات المجتمع المدني وقتلوا المجاهدين تحت سياط التعذيب يعني يا بيسان قاموا بالواجب وزيادة حبات مش حبة واحدة وكما يقول المثل ( على دوز ضبارة ) وبالمقابل يا بيسان فإن الاحتلال لم يقدم شيئاً بل يتنكر حتى للتفاهمات البسيطة أما السياسة والسياسيون فحدث ولا حرج هيك النشاما ، حيث أن الحياة مفاوضات والحمد لله ، أما نحن يا بيسان فالحب الذي يبقى على الطاحونة سواء طاحونة الاحتلال أو طاحونة السلطة، نفس الدور ونفس المهمة ، وفقط لأننا الشرفاء يا بيسان ، لأننا حماة الأقصى ، لأننا المجاهدون يا حبيبتي ، وعود بكِ إلى ما دار بيني وبين المناضل الكبير مدير التحقيق في الخليل ( أسماء الشخوص والأجهزة محفوظة – نريد العبر من ذلك ) ، هذا مناضل حقيقي كما هو في الظاهر وقد أمضى عشرة أعوام في سجون الاحتلال من عمره بالضبط مثلي كما طحنت سجون الاحتلال ، وقد دار الحديث بيننا عن ذكريات السجون وعن عسقلان وأقسامه جميعها ومنها 10، 11 وعن الأقسام الشرقية والأقسام الغربية ، لأنه كان في عسقلان بنفس الوقت الذي كنت فيه أنا أيضاً ، تذكرنا الفورات ، وتلك الساحة الشجرة في وسطها ، تذكرنا المطبخ ، حيث كنت يومها أعمل مردواناً ، تذكرنا أبو السكر ، أبو الناجي ( عثمان مصلح ) ، تذكرنا الشهيد ( إسماعيل أبو شنب ) والشهيد صلاح شحادة ، وكل المناضلين والمجاهدين ، حقاً يا بيسان لقد استأنست بالحديث وكدت أنسى البرد الذي يخرّ في عظامي ، وبالرغم من الجروح ، نعم أنا أتحدث إلى مناضل مثلي مثله ، هذا الإنسان الذي يمكن أن يفهمني ويتفهم احتياجاتي ، نعم يا بيسان المناضل لا يفهمه إلا مناضل ، قلت أيرضيك يا أخي أن أوضع في هذه الزنزانة دون فراش أو غطاء ، فعلى سنوات سجنك هل حرمك الاحتلال من الفرش والبطانية حتى في أيام الاستنفارات والمواجهات ، حتى في العزل الانفرادي والجماعي هذا حق لا يمكن أن يحرم منه الأسرى أجاب طبعا بـِ لا ، فسألته لماذا يرفضون تقديم العلاجات لي وأتناول أدوية يومياً وأنا المصاب بأمراض عديدة ، ولماذا يرفضون عرضي على الطبيب ، لماذا ، لماذا واسترسلت وكنت أظن أنه مختلف عن سابقيه من المناضلين الجدد .
يا أخي لماذا يعاملونني بمثل هذه الخشونة ، فأجاب بـِ لا ، وبكل برودة أعصاب تنم عن حقد دفين قال: حتى تحكي اللي عندك ، قلت له: أنا ، قال بتبجح: نعم أنتَ ، قلت له: ما في عندي حاجة ، لقد كشفت عن حقيقتك وحقد يا أخ .. فأجابني: طيب حتشوف الآن اللي عمرك ما شفته ، وكان التعليق من الباب وكلما مرَّ أحدهم علي فتح الباب لأتحرك وأدور مع الباب حيث دار ، ولكن ليت الباب لا يدور يا بيسان لأن الآلام من حركة الباب وأنا معلق به وحركتي معه قد سببت لي آلاماً شديدة خلعت يديّ ، خلعت أكتافي يا بيسان ، يتحدثون إلى وأنا معلق كما تعلق الذبيحة ، هل مررت يا بيسان بمحلات اللحوم والجزارين ، هل رأيت الذبائح معلقة بالكلاليب وهي مرفوعة عن الأرض طبعاً هكذا يعلق المجاهدون والشرفاء والمناضلون والأطهار ، بالضبط كما تعلق الذبائح إذا أردت أن تتخيلي وتشاهدي أباكِ وإخوانه المجاهدين كيف كانوا يعلقون ، ما عليكِ إلاّ أن تزوري أحد محلات بيع اللحوم وشاهدي كيف تكون الذبائح معلقة وارفعي أكف الضراعة يا بيسان أن يعجل الله ليخلصنا من الظلم والظالمين ، اللهم آمين .
وهكذا كان الشبح وكان التحقيق عند أبناء جلدتنا من الثوريين الجدد ، نعم يا بيسان أقسمت لأن أروي ، إنها أيام لم ولن تنسى ، ظلم الاحتلال مهما كبر وتعاظم يبقى الاحتلال يا بيسان ويبقى أعداء الأمة والشعب الذين يهودون الأرض ويبنون المغتصبات ويحفرون تحت الأقصى ، وأبناء جلدتنا ينسقون معهم أمنياً ويزودونهم بالمعلومات عن نشاطات المجاهدين ، إنه زمن الشقلبة يا بيسان ، تغيرت وتبدلت الأدوار والشخوص ومعاناة أبناء الحماس واحدة بل أشد وطأة لأنها تأتي من ذوي القربى .
وكما تعملين يا حبيبتي ، يا بيسان يا أغلى إنسانة عندي ، وما أن أفرج عني من عند السلطة حتى تلقفتني جنود الاحتلال وها أنا أربض خلف القضبان ، وها أنا قد مضى عليَّ عامٌ في الاعتقال الإداري ، هذا السيف المسلط على رقاب أبناء شعبنا ولا أدري متى ينتهي.
ابنتي بيسان .. حبيبتي .. يا روحي .. بمن نحتمي عندما يستأسد علينا بنو جلدتنا ، لقد استرجعت في هذا اليوم ذكرياتي معكِ فانتابتني مشاعر الشوق واللوعة لفراقكم ، حزنت على فراقك يا بيسان وأنتِ من ملكتِ عليَّ نفسي وفؤادي فيا بيسان وبعد أن عشت معك في هذه الذكريات وما رافقها من آلام فإنني أقول لكِ يا بيسان أن كل هذه الحياة لا تساوي عندي جناح بعوضة ، فعقيدتي وديني ودعوتي أولاً ثم أولاً وأمامها يهون كل شيء يا بيسان ، سواء النفس أو المال أو الولد أو جمعيهم معاً ، لقد عشت معك ومن خلال شريط صورك وذكرياتك ، لقد طار اليوم النعاس من عيني وعشت معك في ذكرى ميلادك الرابع عشر لحظات مع من أحببت وأنا الذي غيبني الاحتلال رغماً عني وقسراً خلف القضبان ، أسترجع طيف ذكرياتك وأعيش معكِ هذه الذكريات لتكون منها العبرة ولنا المحفز بأن نبقى على عهد الله وطاعته وانتظري مني يا بيسان وستكون نصائحي لابنتي وعلى الدوام نبراساً نستضيء بها الطريق إنها من وحي الإسلام ومن معين الإسلام الصافي .
وأخيراً يا حبيبتي بيسان حاولت وأنا أحتفل معكِ بذكرى ميلادك وقد بلغت من العمر أربعة عشر ربيعاً ، وبهذه الطريقة ليعلم الشعب الفلسطيني وكل الأمة وكل الأحرار ماذا يجري في سجون ومعتقلات السلطة ، ولعل هذه النبذة المختصرة أن تصل إلى تلك الآذان التي صمّها دايتون حتى لا تسمع صوت المعذبين والمقهورين من أبناء الشعب الفلسطيني الأطهار .
لقد حاولت يا بيسان أن أجمع الأشهر والأيام التي قضيناها معاً فلم أجدها تقترب حتى من الأربعة أعوام .
حبيبتي بيسان .. أرفع أكف الضراعة إلى الله من أجل وحدة شعبنا ، من أجل أن يعود الثوار والمناضلون الجدد إلى جادة الصواب وصف الشعب ، ويا رب السماء فهل قدر الأحباب أن يتفرقوا ، وهل قدر الأحباب أن يتمزقوا ، وهل قدر الشعب الفلسطيني أن ينقسم ، رفقاً بقلوب أمهات شعبنا ، رفقاً بقلب بيسان ، يارب السماء أنزل السكينة والطمأنينة على قلب بيسان وقلوب كل المكلومين والمظلومين ، يارب السماء أرضها وكل أبناء الشعب الفلسطيني بقضائك المحتوم ، امنح أبناء السلطة والأجهزة الأمنية من أبناء فتح هداك ، يا راحماً واربط بفضلك كل القلوب ، واجبر قلوباً ونفوساً أنت جابرها ، كن مع بيسان ، كن مع المعلقين في أقبية التحقيق عند السلطة والاحتلال الصهيوني ، كن مع أبناء شعبي كلهم .. رضاك .. رضاك .. رضاك .. رحمتك .. رحمتك .. رحمتك .. يارب .. رضاك ورحمتك وهداك يارب السماء تقبل الدعاء من عبدك الأسير المظلوم الذي يرسف بالقيود ورهين القيود ..
وكل عام وأنتِ بخير يا بيسان .. وسنة حلوة يا بيسان
سنة وحدة وطنية .. ومصالحة وطنية ., وتوافق وطني
وسنة تحرير أسرى المؤبدات وإنجاز الصفقة يإذن الله
وعقبال الـ 120 سنة يا بيسان
والدك : طالب أبو سنينة " أبو عبيدة "