جدول عادي إنه لمن المؤكد أن الأهداف السياسية المركزية للحرب على غزة لم تتحقق وإن الحرب فشلت في تحقيق أهدافها العسكرية بشكل مقنع وإن السقوط الأخلاقي ل إسرائيل كان مدويا وهما أمران…
إنه لمن المؤكد أن الأهداف السياسية المركزية للحرب على غزة لم تتحقق. وإن الحرب فشلت في تحقيق أهدافها العسكرية بشكل مقنع. وإن السقوط الأخلاقي لـ(إسرائيل) كان مدويا وهما أمران سنقف عندهما هنا قليلا.
1- انهيار التجريد:
لقد استهدفت الحرب تجريد حماس من قدراتها الصاروخية والعسكرية الأخرى وهو هدف مركزي لم يتحقق بوقف إطلاق النار، ومعاهدة منع تهريب السلاح التي وقعتها (ليفني ورايس) في الأيام الأخيرة من الحرب. وهنا يقول (تسفي مزال): مصر وحدها يمكنها أن تساعد في سد محور التهريب وبدون سيناء لا يحبون الحكم المصري، ويتلقون المال من حماس. لذا فمن المشكوك فيه تحقق هذا الهدف. (إسرائيل اليوم 13/1/09).
حماس في القاهرة رفضت إعطاء تعهد شفوي أو مكتوب بوقف تهريب السلاح، حماس قالت : خروج الاحتلال من الأراضي الفلسطينية المحتلة في عام 1967 يمكنه أن يحقق ما تطلبه الدول الأوروبية. المشكلة ليست في السلاح. المشكلة في الاحتلال. والعالم لم يصنع شيئاً من أجل الشعب الفلسطيني، ولم يصنع شيئاً من أجل إزالة الاحتلال.
حماس في رؤيتها الاستراتيجية ترفض دولة فلسطينية (مجردة من السلاح)، وهذه الحرب ثبتت قدرات حماس على هدم فكرة (التجريد)، وفرض الأمر الواقع على (إسرائيل) والعالم. يقول (يوفال شتاينتس) وهو أحد المهتمين بنزع سلاح حماس متخوفاً (في 12/1/2009) :" انهيار التجريد من شأنه أن يكرر نفسه بحدة أكبر بكثير في السنوات القريبة القادمة سواء في غزة أو في الضفة الغربية، إذا انسحبت (إسرائيل) منها أيضاً. (إسرائيل) ستصبح عندها دولة عديمة الحماية. من يتجاهلون انهيار (التجريد) في غزة... يراهنون على مجرد وجود الدولة".
إن انهيار فكرة (التجريد ونزع سلاح حماس) هو في الحقيقة شكل من أشكال فشل الحرب، وانتصار المقاومة في غزة، وهو خطوة مهمة لرسم معالم المستقبل في غزة والضفة، لذا انتفض (شتاينتس) محذراً من المستقبل ومن انهيار فكرة التجريد، وقيام دولة فلسطينية مسلحة.
إن الفشل الأكبر الذي منيت به (إسرائيل) في هذه الحرب، فضلاً عن الفشل الأخلاقي والدبلوماسي، هو ما قال عنه (شلومو غازيت) " إننا لا نستطيع أن ننشئ في غزة نظاماً موالياً لـ(إسرائيل) ومتعاوناً معها، نظاماً فلسطينياً يدوم زمناً طويلاً "(معاريف 12/1/2009م).
لقد هدمت حماس والمقاومة سياسة التنسيق الأمني التي اتبعتها سلطة محمود عباس مع الاحتلال ،وهدمت فكرة التبعية للإملاءات الصهيونية ، ودخلت في تحدٍ سياسي وعسكري مع الاحتلال ، وأعادت القضية الفلسطينية إلى نقطة البداية الحقيقية لها خارج إطار اتفاقية أوسلو المهينة والكارثية. وأكدت أن قيام سلطة وطنية غير موالية للاحتلال ، وبدون تنسيق أمني معه أمر ممكن، بل أمر واجب.
هذه الحرب العدوانية الصهيونية لم تحقق أهدافها السياسية، ولا أهدافها العسكرية كما يرى الكثير من الخبراء في داخل (إسرائيل) وفي خارجها ،وفي الشهادات التي تقدمت دليل وبرهان لمن يريد أن يدقق في أمر الحرب ويقيمها خارج إطار إحصاء الجثث والمواقع والمنازل المدمرة.
2- هزيمة أخلاقية:
وإذا ذهبنا إلى المستوى الأخلاقي الذي تفتخر به القيادات الإسرائيلية بوصفها دولة ديمقراطية ذات قيم غريبة، فإن الفشل أكثر وضوحا ً وأشد تأثيرا وهدماً لاستراتيجية (إسرائيل) ، وبالذات الإعلامية كما يقول (ليفنطال- وهو قائد عسكري سابق في سلاح المدفعية): "إن ما نصبوا إليه ليس البقاء فقط. وإنما البقاء كآدميين، من هذه الناحية كانت الحرب الأخيرة على غزة فشلاً ذريعاً . صحيح أننا بقينا ، وربما ردعنا ، وتفوقنا من ناحية عسكرية ، لكننا فشلنا كبشر وآدميين. " لذلك يتعين علينا أن نقول بصوت مرتفع :"هذه العملية كانت فشلاً. ليقل الخبراء العسكريون ما يشاؤون، غير أننا في هذه الحرب فقدنا إنسانيتنا. لقد قتلنا كثيرين بعلم مسبق ".
هذه الحرب المأساوية بحسب (يونيال جيفن) الذي فرق بين المأساة والمأساوي بقوله :" المأساة أن تمشي على الرصيف ويسقط عليك فجأة عمود كهرباء فيقتلك ، أما المأساوي فأن تعلم أن عمود الكهرباء سيسقط عليك وأن تتابع السير بالرغم من ذلك " و(إسرائيل) تعلم أنها ستذبح مدنيين كثيرين في غزة ومع ذلك خرجت إلى هذه الحرب الفاشلة، المأساوية (معاريف 8/1/2009م).
3- مفهوم النصر متعدد:
إن مفهوم النصر والهزيمة ليس مفهوما واحدا كما يرى بعض المتعجلين، ممن يحصرونه في التفوق العسكري ،وحجم الخسائر البشرية والمادية.أو يحصرونه زمنيا في الفترة التي تلي الحرب مباشرة والتي تحتاج عادة إلى قراءة واستخلاص عبر. أو يحصرونه في الأهداف السياسية والعسكرية التي تحققت أو لم تتحقق. إنها جميعا أمور مهمة في عملية الحساب والتقييم ولكن مفهوم النصر في حالة غزة والمقاومة أكبر من ذلك بكثير بسبب طبيعة الصراع وخروج النظام العربي الرسمي من المعركة واستسلامه لإرادة العدو، واتخاذه الاستسلام خياراً استراتيجياً مع دولة الاحتلال .
لذا فإن استبقاء جذوة المقاومة في نفوس الشعب الفلسطيني والعربي والمسلم يعد نصراً. فغزة انتصرت لأنها حافظت على خيار المقاومة ولم تستسلم ولم تتراجع ، ونظرت إلى القتلى على أنهم شهداء عند ربهم يرزقون وأنهم ضريبة واجبة لنصرة دين الله في الأرض، وإن المستقبل في عملية الصراع مع الاحتلال لا يكتبه المفاوض الفلسطيني في فندق داود في القدس أو طابا في مصر، وإنما يكتبه الشهداء بدمائهم وثبات من خلفهم على الحق ظاهرين إلى أن يأذن الله بإحدى الحسنيين النصر أو الشهادة .