تقرير الغارديان.. الجديد الذي لم يحمل جديدا

تقرير الغارديان.. الجديد الذي لم يحمل جديدا

لمى خاطر
2009-12-23

هل كان جديدا فحوى التقرير الذي نشرته صحيفة الغارديان البريطانية حول العلاقة الوطيدة بين سلطة فتح في رام الله وأجهزة ال الأمريكية ليثير صدى إعلاميا متفوقا على ذاك الذي كانت تثيره…

هل كان جديداً فحوى التقرير الذي نشرته صحيفة الغارديان البريطانية حول العلاقة الوطيدة بين سلطة فتح في رام الله وأجهزة الـ CIA الأمريكية ليثير صدى إعلامياً متفوقاً على ذاك الذي كانت تثيره تصريحات حماس الرسمية حول الأمر ذاته وما تعرضه من وثائق تبين المدى الذي وصل إليه مشروع التنسيق الأمني الذي ابتدأ منذ اتفاقية أوسلو وشكل عمادها وجوهرها وما زال مستمراً حتى الآن، بل تجاوز حدود التنسيق ووصل مرحلة الوكالة الكاملة للاحتلال في محاربة المقاومة، وهو ما عبر عنه الجنرال الأمريكي دايتون حين قال إن من أهم أهداف مشروع (الفلسطيني الجديد) الذي يشرف عليه هو أن تعمل أجهزة السلطة أكثر ليعمل الجيش الإسرائيلي أقل.

 

بطبيعة الحال فإن الجديد هذه المرة هو أن مصدراً إعلامياً غربياً تحدث عن الأمر وكشف حدود العلاقة بين سلطة رام الله والمخابرات الأمريكية لدرجة اعتباره أجهزة فتح الأمنية أذرعاً للـ CIA في حربها على (الإرهاب). وعلى كل حال فالتجاوب الإعلامي مع مثل هذه التقارير غربية المصدر ليس جديداً، وقد سبق أن وعى الكثير من المفكرين والكتاب الظروف التي أخرجت الحسم العسكري في غزة وأدت إليه وتفهموا دوافعه فقط بعد نشر مجلة (فانيتي فير) الأمريكية تقريرها حول مرحلة ما قبل الحسم حين كانت عناصر فتح تعمل ضمن مخطط صهيوأمريكي لتصفية الوجود العسكري لحماس تحت إشراف المدعو محمد دحلان.

 

وبالتالي فإن تقرير الغارديان الذي يشكل إدانة صارخة لأجهزة فتح في الضفة يحمل من جهة أخرى دليلاً إضافياً على مصداقية حماس التي يسجل لها أنها أول من كشف حقيقة الدور الوظيفي لهذه السلطة خصوصاً بعد تنامي قوة حماس العسكرية عشية انتفاضة الأقصى، ونذكر جيداً كيف كانت تقارير حماس الإعلامية وتصريحاتها وتحذيراتها حول تبعية أجهزة فتح لإرادة خارجية وتمولها من مصادر صهيونية وأمريكية تقابل بالاستخفاف تارة وبالتجاهل تارة أخرى، أو في أحسن الأحوال يتم التعامل معها كمعلومات قابلة للتشكيك على اعتبار أنها تأتي في إطار الخصومة السياسية مع حركة فتح!

 

بح صوت حماس وهي تقول إن المعضلة الفلسطينية لا تتعلق بخلاف سياسي أو صراع على النفوذ والمناصب، وإن أس البلاء هو أن القرار السياسي لسلطة رام الله مرتهن بالكامل للخارج وغير نابع من اعتبارات وطنية بالمطلق، وكانت الأدلة العملية على ذلك تتزايد مع مرور الأيام والتي بلغت ذروتها خلال أحداث غزة حين كانت عناصر أمن سلطة المقاطعة تلاحق المتضامنين مع غزة وتقمعهم بالرصاص الحي والضرب والاعتقال، ثم في أحداث قلقيلية عندما قامت بتصفية المجموعات القسامية المطلوبة للكيان الصهيوني والمتهمة بتنفيذ عدة عمليات ضده.

 

ورغم هذه الحقائق التي كانت تتحدث عن نفسها، ورغم أن سلطة المقاطعة لم تكن تبالي في المجاهرة بعملياتها الاستئصالية ضد مقاومي حماس، حتى وإن تم ذلك تحت غطاء منع حسم الضفة من قبل حماس، رغم ذلك ظلت الفصائل الفلسطينية الأخرى بلا استثناء تجبن عن الاضطلاع بالدور الوطني المطلوب منها، وكانت تلك الحجة المكذوبة التي تستخدمها السلطة لتسويغ محاربة حماس ذات فائدة لتلك الفصائل التي لم تخرج مواقفها عن نطاق دعوات الوحدة ونبذ الخلاف، وإدانة التصارع على المناصب بين حماس وفتح.

 

ولذلك فإن مسؤولية تمادي فتح في الولوغ في المحرمات الوطنية ووصولها إلى منحدر تحولت فيه إلى أذرع أمنية أمريكية يتحمل مسؤوليته كل من جبن عن قول الحقيقة في حينها، وعندما كانت إعاقة مشروع دايتون ممكنة ومتاحة لو تضافرت جهود الكل الوطني، وتم اجتراح آليات مجمع عليها تدين وتحارب التنسيق الأمني وتكشف الغطاء عن كل الضالعين فيه.

 

وحتى مع كون ما كشفته (الغارديان) يشكل فضيحة من العيار الثقيل لسلطة رام الله، فإن هناك من تعاطى في ردة فعله مع قشور التقرير وليس جوهره، بمعنى أنه أثار الجدل حول قضية التعذيب بحد ذاتها وكيف أنها مدانة في كل الأحوال وفي كل مكان سواء في الضفة أو غزة، بينما تم غض الطرف عن الحقيقة الخطيرة التي يؤكدها التقرير وهي أن جهازي المخابرات والوقائي في الضفة يعملان لصالح المخابرات الأمريكية وأن حجم النفوذ على هذين الجهازين كبير جدا بحيث يمكن اعتبارهما "سلاحا متقدما لمحاربة الارهاب ".

 

وليس بعيداً عن تقرير (الغارديان) البريطانية فثمة مقال مثير للاهتمام للكاتب الصهيوني ماتي شتاينبرغ نشرته صحيفة (هآرتس) وعلق فيه الكاتب على دراسة أعدها أسرى حماس حول فلسفة الاعتقال والتحقيق في سجون عباس – دايتون وكيفية التصدي لها، ونشرها المركز الفلسطيني للإعلام قبل مدة، وما يهم هنا ليس الملخص الذي عرضه الكاتب للدراسة بل ما أسماه بالدروس التي قام باستخلاصها بعد قراءته الدراسة، وهي إضافة إلى نجاعة محاربة سلطة الضفة لحماس، فإنه يرى أن انهيار مشروع التسوية سيهدد وجود تلك السلطة وينهي مفعولها، الأمر الذي سيمكن ثقافة المقاومة من دحر ثقافة (دايتون)، وهو ما يعني انهيار مشروع التنسيق الأمني، وهذا الانهيار سيكون أفضل بشرى لحماس ولمشروعها المقاوم.

 

هذه الدروس ليست اكتشافاً جديداً، بل هي صفعة إضافية يحتاجها بعض السفهاء الذين يستوي لديهم المقامر والمقاوم، حتى حين يصبح الأول درعاً يستخدمه العدو لمحاربة الأخير، هذه هي الحقيقة بكل جلاء وبساطة؛ وجود سلطة الضفة مرتبط بجهودها في محاربة حماس، وحماس ما زالت تحارب أمريكياً وصهيونياً لأنها الخطر الأول إن لم يكن الوحيد على مشروع الاحتلال ووجوده، والدعم المقدم لتلك السلطة يقابل إخلاصها لدورها في استهداف حماس، ولو لم يكن مشروع دايتون في الضفة ناجعاً ومهماً لأمن (إسرائيل) لما وجدت أمريكا حاجة لإضاعة وقتها ومالها في تدريب وتأهيل عناصره (الفلسطينية)..!

فالمحتلون لا يقدمون هبات مجانية لوكلائهم، ولا يدعمون أي كيان إلا بمقدار ما يسهم في خدمتهم وإطالة عمر مشروعهم.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026