احتفلت حركة حماس أمس بذكرى انطلاقتها الثانية والعشرين دون أن يغيب عنها أن القادم أصعب وأكثر خطورة مما مضى مستحضرة في ذات الوقت ظروف انطلاقتها عام حين كان الاحتلال الإسرائيلي يصول…
احتفلت حركة حماس أمس، بذكرى انطلاقتها الثانية والعشرين، دون أن يغيب عنها أن القادم أصعب وأكثر خطورة مما مضى، مستحضرة في ذات الوقت ظروف انطلاقتها عام 1987 حين كان الاحتلال الإسرائيلي يصول ويجول في أزقة مخيمات قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة، ومع ذلك تمكنت من شق طريقها غير مبالية بوعورته، مدركة أنه معبد بالتضحيات والدماء والأشلاء، وغير مفروش بالورود والبساط الأحمر والقبلات.
وعلى درب ذات الشوكة، روت الحركة خلال عقدين من الزمن مسيرتها بدماء قادتها الأوائل، ولم تبخل بالعطاء في مختلف المراحل والميادين، مثبتة بما لا يدع مجالاًَ للشك أنها المؤهلة بحق لقيادة مشروع التحرر الوطني، والمؤتمنة بصدق على الحقوق والثوابت الفلسطينية، لا لشيء سوى أنها برهنت على استعدادها لدفع ثمن الصمود والثبات في مختلف المحطات، ومن كان هذا دأبه تعجز كل الأطراف عن ابتزاز التنازلات منه، ولا تجدي معه شتى ألوان الإغراءات الزاهية، كما تفشل كافة أشكال الضغوط والتهديدات في إخضاعه لما يطلبه الآخرون، ومفاوضات الحركة العسيرة غير المباشرة مع الاحتلال حول صفقة التبادل خير مثال على ذلك، فضلاً عن كونها تعكس قدرتها على العمل في شتى الميادين.
لقد أنهكت وأرهقت حركة حماس خصومها، وما عاد أمامهم سوى السعي لإخراجها من المشهد السياسي من ذات الباب الذي دخلت منه، لذا كانت الجهود حثيثة لإبرام مصالحة تفضي لانتخابات مُعول أن ينفض خلالها الشعب الفلسطيني عن الحركة بدعوى الحصار والعدوان والانقسام، غير أن وعي المواطنين بحقائق الأمور كفيل بإفشال هذه المخططات، وإرباك مثل هذه الحسابات البعيدة عن روح الديمقراطية الحقيقية.
لا شك أن تجربة الحركة في الحكم قد شابها بعض القصور والسلبيات، وهذا أمر لا يمكن تبريره، لكنه لا ينقص بحال من الأحوال من اجتهادها في إدارة دفة الأمور في قطاع غزة على نحو حافظ على سير الحياة ولو بالحد الأدنى جراء الحصار الخانق، والمجتهد إما مصيب له أجران، وإما مخطئ له أجر واحد، وفي كلا الحالتين هي لم تتقاعس عن خدمة المواطنين، والتخفيف عنهم قدر الإمكان رغم عظم التحديات التي واجهتها.
ومع ذلك ورغم الثبات والصمود الذي أبدته الحركة في وجه مختلف أشكال الضغوط، ليس من المتوقع أن يرفع أعداؤها الراية البيضاء في الوقت الراهن، بل سيعيدون الكرة المرة تلو المرة، وبالتالي الأخطر والأصعب مازال ينتظر الحركة التي عليها مراكمة عناصر القوة والثبات، استجابة لقوله تعالى: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم.."، لاسيما أن معركة التحرير لم تزل في أوجها، ومواجهة المشروع الصهيوني ماضية إلى أن يعود كامل التراب الفلسطيني، وهذا واقع لا محالة مهما توهم المثبطون غير ذلك، خاصة أن مراجعة سريعة لتاريخ النضال الفلسطيني تشير بوضوح لمنحى صعود المقاومة، وانحسار وتراجع المشروع الصهيوني.
إن أكثر ما يزعج خصوم حماس أنها لم تتخل يوماً عن نهج المقاومة، لاسيما في ضوء الإفلاس السياسي الواضح بعد فشل مسيرة التسوية التي علقوا عليها آمالهم، ووضعوا كل (بيضهم) في سلتها، دون أن يحسبوا حساباً لخداع وغدر الاحتلال، متجاهلين تماماً أن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغيرها، ولو أن الحركة تخلت حقاً عن المقاومة -كما يزايدون عليها أحياناً- لكانوا أول من تعامل معها.
اليوم حماس حاضرة بقوة في المعادلة الفلسطينية، والمستقبل لنهجها المقاوم لا لغيره، فلا صوت يعلو فوق صوت المقاومة، وعلى صناع القرار في العالم الإقرار بهذه الحقيقة التي لم يعد هناك مجال لتجاوزها، فلا حصار خانقاً، ولا حرب مسعورة، ولا عزلة سياسية، ولا تجفيف منابع مالية، ولا غير ذلك، يمكن أن يجدي مع حركة أصلها ثابت وفرعها في السماء، لذا فاختصار الوقت أجدى من تضييعه في إهدار الإمكانيات والطاقات، وكلمة السر عند حماس الإقرار التام بحقوق الشعب الفلسطيني.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع