مفارقات على هامش صفقة الحرائر!

مفارقات على هامش صفقة الحرائر!

لمى خاطر
2009-10-05

كان يوم الجمعة يوما فلسطينيا استثنائيا ولا ريب ليس فقط كونه باكرنا بأولى قطرات عملية الوهم المتبدد ولا فقط لأنه أفاء علينا بلحظات عز لم نشهد مثلها منذ زمن بعيد ولا لأنه جعلنا نعيش…

كان يوم الجمعة 2/10/2009 يوماً فلسطينياً استثنائياً ولا ريب، ليس فقط كونه باكرنا بأولى قطرات عملية الوهم المتبدد، ولا فقط لأنه أفاء علينا بلحظات عز لم نشهد مثلها منذ زمن بعيد، ولا لأنه جعلنا نعيش حلم انكسار جبروت الاحتلال واقعاً حيا، بل لأن هذا اليوم لخص الحكاية الفلسطينية بكل أبعادها وأظهر حقيقة ومعدن كل من يدعي وصلاً بقضية التحرر الفلسطيني.

رغم قسوة المشهد، إلا أن لم يكن عبثاً أن تهيئ الأقدار بروز حدثين فلسطينيين متناقضين ومتوازيي الأهمية على واجهات الإعلام في الوقت ذاته: تفاصيل أولى ثمار حصاد الصفقة المشرفة لحركة حماس من جانب، وتفاصيل الموقف الفضيحة لسلطة عباس في أروقة الأمم المتحدة بطلبها تأجيل التصويت على تقرير غولدستون في مجلس حقوق الإنسان من جانب آخر!

ليس يضيرني القول إنني سررت بهكذا مفارقة مكشوفة، والقول إن الدهشة لم تتملكني لهذا الموقف المخزي لسلطة المقاطعة، لأننا وفي اليوم الذي نحتفي فيه بإنجاز عظيم للمقاومة الأبية في غزة كان لزوماً أن نقف بوعينا على حقيقة أرباب المنهج المناوئ للمقاومة، وذلك حتى لا يساورنا ريب بأن أشباه الرجال يمكن أن تكون لهم يد خير أو دور إيجابي في إتمام هذا الإنجاز.

فوخزة من هذا الطراز كانت كفيلة بأن توقظ في ذاكرتنا كل محطات الخزي المتلاحقة على مر تاريخ هذا الفريق، وكانت كفيلة أيضاً بأن تنعشها بتذكر مواقف رموزه من عملية القسام الأسطورية يوم أسرت الجندي الصهيوني، ثم ظلت تلك الرموز تمارس دوراً تخذيلياً وانهزامياً، بينما حماس تدفع ضريبة صعبة اقتطعت من لحم مجاهديها ونزف دمائهم، ومن قوت شعبها وحريتهم التي ظلت حبيسة جدران غزة المحاصرة لقاء إصرارها على أن تبرّ بوعدها وتترجمه فعلاً وحرية للأسرى.

الموقف العار لسلطة عباس في أروقة الأمم المتحدة كان منسجماً مع عقيدتها الجديدة، وكان رد جميل للحكومة الصهيونية التي لم تكن قد خيبت رجاء فريق المقاطعة بصب حمم الموت على رأس حماس في غزة بهدف اجتثاثها وإنهاء حكمها، أما الموقف المضاد لنهج هذا الفريق وغير المنسجم معه فكان مشاركته في الاحتفال بتحرير الأسيرات من سجون الاحتلال، ولذلك كان طبيعياً أن يكون هناك استنكار شعبي لإصرار أشباه الرجال إياهم على إقحام أنفسهم في لحظة جني ثمار المقاومة، ثم إجبار أسيرات الضفة على زيارة عباس في مقر المقاطعة، وقبل ذلك استماتة عناصر الأجهزة الموالية للاحتلال في منع رموز الشرعية من نواب حماس من استقبال الأسيرات، ومنع ذويهن من رفع رايات التوحيد الخضراء وذلك خشية أن ينقل الإعلام مظهراً حمساوياً واحداً من الضفة، وحتى لا تظن حماس فيها بأن ثمة فسحة يمكن أن يتغاضى عنها وكلاء الاحتلال لتسلل مظهر للعزة الحمساوية حتى في لحظة يفترض أن تكون وطنية جامعة كما يفترض أن تؤدى فيها تحية شكر وإجلال مستحقة لحماس على إنجازها.

لكن فرحة عملاء الاحتلال بتغييب حماس عن مشهد احتفالات الضفة بحرائرها لم تكتمل، فعلى هامش الصفقة، وفي قلب فلسطين التاريخية كانت رايات التوحيد الخضراء ترفرف هناك في أم الفحم وهي تجسد نصرتها للأقصى في مهرجان الحركة الإسلامية؛ حصن الدفاع الأول عن الأقصى وحاميته الحقيقية.

وعلى الهامش الآخر وفي وسط دمشق كانت الساحة المطلة على صرح صلاح الدين الأيوبي تموج عزة وحماساً وهي تحتفي بأول غيث المقاومة وتجدد بيعتها للقدس والأقصى.

مفارقات كثيرة تجلت في ذلك اليوم الفلسطيني الخاص، وكلها تجسد حقيقة واحدة؛ أن عملاء الاحتلال يزدادون انحداراً وانكشافاً وتقوقعاً على أنفسهم سياسياً وجغرافيا، وأن حماس بصفتها وجه المقاومة المشرق ورأس حربتها وعنوان الصمود وأستاذة فن الإرادة تزداد تألقاً وتمدداً وارتقاءً، حتى وإن بدا في لحظات معينة أن ليلها طويل بلا نهاية وأن مآزقها مستحكمة وآفاقها مسدودة.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026