حكومة يمينية ولكن عاجزة

حكومة يمينية ولكن عاجزة

د. عبد العزيز الرنتيسي
2002-11-20

حكومة يمينية ولكن عاجزة د عبد العزيز الرنتيسي لقد أصبحت مقولة أن اليمين في الكيان الصهيوني قرين العنف والإرهاب بينما اليسار قرين السلام والتسويات جزءا من ثقافتنا التي يبدو لي…

حكومة يمينية ولكن عاجزة

 د. عبد العزيز الرنتيسي 

لقد أصبحت مقولة أن اليمين في الكيان الصهيوني قرين العنف والإرهاب، بينما اليسار قرين السلام والتسويات جزءا من ثقافتنا التي يبدو لي أنه من الصعب علينا أن نتخلص منها، وإننا لنجد للأسف الشديد من بيننا رغم كل الوقائع التي تثبت بطلان هذه النظرية من ينظر لهذه المفاهيم التي تفتقر إلى المنطق والموضوعية والعلم على أنها حقائق ثابتة، ثم ينبري مرهقا نفسه للتنظير لها.

 ولكن متى كان اليسار حمائميا؟ ومتى كان أقل دموية من اليمين؟ ألم تكن الحكومة السابقة التي ارتكبت عشرات المذابح في الضفة الغربية وقطاع غزة منها على سبيل المثال لا الحصر مذبحة جنين ومذبحة حي الدرج في غزة حكومة ائتلاف تضم اليمين واليسار في خندق الإرهاب.

إن أحدا لا ينكر أن اليمين الصهيوني المتطرف ارتكب أبشع المجازر ضد شعبنا الفلسطيني، فهذا أمر لا يماري فيه أحد، ولا ينتطح فيه عنزان، ولكن هل يختلف اليسار الصهيوني عن اليمين في هذا الجانب؟ لقد كان بن غوريون مثلا يستخدم مصطلح "التنظيف" لطرد الفلسطينيين من قراهم والقذف بهم إلى ما وراء الحدود، وكان يلخص أسلوب عمل الحركة الصهيونية وتفكير قادتها بقوله "إن الوضع في فلسطين لا يمكن أن يسوى إلا بالقوة العسكرية، الحرب حرب، وبالتالي فإن عودة العرب إلى يافا ليست ظلماً، وإنما خطيئة كبرى".

واختار بن غوريون قرية قبية لتكون أول تجربة " للوحدة 101" التي شكلها ووضع على رأسها شارون، حيث تحركت قوة عسكرية إسرائيلية تقدر بنحو 600جندي نحو القرية، وطوقتها وعزلتها عن سائر القرى العربية, و قد بدأ الهجوم بقصف مدفعي مركز وكثيف على مساكن القرية دون تمييز استمر حتى دخول قوات المشاة التي كانت تطلق النار في مختلف الاتجاهات، وأخذت وحدات المهندسين العسكريين تضع شحنات متفجرة حول بعض منازل القرية وتفجيرها على رؤوس ساكنيها من المدنيين العزل، وقد نجم عن هذه المجزرة تدمير 56 منزلا ومسجد القرية ومدرستها وخزان المياه الذي يزودها بالمياه، واستشهاد 67 من رجالها وأطفالها ونسائها، بالإضافة إلى عدد كبير من الجرحى، وقد نفذت " الوحدة 101" عشرات العمليات ضد القرى العربية التي كانت مسرحا لمآسي دامية يندى لها جبين البشرية من فظاعة ما ارتكب من مذابح للأطفال والشيوخ والنساء.

ورابين صاحب سياسة تكسير العظام في الانتفاضة الأولى، ألم يرتكب أبشع المجازر التي أودت بحياة المئات من الفلسطينيين العزل دون ذنب ارتكبوه سوى أنهم كانوا يرفضون الاحتلال؟

وشمعون بيرز ألم يكن صاحب مذبحة قانا في حملته عناقيد الغضب، تلك المذبحة التي أودت بحياة أكثر من مائة من الأبرياء من الأطفال والشيوخ والنساء بحثوا عن أمنهم وسلامتهم في قاعدة تابعة للأمم المتحدة، ولقد قالت الأمم المتحدة في حينه أن القصف كان متعمدا، ثم ألم يكن بيريز هو مهندس البرنامج النووي العسكري، فهو الذي أنشأ مفاعل ديمونة النووي العسكري، والذي أنتج ترسانة نووية تحتوي على ما لا يقل عن مائتي رأس نووي تهدد المنطقة بكاملها بالدمار والخراب.

ثم ألم يكن اليسار الصهيوني هو الذي شارك في العدوان الثلاثي عام 1956 وارتكب المجازر البشعة ضد المدنيين العزل الذين قتلوا بدم بارد، عندما كان يرص جنود الاحتلال الشباب والشيوخ على الجدران ثم يطلقون عليهم الرصاص كما جرى في مذبحة خانيونس، ومنهم من أطلق عليه الرصاص أمام زوجته وأولاده داخل بيته، وهذا ما جرى أيضا عندما اقتحم الصهاينة بزعامة اليسار الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967 وقاموا بالإضافة إلى  المجازر التي ارتكبوها بإبعاد آلاف الفلسطينيين عن وطنهم بقوة السلاح.

ثم ألم يكن اليسار هو الذي أقام معظم المستوطنات في فلسطين؟ ففي الفترة من 1967 إلى 1977 كانت الحكومات العمالية قد أقامت 22 مستوطنة في الضفة، وفي القدس كانت أولى الخطط الاستيطانية المتعلقة بالمدينة هي تلك التي وضعها يهودا تمير عام 1967 نائب المدير العام لوزارة الإسكان في ذلك الوقت.

هذا غيض من فيض ووشل من بحر، ولو قارنا ما قام به اليسار من جرائم ضد الإنسانية في فلسطين لتضاءلت أمامها جرائم اليمين على كثرتها، فلماذا نهول الأمر ونصور الحكومة اليمينية المتطرفة على أنها "بعبع" ومن ثم نقول ويل للشعب الفلسطيني ومقاومته من حكومة شارون ونتنياهو وموفاز.

 وإذا أضفنا لما ذكر أننا أمام حكومة ضعيفة جدا، ومكبلة بقيود ثقيلة كفيلة بأن تفقدها القدرة على المواجهة، بل وتفقدها هامش المغامرة، فهي حكومة يمينية على رأسها الليكود ذات قاعدة ضيقة، وهي حكومة مؤقتة، ولا ننسى أن الانتخابات على الأبواب، فكل هذه العوامل مجتمعة تجعلها حكومة ضعيفة عاجزة تحسب ألف حساب لكل خطوة تخطوها، فهي تدرك أن أي خطأ يمكن أن تقع فيه سيؤدي إلى تراجع الليكود في صناديق الاقتراع، تماما كما حدث لحزب العمل بزعامة بيريز في الانتخابات التي تلت عناقيد الغضب.

 ولو أن الضربات التي تلقاها شارون في الآونة الأخيرة على يد المقاومة الفلسطينية في ظل حكومته الضيقة قد جرت في ظل حكومة الوحدة مع العمل لارتكب من الحماقات الغير محسوبة ما لا يمكن أن يوصف، لأن وزر الأخطاء عندها سيكون موزعا على الحزبين الكبيرين العمل والليكود، أما الآن فهو وحده يتحمل جريرة أخطائه، ولذلك جاءت ردوده على العمليات ردود العاجز ولم تكن على مستوى التهويل الذي واكب تشكيل هذه الحكومة.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026