جلعاد أراد!!

جلعاد أراد!!

عبد الله قنديل
2009-09-10

لم يكن يخطر ببالي على الإطلاق أن تأتي لحظة وأرى فيها شخصية صهيونية كبيرة بحجم إيهود باراك تقع في المأزق الذي وقع فيه هذا المجرم أثناء زيارته لمدرسة ثانوية خلال اعتصام أقيم للمطالبة…

لم يكن يخطر ببالي على الإطلاق أن تأتي لحظة وأرى فيها شخصية صهيونية كبيرة بحجم إيهود باراك تقع في المأزق الذي وقع فيه هذا المجرم أثناء زيارته لمدرسة ثانوية خلال اعتصام أقيم للمطالبة بإنهاء اعتقال الجندي المجرم جلعاد شاليط.

أن يقف باراك أمام مجموعة من الشبان الصهيونية ليحبط من عزائمهم من حيث لا يدري، ويزرع الوهن والخوف في قلوبهم، ويعطي بكل وضوح الصورة الحقيقية للمأزق الذي تعيشه القيادات الصهيونية بفعل تأثير المقاومة الفلسطينية على وجه العموم، واستمرار اعتقال جلعاد للسنة الثالثة على التوالي دون أن يحرك أحد ساكنا اللهم إلا بعض المظاهرات والخطابات هنا وهناك، ثم سرعان ما يذهب الأمر أدراج الرياح.

الذي قاله باراك يمكن أن يصلح لتهديد ترسله المقاومة عبر الموجات اللاسلكية لجنود الاحتلال أو للمستوطنين، لكن باراك قد أجمل وأراح حينما قال مخاطبا جنود المستقبل: "لا يمكن للدولة أن تضمن سلامتك أو حياتك وعدم سقوطك في الأسر كجندي. أنت تلتحق بالجيش حتى تقاتل. وهذا مكان لا يشبه أوروبا أو غرب أوروبا. هنا من لا يرمش قبالة النار وصواريخ القسام وعمليات الاختطاف والمقابر العسكرية – وحده الذي يحافظ على بقائه".

كلمات سيسجلها التاريخ بالتأكيد يوم أن يتحدث عن المعادلة ويوزنها، لكننا واستباقا لذلك نبيح لأنفسنا أن نتمتع بقراءة هذه الجملة وفهمها مرات عديدة؛ لنستنتج من ذلك: أن صهاينة اليوم ليسوا كصهاينة الأمس، فالروح القتالية أصبحت شبه معدومة، وما القتل الحاصل في أبناء شعبنا، والأعداد الكبيرة في عدد شهدائنا إلا نتيجة للتكنولوجيا التي يمتلكها الصهاينة. وثمة شيء آخر دقيق، وفي غاية الأهمية مفاده: بأن مصير جلعاد أصبح الآن أقرب إلى أن يكون "رون أراد" جديد، بفعل الحماقة الصهيونية، فالكلمات التي بين السطور التي لم يستطع باراك قولها تفيد بأن عملية تحرير جلعاد أصبحت مستحيلة، وشروط المقاومة لا يمكن قبولها ولذلك وطنوا أنفسكم على أن تقتلوا قبل أن تعتقلوا، ولا تجعلوا من أنفسكم "شلاليط آخرين" فحينها لن نقدم أو نؤخر لكم شيئا، ومن المحتمل أن نقف في ذات المكان أو غيره لنذكر رفاقكم بما قلناه لكم.

الآن تكتمل فصول الهزيمة، وليس أمام الجندي الصهيوني أمام هذه الكلمات إلا أن يلعن قيادته ألف مرة التي جعلت الخدمة العسكرية إجبارية، ثم لعنا آخر حينما تتلاعب بنفسياتهم من حيث لا تدري، فلقد كان بإمكان الجنرال العسكري الكبير والمحنك باراك أن يبث روح الانتصار في نفوس جيشه، وأن يحدثهم بأنه قادر على تحرير جلعاد في نصف ساعة، لكن يشاء ربي أن يظهر الحقيقة من سقطات لسان هذا المجرم الكبير.

الإعلام الصهيوني لم يصمت أمام هذه التصريحات بل أقام الدنيا ولم يقعدها ولعل أجمل ما قرأت ما أصدرته جريدة هآرتس الصهيونية في معقب ردها على ذلك حين قال أحد كتابها بشيء فيه كثير من السخرية، وأكثر من الكراهية لباراك: "أي نص وأية قصيدة هذه. كلنا أمل بأن يكون الضباط السريعون قد وجهوا الأوامر لجنودهم الذين يحتمل سقوطهم في الأسر أو الاختطاف، بأن ينقشوا هذه الكلمات بالأزرق الغامق في غرف الطعام بجانب عيونهم ويفضل أن تكون بدلا من السطور الخالدة "فلتعرف كل أم عبرية..." و "التدريب صعب والمعركة سهلة". بين مزدوجين مرسومين جيدا سيكتب تحت هذه الكلمات اسم قائلها. باراك، أيهود. وزير مليء بالثقة والآمن. يقف هذا الشخص الموهوب بدرجة رهيبة والذي لا يفهم حتى اليوم كيف حدث أن الجمهور لم يؤمن به تماما ولم يسر وراءه ولم يعتبره قائدا وينظر بالايدولوجيا على فتيان المرحلة الثانوية. سبارتاكوس الإسرائيلي يؤنب الشعب الواهن ضعيف النفس الذي يرمش في مواجهة القسام ويصاب بالخوف من المقابر العسكرية.

كل ذلك يؤكد وبما لا يدع مجالا للشك بأن المعادلة الآن تغيرت، وأصبح لها شكل آخر جديد ومختلف، فدولة من أقوى جيوش العالم تضع نفسها في هذا المأزق، ولا تستطيع إلا أن تقف عاجزة كسيرة أمام إرادة مقاومتنا وعظمتها، لا يمكن لهذه الدولة أن تستمر طويلا، وأكثر ماهو مطلوب الآن من مقاومتنا الطاهرة هو الاستمرار في ذات المنوال رغم وعورته لأسر مزيد من الجنود الصهاينة، والثبات على خط سير المفاوضات حتى يذعن هذا المحتل لشروطها، وأره فاعل ذلك قريبا بإذن الله، يومها يعلم الجميع أننا أمة ما نسيت أسراها أو أسيراتها، بل ودفعت مقابل حريتهم الأحمر القاني.

ألا فليهنأ الصهاينة بقيادتهم، وليقرأ نوعام شاليط ما قاله باراك، وليحسن فهمه قبل أن يصبح جلعاد شاليط، جلعاد أراد.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026