منذ ما قبل مؤتمر فتح السادس كان ملاحظا إصرار رموز الحركة وناطقيها على إقحام مفردة المقاومة في تصريحاتهم ولقاءاتهم الصحفية وتأكيدهم أن البرنامج السياسي الجديد لفتح سيخلص إلى تبني…
منذ ما قبل مؤتمر فتح السادس كان ملاحظاً إصرار رموز الحركة وناطقيها على إقحام مفردة المقاومة في تصريحاتهم ولقاءاتهم الصحفية وتأكيدهم أن البرنامج السياسي الجديد لفتح سيخلص إلى تبني خيارالمقاومة على عكس ما يظن (المتربصون بالحركة) ممن يرون أن فتح الجديدة سترمي هذا الخيار وراء ظهرها وستسقطه من حساباتها.
وفي خطابه (التاريخي) في افتتاح المؤتمر حاول محمود عباس أن يوهم المتابعين بحضور المقاومة على أجندة حركته من خلال توقفه الطويل والممل عند محطات الماضي مع ما تضمنه ذلك من أكاذيب مكشوفة حتى وهو يستعرض تاريخ حركته الثوري ودوره المزعوم في تفجير الثورة وقيادتها، ومع أنه غيب المقاومة في استعراضه للحاضر وحديثه عن المستقبل محاولاً التركيز على إنجازات شكلية لحكومته وأجهزة أمنه إلا أن رموز حركته ظلوا يروجون لأكذوبة حضور المقاومة في برنامجهم وأن فتح لن تسقط خياراتها النضالية!
إن طبيعة (الخيارات النضالية) لفتح يمكن استقراءها بسهولة من خلال واقع الضفة ودور أجهزتها الرائد في استئصال المقاومة وقطع الطريق على أية محاولة لإعادة الحياة لها، ولسنا نبالغ إن قلنا إن فتح نجحت بما أخفق فيه الاحتلال الذي ظل على مدى سني احتلاله غير قادرعلى تحجيم الفعل المقاوم حتى مع تتابع ضرباته لخلايا المقاومة وناشطيها، أما أجهزة فتح الأمنية فقد عرفت من أين تؤكل الكتف المقاومة وأثمرت جهودها المتركزة أصلا في هذا السياق عن إخضاع جبهة الضفة بالكامل وتحويلها إلى ساحة تبدو غير ذات صلة بخيارات مقاومة المحتل، وكأن الضفة اليوم ليست تلك التي كانت قبل سنوات ساحة المواجهة الأولى المشتعلة في وجه الاحتلال، وكلنا رأينا على سبيل المثال كيف كان أداء الضفة التضامني متراجعاً خلال الحرب على غزة، حتى أن بعض العواصم العربية كان أداؤها متقدماً على الضفة التي لم يكن يسمح لها أن تعبرعن تضامنها مع غزة إلا من خلال مسيرات الشموع الصامتة والمرخصة من أجهزة فتح وبالاشتراطات المعروفة، وهي ألا ترفع فيها أي مظاهر غير العلم الفلسطيني وألا تحاول التقدم نحو مناطق التماس مع الاحتلال وألا تردد فيها شعارات ضد السلطة، وكانت كل محاولة للاشتباك مع قوات الاحتلال توأد في مهدها أو تتصدى لها عناصر الأمن الفتحاوية بالهراوات والرصاص نيابة عن المحتل، الأمر الذي حدا بقادة جيش الاحتلال أن يشهدوا لفتح بجهودها ودورها في منع انتفاضة ثالثة في الضفة عشية الحرب على غزة.
أما على صعيد النهج الأمني والسياسي الروتيني فلا مكان فيه إلا لتحجيم المقاومة ثقافة وسلوكا، بل إن مظاهر السيادة والسيطرة الفتحاوية على الضفة تكاد تنحصر في النهج الأمني القمعي الذي نجح في سد أي ثغرة يمكن أن تتسرب منها ريح المقاومة ، فليس مسموحاً لأي فصيل أو حتى مواطن عادي باقتناء قطعة سلاح غير مرخصة صهيونياً، في وقت تجد فيه عناصر فتح الأمنية تتجول بسلاحها في المناطق الخاضعة لسيطرة الاحتلال وتحت سمعه وبصره، وهو ما كان ليسمح بهذا لولا تأكده من أن من كان قد تبقى من حملة السلاح غيرالمرخص قد باعوه واشتروا به عفواً صهيونياً ووظائف في الأجهزة الأمنية وتحولوا بقدرة قادر من مطلوبين للاحتلال إلى وكلاء له في قمع المقاومين وتعذيبهم في السجون، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بطبيعة الحال، فقد أخلصت أجهزة فتح أيما إخلاص في اتخاذ التدابير الوقائية التي تكفل قصقصة أجنحة المقاومة لدرجة منع تداول الكثير من المواد الأولية التي يمكن أن تساهم في تصنيع الذخيرة والمتفجرات وتجريم من يقتني أو يبيع أصنافاً معينة من المبيدات والأسمدة الكيماوية.
أما ملاحقة المقاومين اعتقالاً وتعذيباً وقتلاً فهو أمر مفروغ منه، ورغم أنه مثال صارخ على طبيعة (النهج النضالي الجديد) لدى فتح إلا أننا لم نتوقف طويلاً عنده لأننا سنجد الكثيرين من أصحاب الأفهام الباردة يبررونه كإجراء وقائي لمنع تكرار محاولة الانقلاب على سلطة فتح المدعومة صهيونياً!
ولكن ما تراه يكون تبرير محاربة المقاومة على صعيد الثقافة والفكر، كإلزام خطباء الجمعة بخطب محددة يحظر التطرق فيها للاحتلال أو التحريض عليه، ويعاقب من يخالف أوامر وزير أوقاف دايتون بالفصل من وظيفته، وقس الأمر ذاته على المدارس والجامعات وحتى رياض الأطفال.
مثل هذه الشواهد لا نسوقها ترفاً أو مماحكة، بل لتبيان أن واقع فتح وبرنامجها الحقيقي تتحدث عنه أفعالها لا أقوالها، وهي أفعال لن تبرأ فتح من عارها حتى لو أقسم ناطقوها مئات المرات يومياً أنهم مع المقاومة وأن خيارهم الكفاحي ما زال حاضراً، وحتى لو روست فتح كل بياناتها الرسمية وغير الرسمية بشعارات الثورة ورموز العاصفة الصفراء لوناً ومضموناً!
وإن كان المصابون بداء النزعة القبلية الفتحاوية سينطلي عليهم هذا التباين الصارخ ما بين القول والفعل، فإن أي عاقل لا يمكن أن يمر مرور الكرام عن تغاضي قادة الاحتلال وولي أمر النعمة الفتحاوية دايتون وجموع المانحين الحياة لحكومة عباس – فياض عن تلك التصريحات فاقدة الرصيد على الأرض والتي يدركون قبل غيرهم أنها لا تتجاوز أفواه مطلقيها، فمن يقبض ثمناً غالياً لقاء جهوده في إراحة الاحتلال من كابوس المقاومة لا يمكن إلا أن تكون الخيارات النضالية في عرفه الحقيقي هي فقط مقاومة المقاومة!