أمريكا تزرع الحقد وتحصد الخوف

أمريكا تزرع الحقد وتحصد الخوف

د. عبد العزيز الرنتيسي
2002-11-05

أمريكا تزرع الحقد وتحصد الخوف د عبد العزيز الرنتيسي لا يمكن أن نفسر ما يجرى في العالم من كراهية ودمار وتخريب وسفك دماء الأبرياء من سكان المعمورة بعيدا عن المحاولات المحمومة لقوى…

أمريكا تزرع الحقد وتحصد الخوف

د. عبد العزيز الرنتيسي

لا يمكن أن نفسر ما يجرى في العالم من كراهية ودمار وتخريب وسفك دماء الأبرياء من سكان المعمورة بعيدا عن المحاولات المحمومة لقوى الشر لفرض هيمنتها على العالم، فماذا تريد أمريكا من العراق، وماذا تريد روسيا من الشيشان، وماذا تريد الهند من كشمير، قراءة واحدة لحالات متفرقة ستخبرنا بأن حب الهيمنة، وإذلال الغير، ووهم المحافظة على الهيبة لقوى الشر، والتفرد برسم الخارطة السياسية للعالم وشطب الآخر، ثم امتصاص ثروات الشعوب المستضعفة، هي الدوافع الحقيقية لمواصلة العدوان والقهر وسفك الدماء وإعلان الحرب الصليبية من جديد، إن انتقال الجيوش الأمريكية عبر آلاف الأميال لتوجيه ضربة للعراق لا يمكن أن نفهمها أبدا على أنها عملية نهب للبترول العراقي فقط، ولا يمكن أيضا أن نفهمها على أنها تهدف لتجريد العراق من أسلحة الدمار الشامل، أو تهدف إلى القضاء على حكم الرئيس صدام حسين، فالبترول لم يكن يوما بعيدا عن جيوبهم، وهم قبل غيرهم يدركون أن العراق لم يعد يملك أسلحة الدمار الشامل، ولكنها النزوة الشيطانية التي تتمثل في سياسة فرض الهيمنة على شعوب الكرة الأرضية، واستضعافها، وإذلالها، وسحق إرادتها، وسلبها حريتها واستقلالها، وطمس شهودها الحضاري،  فلسان حال بوش يكرر ما قاله فرعون من قبل " أنا ربكم الأعلى ".

فأمريكا اليوم تتدخل في الشئون الداخلية لدول تعتبر في القانون الدولي دولا مستقلة وذات سيادة، فتحدد لها مناهجها الدراسية، وبرامجها الإعلامية، وعلاقاتها الخارجية، وسياستها الداخلية، بل وسياستها المالية، وتفرض عليها عقوبات اقتصادية بسبب وبغير سبب، وتهددها بالويل والثبور وعظائم الأمور إذا ما رفضت هذه الهيمنة المذلة، وانتصرت لكرامتها، فالإرادة الأمريكية في نظر أمريكا فوق كل اعتبار، وعلى العالم أن يصغي لهذه الإرادة، وينصاع لها، تماما كما قال فرعون من قبل " ما أريكم إلا ما أرى ".

ولكن هل الشعوب المقهورة ستستسلم لهذه الغطرسة الأمريكية؟ أم أنها ستنهض للدفاع عن كرامتها ودمائها وثرواتها القومية؟

إن ما جرى في واشنطن ونيويورك وما سبق ذلك من عمليات استهدفت أهدافا أمريكية خارج الولايات المتحدة الأمريكية، وما تبع ذلك من اغتيال لجنود أمريكان في الكويت، واغتيال لدبلوماسي أمريكي في عمان، وما حدث في موسكو من احتجاز للرهائن الروس في المسرح، وانتفاضة شعبنا في فلسطين وما يقوم به من عمليات استشهادية شجاعة، كل ذلك وغيره من تعرض للبارجة الفرنسية، وتدمير لملهى في إندونيسيا - بغض النظر عن المواقف المتباينة من كل ذلك - فإنه يقدم دليلا قاطعا على أن هذه الشعوب شعوب حية، وأنها لن تستسلم أبدا للإرهاب الغربي، ولن تسلم بالتزام الصمت دون أن تحرك ساكنا بينما كرامتها تهدر على يد محور الشر في العالم، وأنها ستقاوم بشراسة مهما كان الثمن، وأن السحر سيرتد على الساحر، فمن يزرع الحقد لن يحصد إلا الخوف، فإن كان قد قام بهذه العمليات أفراد أو تنظيمات فإنها بلا منازع تحظى بتأييد ومباركة الغالبية الساحقة من شعوبنا العربية والإسلامية، ولذلك فهي خير معبر عن إرادة هذه الشعوب.

لقد أثبتت الأيام أن السياسة الأمريكية الاستعلائية هي العدو الأكبر لأمريكا نفسها، كما أثبتت المقاومة الفلسطينية أن العدو الأكبر للصهاينة الغزاة هو عنصريتهم ونزوتهم الاستعلائية، فكل ما صنعته السياسة الأمريكية للأمريكان والسياسة الصهيونية للصهاينة أنها دفعت بهم ليكونوا محاصرين بالرعب، رغم أنها أغرقتهم في الملذات والترف على حساب شعوب الأرض، فأغلب شعوب العالم تحقد عليهم لا لتفوقهم الحضاري كما يحلو لهم أن يتصوروا ولكن لغطرستهم، فهم لا يرون في هذا الكون غيرهم يستحق الحياة والوجود، فلا يتورعون إذن باستباحة الأرواح البريئة، ولا يتردد الأمريكان أبدا في دعم القتلة من الصهاينة وتشجيعهم على ارتكاب المزيد من المذابح ضد أطفال فلسطين والتي يصفها شارون بأنها عمليات ناجحة، بينما يصفها بوش بأنها دفاع عن النفس.

إن ممارسات الصهاينة والأمريكان وتصريحات بوش العدوانية النارية وهو يقول " لن أكتفي بعمل رمزي.. سيكون ردنا كاسحا ومتواصلا وفعالا.. لدينا الكثير لنفعله وسنطلب من الشعب الأميركي الكثير.. سيطلب منكم الصبر لأن الصراع لن يكون قصيرا " ستكون العامل الأهم في صحوة إسلامية تعم المنطقة، لأن الصراع الطويل الذي يريده بوش يحتاج فعلا إلى صبر، ولن تقوى شعوب المنطقة على هذا الصبر إلا إذا عادت إلى مصدر عزتها وكرامتها وهو الإسلام، كما أن هذا الصراع في حقيقته إعلان حرب على الإسلام، فلا يمكن أن تقرأ هذه الأحداث إلا على ضوء نظرية "صامويل هنتنغتون" حول صراع الحضارات، أو "الصراع المفترض بين العالم الإسلامي والغربي"، يجب أخذ الحملة الحالية على أنها ليست مجرد حرب آنية هدفها الضغط لتحقيق غايات قريبة المدى، وإنما هي بكل وضوح، جزء من صراع طويل وحرب واسعة، إنه صراع الحضارات الذي  بشرنا به برنارد لويس قبل نهاية القرن الماضي، أو حرب صليبية جديدة بشرنا بها بوش قبل أن يزعم أنها زلة لسان.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026