جدول عادي لا يختلف اثنان على أن قطاع غزة ما زال محتلا وربما بشكل مختلف عن أي احتلال صحيح لا نرى جنودا محتلين ولا نرى آليات عسكرية لقوات الاحتلال ورغم ذلك نطلق على قطاع غزة بأنه قطاع…
لا يختلف اثنان على أن قطاع غزة ما زال محتلاً، وربما بشكل مختلف عن أي احتلال، صحيح لا نرى جنوداً محتلين ولا نرى آليات عسكرية لقوات الاحتلال، ورغم ذلك نطلق على قطاع غزة بأنه قطاع محتل؛ وإلا ما تفسيركم لهذا الحصار المضروب على قطاع غزة من قبل العدو الصهيوني وقوى الاستكبار والانبطاح في هذا العالم القريب والبعيد.
واضح ورغم هذا الحصار وهذا الاحتلال الجاثم على صدر غزة بشكل جديد من أشكال الاحتلال، أن قطاع غزة بات قطاعاً مقاوماً بالدرجة الأولى، ولا تعني المقاومة استخدام السلاح فقط على أهميته وضرورته في حالة مثل الحالة الفلسطينية المعقدة، ولكن يجب أن لا نهمل بقية الأسلحة التي يمكن أن نوفرها في حياتنا، فنحن لا نقتل فقط بالسلاح رغم فتكه، والعدو يخطط لقتلنا إلى جانب السلاح بوسائل متعددة منها منع إدخال المواد الغذائية، أو مواد البناء، وإن أدخل بعضها إما لتحقيق مصلحة ذاتية خاصة بها أو أنه يريد منا التقوت فقط من أجل البقاء الساكن، وحاصرنا ظناً منه أننا سنموت جوعاً ألماً نتيجة نقص الدواء والعلاج ، وكان من بيننا من مات نتيجة المرض الذي ازداد نتيجة الحصار ونقص الدواء والمستلزمات الطبية حتى وصل عدد من استشهدوا نتيجة الحصار أكثر من 350 مواطناً، ومازال هذا الحصار مفروضاً، ولكن هل استسلم المواطن الفلسطيني له؟، وهل استسلم المسئول الفلسطيني وحكومته؟، الواضح أن حكومة قطاع غزة قوي عودها واشتد، وبالفعل طبقت الشعار الذي رفعت أنها حكومة مقاومة، أجادت في العمل المقاوم، وحمت المقاومة، ووقفت إلى جوارها، لأنها استراتيجية الشعب الفلسطيني، وحولت كل الوزارات العامة إلى وزارات مقاومة لأن القانون المنطقي المتعارف عليه طالما أن هناك احتلالاً هناك مقاومة.
وعندما نتحدث عن أن الحكومة حكومة مقاومة، والوزارات وزارات مقاومة، لا يعني ذلك أنها تقاوم بالسلاح أو أن السلاح هو أداتها الوحيدة للمقاومة، صحيح أن هذه الوزارات وزارات مدنية خدماتية وفي نفس الوقت لابد أن تقاوم الاحتلال بما يتسع لها من مجال العمل، وهنا سأضرب مثالاً واحداً حول وزارات المقاومة، وهو وزارة الزراعة التي أسند إليها إدارة المحررات.
فقد شاءت الأقدار أن أقوم بزيارة إلى أراضي المحررات والتي تعرضت على مدار عامين بعد إخلاء الصهاينة لها للنهب والتدمير على أيدي الانفلاتيين والانقلابيين الفوضويين، في زيارتي أول أمس شاهدت ما يثلج الصدر ويبشر بالخير، فعندما تشاهد على امتداد البصر أرضاً كانت جرداء لا يوجد فيها إلا قطع الحديد منزرعة في الأرض وهي الحمامات الزراعية في عهد الاحتلال، تتألم أن هذه المساحات أصبحت مرتعاً للزواحف بدلاً من أن تكون جنات خضراء، وربما المواطن العادي الذي يمر بجوار هذه الأراضي تملأ قلبه الحسرة لما يشاهد عن بعد، فهو لا يعرف أن هناك حراكاً كبيراً وكبيراً جداً في داخل هذه الأراضي وهناك عملية استزراع ممنهجة وفق استراتيجية وضعت في وزارة الزراعة وتنفذ على أيدي رجال مجهولين في إدارة المحررات.
في جولتنا أخذ الإخوة القائمون والمشرفون على هذه الأراضي، يقولون هذا الجانب مزروع فيه الخوخ بكل أنواعه، وقد أثمر هذا العام بكميات مبشرة وفاقت التوقعات، حيث كان متوقعاً أن يكون الإنتاج طناً فكان ثلاثة أطنان، وهذا مانجا، وذاك كلمنتينا ( مخال)، وهذا شموطي الذي يذكرنا بيافا وأمجاد فلسطين العائدة إن شاء الله عما قريب، وذاك عنب، وهناك برقوق وهناك ليمون لا يتعدي ارتفاع الشجرة من الأرض حتى آخر ورقة متراً واحداً وقد زينت بالثمر الجميل وهي بنت العام الواحد، وعدد ما شئت على مدى البصر ثورة في عالم الزراعة، وهذا مشتل عامر بكل أنواع الشجيرات التي يتم تشجيرها في هذه المساحات، وهنا ألفت انتباه المواطن أن ما نأكله من بطيخ هذا العام وشمام هو كله من إنتاج محلي.
وزارة الزراعة تضع الاستراتيجيات الزراعية المقاومة التي تحقق الاكتفاء الذاتي، ثم تعمل على توفير المياه بدلاً من عمليات الاستنزاف التي كانت تجري زمن الاحتلال، واختيار أنواع من الزراعة توفر هذا الاستنزاف للمياه، وتحقق الاكتفاء الذاتي الذي يغنينا عن تحكم العدو، بل مخطط للمستقبل أن تكون هذه الزراعة عنصراً مساعداً على زيادة الدخل القومي من خلال التصدر إلى الخارج، وقال لي الدكتور محمد رمضان الأغا إننا سنتوقف عن تصدير المياه إلى الخارج، ابتسمت وقلت كيف ونحن نعاني نقصاً، فابتسم كعادته وقال سنتوقف عن زراعة المزروعات التي تستهلك المياه أكثر مما تنتج، بزراعة تنتج أكثر مما تستهلك من المياه، وتحدث لي عن أرقام وفق المخططات الاستراتيجية أرجو الله أن تتحقق لأنها مبشرة بالخير الكثير.
هذا التخطيط الكبير والاستراتيجي تتولى القيام به إدارة المحررات التي يرأسها الأستاذ إسماعيل محفوظ والذي رافقنا في الجولة التي شرفت فيها بصحبة الدكتور أحمد بحر النائب الأول لرئيس المجلس التشريعي وعدد من أعضاء المجلس والرجل الأبيض في اللباس والهيئة والسرية والقلب الشيخ الفاضل محمد النجار والأستاذ حماد الرقب.
كانت الوجوه مشرقة والآمال عريضة، وهي ليست أماني بقدر ما هي حسابات دقيقة وواقع على الأرض، وتقوم إدارة المحررات بجنودها المجهولين على إنجاح هذا التخطيط الاستراتيجي الذي يجعل من كل شيء في فلسطين -نملك السيطرة عليه- أداة من أدوات مقاومة الاحتلال، والمسألة أن ندعم هذه المشاريع حتى تؤتي أُكُلها وتكون عوناً في الحاضر والمستقبل على تحقيق الاستقرار بكل أشكاله السياسية والاقتصادية وفي كل مناحي الحياة.
الحديث ذو شجون، والحق يحتاج إلى رجال ووقفات حتى نبينه للناس، والجهود المبذولة من كل المخلصين واضحة، وتوافر النيات ثمارها للعيان بينة وآثار التعاون واضحة جلية.
حيا الله من خطط ومن أشرف ومن نفذ، حيا الله تلك السواعد التي لفحتها أشعة الشمس وحولتها إلى البرنزي وهي بيضاء، وحيا الله حكومة المقاومة، التي حولت كل حياتنا إلى أشكال من المقاومة لم يعرفها العالم يوماً ما، وما كان هذا إلا بوجود الرجال الثقات والإرادات الفولاذية والفهم الحقيقي للمصلحة العليا للشعب الفلسطيني.