دموع وحلوى في عرس بنان جمال أبو الهيجاء

د.ياسر الزعاترة
2009-07-13

في بيوت فلسطين حكايات بلا عدد تثير القهر والحزن والأسى من جهة لكنها تستنفر مشاعر العزة والكبرياء والفخار من جهة أخرى والسبب هو ما تعكسه من إصرار هذا الشعب العظيم على الحياة حياة…

في بيوت فلسطين حكايات بلا عدد تثير القهر والحزن والأسى من جهة، لكنها تستنفر مشاعر العزة والكبرياء والفخار من جهة أخرى، والسبب هو ما تعكسه من إصرار هذا الشعب العظيم على الحياة: حياة العز لا حياة الذل تحت أحذية الجنرالات القادمين من البعيد لحماية أمن الصهاينة، وليس لحماية الفلسطينيين أو تأمين مستقبل أفضل لأبنائهم كما يردد مهزومون كثر سئموا النضال واختاروا حياة من نوع آخر، لهم ولأبنائهم وأحفادهم.

حكايات الأسرى والشهداء هي سيدة الموقف في فلسطين، وفيها ومن بين سطورها تنبعث المشاعر المشار إليها، وهي كانت وستبقى مواويل حزن وأناشيد فخر يرددها الفلسطينيون وسيرددها أبناؤهم حتى يزول الاحتلال، بينما ستغدو من بعدهم تاريخا للفخار تتوارثه الأجيال دون توقف. أليس عز الدين القسام الذي عرف العالم اسمه خلال العقدين الماضيين هو شهيد مضى على استشهاده حوالي ثلاثة أرباع القرن؟.

قبل أيام احتفل مخيم جنين بزفاف بنان، ابنة الأسير الشيخ المجاهد جمال أبو الهيجاء، القائد الحمساوي المعزول منذ سبع سنوات، تحديداً بعد معركة المخيم البطولية ربيع العام 2002، تلك التي سطرها التاريخ الفلسطيني كملحمة رائعة، قبل أن يراها قادة طارئون نوعاً من العبث الذي أضاع منجزات الشعب الفلسطيني المتمثلة في أقل من حكم ذاتي تحت الاحتلال.

جمال أبو الهيجاء الذي فقد يده في معركة المخيم، بل معركة فلسطين البطولية، لم يكن في الأسر وحده، فقد انضم إليه أبناؤه وزوجته، بل حتى بنان التي كانت طفلة أيام المعركة إياها، لم تسلم من الاعتقال بعد ذلك أيضاً. فخلال السنوات السبع الماضية عاشت الأم العظيمة مرارة الأسر أيضاً، وكذلك الابن المجاهد عبد السلام الذي خرج قبل شهور بعد قضاء سبعة أعوام في السجن، وكذلك الابن الثاني عاصم.

بنان التي وجدت نفسها قبل أعوام ترعى إخوتها الصغار بعد اعتقال أمها وأخويها، بينما هي تدرس لامتحان الثانوية، كبرت ونجحت ودخلت الجامعة وتخرجت، وها إنها اليوم تدخل بيت الزوجية كي تفتتح قلعة صمود جديدة وتنجب المزيد من الأبطال.

عرس بنان كان مناسبة للفرح والدموع التي انهمرت داخل السجون وخارجها. هناك داخل السجون حيث احتفل الأسرى بعرس ابنة أخيهم ورفيق دربهم. احتفلوا بالأهازيج وتوزيع الحلوى على جميع الأسرى، بينما لم يتمكن الأب من المشاركة تبعاً لعزله، لكنه بعث برسالة من خلال المحامي يطالب ابنته والأهل بالتمرد والفرح رغم القيد والسجان.

فؤاد الخفش، مدير مركز أحرار لدراسات الأسى تابع الحكاية، ونقل بعضاً من مشاهد العرس الذي أصرّ عدد من الأسرى المحررين على حضوره، فكانت الدموع تنهمر من عيونهم: دموع الفرح ودموع الحزن والأسى في آن، ما حوّل الفرح إلى شكل من أشكال التضامن مع الأسرى وذويهم.

الأسير المحرر كمال صباح من مخيم جنين 13 (عاماً في سجون الاحتلال) بدا مرتبكاً، وكان يمسح دموعه بين الحين والآخر، مستذكر صديقه أبو العبد (الشيخ جمال) الذي قال إنه يحتفل الآن بطريقته الخاصة في زنزانته الانفرادية.

الأسير الضرير المحرر عز الدين عمارنه من يعبد (جنين) كان موجوداً أيضاً، وكان يقبّل أبناء أخيه الشيخ جمال ويدعو الله بأن يعجل في الإفراج عن والدهم الذي وضع اسمه من بين الأسرى المشمولين بصفقة شاليط، والذين يتحفظ القتلة الصهاينة عليهم.

إنه شعب عظيم لا يكفّ ولن يكفّ عن تحدي الغزاة: بالرصاص والصبر وبالفرح والإنجاب، وبكل وسائل المقاومة، ولذلك ستبقى فلسطين شامخة برجالها وأبطالها، لا تحني هامتها أبداً مهما تغطرس المتغطرسون ومهما علا شأن المتخاذلين وارتفع صوتهم. "ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين". صدق الله العظيم

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026