أولئك قوم شيد الله فخرهم فما فوقه فخر وإن عظم الفخر دخل ممثلو الشرعية الفلسطينية من وزراء ونواب ورؤساء وأعضاء مجالس بلدية ومحلية يوم عامهم الرابع مغيبين قسرا خلف القضبان في سجون…
أولئك قوم شيد الله فخرهم فما فوقه فخر وإن عظم الفخر
دخل ممثلو الشرعية الفلسطينية من وزراء ونواب ورؤساء وأعضاء مجالس بلدية ومحلية يوم 29/06/2009 عامهم الرابع مغيبين قسرا خلف القضبان في سجون الاحتلال الإسرائيلي، بعد أن تم اختطافهم من بين أبناء شعبهم ومن مواقع عملهم وخدمتهم للشعب الفلسطيني العظيم والمبارك والمرابط، لذلك وفي هذه الذكرى فإن الحديث حولهم ذو شجون.
إن قضية الأسرى الفلسطينيين هي ضمير كل الشعب الفلسطيني، وهي الجرح النازف في خاصرته، وذراعه التي تؤلمه كثيرا، وهي قضية ذات أبعاد دينية ووطنية وأخلاقية بامتياز، ومن ثم قانونية.
وعندما يتعلق الأمر بممثلي الشرعية الفلسطينية المغيبين في بطن الحوت فإن الأمر أكثر إيلاما وانتهاكا لكل المواثيق والقوانين والأعراف والقيم، واختطاف ممثلي الشعب الفلسطيني واحتجازهم وتقديمهم للمحاكم العسكرية تحد صارخ وجريمة نكراء وعمل لا أخلاقي يتناقض والحصانة التي تعطى وتمنح لمن ينالون ثقة شعوبهم من خلال الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة.
إن الواجب الديني والأخلاقي والإنساني يحتم على الجميع أن يتابع قضية هؤلاء حتى يتم تأمين الإفراج عنهم دون قيد أو شرط، وهم الذين دفع بهم الشعب الفلسطيني وفوضهم لتمثيله والعمل على تحقيق أهدافه وآماله وأمانيه وتطلعاته والحفاظ على ثوابته وصيانة حقوقه.
لقد وجه الشعب الفلسطيني يوم 25/1/2006 من خلال صناديق الاقتراع صفعة قوية لكل الذين تآمروا على الحركة الإسلامية في فلسطين وأرادوا لها تمثيلا وفوزا شكليا ضمن معاييرهم وبالحجم الذي يريدون ويريدون لهم، فجاء الفوز الساحق لكتلة التغيير والإصلاح فانقلب السحر على الساحر، مما أربك وأذهل مراكز صنع القرار في العالم التي أرادت أن تردع الحركة الإسلامية من خلال الممارسة (اللعبة- كما يحلو للبعض تسميتها) الديمقراطية حتى تتمكن من تمرير قراراتها التسووية والتصفوية للقضية الفلسطينية باسم الشرعية.
لقد جاءت نتائج هذه الممارسة على غير ما تشتهي سفن أعداء الأمة والشعب الفلسطيني وحركته الإسلامية المباركة، فتسارع دهاقنة المكر والمؤامرات لوضع السيناريوهات والخطط المختلفة التي تضمن الالتفاف على الخيار الديمقراطي الفلسطيني ووضع العصا في دواليب عمل وأداء الحركة الإسلامية، وقد توجت مكائدهم بدفع الساحة الفلسطينية إلى أتون الاقتتال الداخلي بعد أن تم محاصرة الشعب ومنع رغيف الخبز وحبة الدواء وشربة الماء والوقود عنهم لتأليب الشعب على خياره وممثليه وإفشال تجربة الحركة الإسلامية، ومن ثم تسويق هذا الفشل وتوظيفه بعد ربط التجربة بالدماء والأشلاء والجوع، وكأن لسان حالهم يقول من كان خياره الحركة الإسلامية فسيعاقب بالتجويع والحصار وزعزعة السلم الأهلي والاجتماعي ونشر الفوضى وعدم الاستقرار وتغييب سلطة القانون واستبدالها بحالة الفلتان الأمني والفوضى الخلاقة والعربدة، ونسي هؤلاء أن الله لهم بالمرصاد " ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله" فاطر/ 43، "ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين" الأنفال/30.
لقد صمدت حكومة الشعب الفلسطيني الشرعية بالرغم من سياسات الحصار والتجويع والاعتداء على الصلاحيات، والاختطاف والاعتقالات والإضرابات واقتحام وحرق المؤسسات وعمليات القتل والثأر المؤسفة حين أرادوها فوضى خلاقة ضمن رغبة ومطالب وزيرة الخارجية الأمريكية المنصرفة كونداليزا رايس، ولكن عناية الله فوق كل شيء " ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون" إبراهيم/42، فبفضله سبحانه وتعالى، وثم بفضل التفاف وتأييد الشعب الفلسطيني وحمايته لخياره وسعة صدر وحنكة وحكمة قيادته المنتخبة، فقد تم إنقاذ الساحة الفلسطينية من فتنة عمياء كادت تحرق الأخضر واليابس.
لقد صمدت الحكومة العاشرة وبالرغم من اختطاف عدد كبير من ممثلي الشعب الفلسطيني من الوزراء والنواب والتي جاءت كإحدى حلقات التآمر لشل الحياة السياسية الفلسطينية وتقويض نظمها وتعطيل الحياة البرلمانية وإفشال تجربة التغيير والإصلاح وإسقاط شعارها " يد تزرع وتبني، ويد تقاوم وتحمي"، لقد جاءت تلك المؤامرات تخطيطا وتنفيذا في زمن العجز والانكسار، زمن التشرذم والخصومة والحسد، زمن ركون البعض إلى الدعة والرفاه، زمن الإفلاس السياسي، زمن الرويبضة والمفلسين، حيث ماتت الهمم وانعدمت الأخلاق والقيم، وقد استشرى الفساد بشقيه المالي والإداري، حيث لم يبدع البعض إلا في خطب ود صندوق النقد الدولي والدول التي تسمى مانحة وما هي بمانحة، لسد العجز في دفع فاتورة الرواتب مقابل ملاحقة الشرفاء والمجاهدين والمناضلين من كافة الفصائل وتحت غطاءات وتبريرات ما أنزل الله بها من سلطان، وإنما تنفيذا للشق الأمني من خارطة الطريق ومقررات مؤتمر شرم الشيخ لمكافحة الإرهاب في آذار من عام 1996، وبإشراف جنرالي أمريكا في الوطن جون فريزر وكيت دايتون، في الوقت الذي يتفنن البعض في إتقان فنون التشرذم والتفرق وإذكاء نيران الفتنة وإشاعة الفوضى والفلتان الأمني حيث المستفيد الأول من كل ذلك هو الاحتلال وحكومته العنصرية.
لقد تدحرجت الأمور ووصلت إلى ما وصلت إليه من انقسام جغرافي وسياسي، وتسارعت وتيرة الاحتقان دون نوايا مسبقة وتخطيط، وعلى جميع الأحوال فإن مآلات الأمور قد أضرت بالجميع ولم يستفد أحد من أبناء شعبنا الفلسطيني وخاصة ما حصل من تجاوزات فردية لا تعبر عن سياسة أو نضج، فتعالت الأصوات بل وبحت الأصوات، وجفت الأقلام أمام كثرة النداءات والتوسلات والمناشدات للعودة إلى الحوار الوطني الصادق ونوايا طيبة وحسنة وإرادة قوية العزم وإصرار، حتى تتكامل الجهود المخلصة والصادقة في إخراج شعبنا الفلسطيني من محنته وأزماته ومن متاهات المناكفات الإعلامية والمزايدات السياسية، وانتشاله من خطر التيه والضياع والأخذ بيده إلى بر الوحدة الوطنية والشراكة السياسية الحقيقية.
إن عيون الجميع ترنو إلى الجولة القادمة لحوارات القاهرة ويحدوهم الأمل بتوقيع اتفاق مصالحة تنهي حالة الانقسام الفلسطيني ويعالج كل الأسباب التي دفعت الساحة الفلسطينية إلى الاقتتال الداخلي وما ترتب عليه من حسم في غزة، لأن حالة الانقسام تؤلمنا جميعا وتشجينا وتبعث المرارة والأسى في نفوسنا، فالشعب الفلسطيني يتوق إلى الوحدة والتلاحم وإلى الحرية والمجد التليد، هذا الشعب الذي لا يستحق من فصائله ما يراه ويعيشه من كبت للحريات وتكميم للأفواه، ومصادرة حرية التعبير والرأي، وانتهاك لحقوق الإنسان بل والاعتداء على سلامة الفلسطيني وكرامته، والسيطرة على مؤسسات المجتمع المدني ومؤسسات الآخر الفلسطيني والاعتقال السياسي الذي أجمع الجميع على لا أخلاقية ولا وطنية له وأجمع على تحريمه.
ويشكل ممثلو الشعب الفلسطيني المختطفون صمام الأمان وصوت الحكمة والعقل، وينادون الجميع لتغليب المصالح الوطنية العليا على كل مصلحة، وعلى إنهاء حالة الاستثنائية وما يرافقها من سلبيات وتجاوزات في حياة شعبنا الفلسطيني، هؤلاء الأطهار قد حَمَّلوا رئيسهم وعزيز فلسطين الدكتور عزيز ذويك، الذي انعتق من قيده منذ أيام، أمانة ومتابعة رأب الصدع واستعادة الوحدة الوطنية وتغليبها وتمتينها وتعزيز الشراكة السياسية بين مكونات المجتمع الفلسطيني.