الأقصى.. بين تدنيس اليهود وغفلة العرب

الأقصى.. بين تدنيس اليهود وغفلة العرب

د. عيدة المطلق قناة
2009-07-05

بينما ينشغل العالم بأزمته المالية وينصرف العرب باختلافاتهم الصغيرة عن همومهم الكبرى فإن سلطة الاحتلال الصهيوني تسارع الخطى لاستكمال تهويد القدس وهدم الأقصى وإقامة الهيكل والتزامها…

بينما ينشغل العالم بأزمته المالية، وينصرف العرب باختلافاتهم الصغيرة عن همومهم الكبرى.. فإن سلطة الاحتلال الصهيوني تسارع الخطى لاستكمال تهويد القدس وهدم الأقصى وإقامة الهيكل.. والتزامها بخطتها الممنهجة التي أطلقت صافرتها منذ اليوم الأول لاستكمال احتلال مدينة القدس عام 1967م.. فمنذ أن أعلنت عن ضم المدينة المقدسة للدولة العبرية (في 28 حزيران 1967) باشرت بالحفر والهدم وبناء المستوطنات.. فقامت ببناء حيّ استيطاني يهودي داخل أسوار المدينة المقدسة.. ثم واصلت بناء المستوطنات حتى إنها تضم اليوم أكثر من ستين ألف وحدة سكنية تحيط بالمدنية من كل الجهات.. ويسكنها ما يزيد عن ربع مليون مغتصب من غلاة المتطرفين.

 

بالمقابل هناك تضييق صهيوني على المقدسيين العرب (مسلمين ومسيحيين) هناك تطهير عرقي وتهجير وإجبار على الرحيل.. وهناك انتزاع لملكياتهم.. وهدم لبيوتهم.. وشطب لمؤسساتهم.. كل ذلك بسلاح القانون وخاصة "قانون التنظيم والبناء الإسرائيلي لعام 1956".. الذي جعل كافة بيوت المقدسيين عرضة للهدم والإزالة في أي لحظة دون إدانة.. والذي تتسلح به سلطة الاحتلال في تنفيذ رؤية نتنياهو التي تتلخص بـ"يهود أكثر..عرب أقل لمدينة القدس" عبر الإحلال الديمغرافي والبرنامج الاستيطاني الذي يهدف لاستقدام مليون إسرائيلي للإقامة في القدس وطرد 20% من أهلها المقدسيين حتى عام 2020.

 

أما بالنسبة للمسجد الأقصى المبارك فقد اعتمدت سلطة الاحتلال سياسة تعسفية بدأتها في مطلع عام م1969 بإزالة حي المغاربة المجاور للمسجد بكامله.. وهدم جميع الأبنية الإسلامية والأثرية الواقعة حوله.. والعديد من المساجد والمدارس الإسلامية التي تأسست في عهد الدولة الأموية.. وفي شق الطرق داخل مقابر المسلمين الواقعة بالقرب من الحرم القدسي الشريف وتجريف عدد منها.. والحفر تحت أرض المسجد بحثاً عن مزاعم وخرافات بآثار مندثرة لهيكل سليمان.. واستكمالاً لهذه الحفريات جاء حريق الأقصى في (21ـ8ـ1969) (الذي تحل ذكراه الأربعين قريباً).

 

لم يتوقف الاستهداف المباشر للمسجد الأقصى بل تطور وتنوع وأصبح يشمل مختلف أشكال التضييق من حصار وإغلاق وقطع الطرق ومنع المسلمين من دخول المسجد والصلاة فيه، إلى جانب استفزاز المصلين وإطلاق القنابل الصوتية عليهم والاشتباك معهم واحتجازهم داخل المسجد.. ومن تدنيس واقتحامات وحتى المجازر المتكررة.. ثم دخلت سياسة التهويد مرحلة أكثر خطورة ببناء كنيس يهودي على أرض وقف إسلامي على بعد أمتار من الأقصى.. وكذلك المصادقة على بناء سلسلة من الكنس اليهودية في محيطه..

 

وكان مسلسل التدنيس هذا قد خرج إلى العلنية والاستفزازية الخطرة باقتحام "الهالك شارون" وجنوده للأقصى عام 2000 ذلك الاقتحام الذي تسبب في اندلاع "انتفاضة الأقصى".. ومنذ ذلك الحين جعل "شارون" من مسألة السماح لليهود والسياح الأجانب بدخول المسجد الأقصى، أولوية برنامجه الانتخابي.. وبعد توليه سدة الحكم.. أعلن وزير الأمن الداخلي (الصهيوني) في حكومته "تساحي هنغبي" في أيار 2003 عن السماح للسياح الأجانب واليهود والشرطة الإسرائيلية بدخول المسجد الأقصى بموافقة أو عدم موافقة الوقف الإسلامي.

ومنذ ذلك اليوم ارتفعت وتيرة النداءات (الإسرائيلية) لهدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل المزعوم بالتصاعد.. واستعرت الحملات الإعلامية الداعية لهدمة أو تقسيمه.. كما أخذت عمليات الاقتحام والتدنيس بالتكاثر والتوالي وكلها تجري بعلم السلطة الصهيونية وبحماية شرطتها.. في نيسان 2005 سعت حركة (ريفافاه) اليهودية المتطرفة (وهدفها نسف المسجد الأقصى وبناء الهيكل الثالث) لاقتحام المسجد الأقصى وإقامة مهرجان في ساحاته وذلك لـ"زيادة الوعي عند اليهود بأهمية بناء الهيكل، وتحقيق بناء كنيس يهودي داخل الحرم القدسي".

 

وأما في عام 2007 فقد اتخذت بعداً آخر إذ تم تنفيذ سلسلة من الاقتحامات اليهودية للمسجد الأقصى ومحيطه واستباحة حرمته ( بتواريخ 4 و6 و7 و10 نيسان 2007 ).. وبلغت حدة الاستفزاز والتحدي أن سمحت سلطة الاحتلال في 14ـ4ـ2007 بمسيرتين في القدس الأولى للشواذ جنسياً والثانية للمتطرفين. وازدادت اتساعاً في عام 2008 حين نفذت مجموعات يهودية تمثل أكثر من (24) مجموعة صهيونية عدة اقتحامات لباحات المسجد الأقصى.

 

وأما العام الحالي 2009 فيشهد تكثيفاً شديداً لعمليات الاقتحام.. ففي نيسان الماضي دعت جماعات صهيونية اليهود إلى تكثيف الدخول للمسجد الأقصى وخصصت إعلانات بشكل كبير في الصحف الإسرائيلية لحثهم على ذلك وتخصيص وسائل نقل مجانية لهم.. وفي شهر أيار من هذا العام قام عدد من الخبراء التابعين لما يسمى بـ"سلطة الآثار الإسرائيلية" وعدد آخر من مستخدمي البلدية الصهيونية باقتحام المسجد الأقصى وقاموا بالتصوير فيه وخاصة المسجد القديم تحت الجامع القبلي المسقوف ومسطح المصلى المرواني ومنطقة حوش باب الرحمة وساحات واسعة من كافة الجهات والجوانب.

 

وقامت مجموعات من المستوطنين يتقدمها عدد من الحاخامات ضمن احتفالات الفصح اليهودي باقتحام المسجد الأقصى وحاولوا أداء صلواتهم "التلمودية" في المكان.. ولكن حراس الأقصى تصدوا لهم ومنعوهم من ذلك..

 

على أن هذه المحاولات التدنيسية بلغت ذروتها يوم الثلاثاء 18ـ6ـ2009 حين قام وزير الأمن الداخلي الصهيوني (إسحاق أهرونوفيتش من حزب "إسرائيل بيتنا" والذي وصف العرب بـ "الفئران القذرة") يرافقه عدد من كبار المسؤولين في الشرطة مع عشرات من الضباط باقتحام المسجد المبارك والتجول في ساحاته وبين أركانه لمدة ساعتين.

 

ومما يفسر تزايد حملة التحريض على تدنيس وانتهاك حرمة المسجد الأقصى أن هذه الممارسات تنال الرضى من الجمهور الإسرائيلي.. فقد أظهرت نتائج استطلاع رأي حديثة أن أكثر من (80 بالمائة) من الجمهور يؤيدون صلاة اليهود في الحرم القدسي.

 

ويبدو أن القيادات الصهيونية تستهدف من خلال تكثيف تحدياتها واستفزازاتها أن تكون عملية جس نبض لا بد منها.. أو دراسة وقياس ردود الفعل العربية والدولية تجاه هذه الممارسات.

 

ولكن يبدو أن هذه الممارسات الصهيونية الإرهابية الموصوفة بتعريف الإرهاب تقع في نطاق المسكوت عليه دولياً بل ربما تكون من أوراق الاعتماد لدى النظام العالمي.

 

ولكن الأقسى في هذه المسألة أن هذا الكم من الاستفزاز يقابله تقاعس مقزز عن نصرة القدس والأقصى.. وسكوت عن حال المدينة المقدسة التي باتت مرتعا للصهاينة والمجرمين والسفلة.

 

فالعالم وما يسمى المجتمع الدولي فحسبه انشغالاً بخرابه الاقتصادي وأزمته المالية والتي يكمن بعض حلولها في تسويق السلاح وصناعة الحروب والأوبئة.

 

وأما حال الأمة فيبدو بعض منها متساوق مع العزف الصهيوني على وتر التهديد النووي الإيراني.. في حين أن بعضها الآخر يكشف عن مستوى عال من الإحباط.. مما يعني أن حال الأمة يشير إلى تخل فاضح عن واجب مقدس.. وأن جزءاً منها قد آثر الغياب.. في حين أن جزءاً آخر قد دخل في غيبوبة ولأجل غير مسمى.

وأما الأقصى فحسبه الله وحده.. وثلة مباركة من المرابطين والحراس.

 

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026