حذار من التوقيع قبل الإفراج عن المعتقلين في الضفة!

حذار من التوقيع قبل الإفراج عن المعتقلين في الضفة!

لمى خاطر
2009-07-02

في الخطاب التاريخي المهم الذي ألقاه الأستاذ خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس أفرد مساحة واسعة للوضع في الضفة ووضع النقاط على الحروف فيما يخص مأساتها المتصاعدة وبين كيف أن مشروع…

في الخطاب التاريخي المهم الذي ألقاه الأستاذ خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس أفرد مساحة واسعة للوضع في الضفة ووضع النقاط على الحروف فيما يخص مأساتها المتصاعدة، وبين كيف أن مشروع تصفية المقاومة وتنفيذ الالتزامات الأمنية تجاه الاحتلال من قبل السلطة هو العقبة الأساسية أمام إتمام المصالحة الفلسطينية.

ويمثل اعتقال قادة حماس وكوادرها الجزء الأبرز في جهود محاربة المقاومة، مضافاً إليهم نحو مئة من عناصر الجهاد الإسلامي معتقلين على الخليفة ذاتها.

وقد بات أمراً بدهياً التأكيد على أن هذه الاعتقالات لا تتم في سياق مناكفة حكومة غزة أو لمنع تكرار تجربة الحسم، وهو ما عبر عنه بوضوح ملفت القيادي في الجهاد د. محمد الهندي في لقاء له مع فضائية الأقصى قبل أيام، وهو أيضاً ما يشير إليه التعنت الفتحاوي إزاء ملف المعتقلين في الضفة.

 

ودعك من تهريج عزام الأحمد حين يصرح تارة بأن حكومة فياض هي من تقوم بالاعتقالات وليس فتح، أو حين يدعي أن ثمة توجهاً لتفكيك هذا الملف مستدلاً ببضعة معتقلين يتم إطلاق سراحهم ليعتقل أضعافهم في اليوم ذاته!

 

فالحقيقة الواضحة هنا هي أن فتح لا تملك أن تغلق هذا الملف وتفرج عن المعتقلين في الضفة لأن أجهزتها الأمنية باتت مسيّرة بالكامل وخاضعة بالمطلق للإملاءات الصهيوأمريكية، وإن اتجاهها الفعلي نحو تفكيك ملف الاعتقال السياسي أو إنهائه سيعد مغامرة كبيرة في عرفها لها تبعاتها المعروفة وعلى رأسها إغلاق صنبور التمويل الخارجي وتعطيل مشروع تأهيل الأجهزة الأمنية وتدريبها وتسليحها وفق الرؤية الأمريكية.

 

ما يجري اليوم في الضفة تجاوز ويتجاوز بشكل مطرد حدود الخصومة السياسية أو حتى الخلاف بين نهجي المقاومة والتسوية، فقد دخلت سلطة المقاطعة نفق التبعية الكاملة للمحتل، ولم يعد الفكاك من التزاماتها تجاهه أمراً قابلاً للطرح.

 

وفي هذا السياق نجدها مستمرة في اعتقالاتها على نحو متصاعد، مما يعني أن المؤسسة الأمنية تحاول أن تكرس نفسها كسلطة قائمة بذاتها لا علاقة لها بالتفاهمات السياسية، ولذلك فهي غير قابلة للتخلي عن سياسة الإنهاك التي تمارسها ضد حماس كتنظيم وكحركة مقاومة في الضفة، وما اعتقال مرافق الدكتور عزيز دويك ومدير مكتبه مؤخراً إلا مؤشر على تخوف فريق المقاطعة ومن خلفه الاحتلال من أية انفراجة ولو شكلية يمكن أن تساهم في ضخ الدماء في جسد حماس في الضفة، لذلك كان لا بد لها من توجيه رسالة صارمة وعاجلة للدكتور الدويك بعيد خروجه من سجون الاحتلال نظراً لما لشخصيته من ثقل وتأثير على الصعيد السياسي والجماهيري والتنظيمي.

 

إن فتح التي تبدو معنية بتوقيع اتفاق مصالحة في الموعد المرتقب (لأسباب لا علاقة لها بالمصلحة الوطنية) معنية بالدرجة ذاتها بإبقاء ملف الاعتقال في الضفة على حاله أو بتأجيله لما بعد المصالحة بهدف كسب الوقت وإشغال حماس باستحقاقات الاتفاق دون أن تخسر فتح شيئاً إن على صعيد النزول عن شجرة التزاماتها الأمنية للاحتلال أو على صعيد منح حماس في الضفة فرصة ولو قليلة لالتقاط أنفاسها، وفتح بذلك إنما تحفظ لنفسها خطوط الرجعة لعملها أن توافقاً من شأنه إحداث تغيير إيجابي في الواقع الفلسطيني هو أمر غير قابل للتطبيق.

 

وحماس من جهتها تخطئ خطاً فادحاً إن قبلت تخطي ملف المعتقلين أو تأجيل الإفراج عنهم بناءً على وعد أو التزام بأن يتم ذلك عقب توقيع الاتفاق، لأن ذلك لن يكون بدون مقابل كبير سيطلب من الحركة دفعه حينها لقاء تخلي فتح عن جزء من التزاماتها للاحتلال في قمع المقاومة، فحماس الآن لا تزال على البرّ ويفترض أنها أقدر على طرح ملف المعتقلين كمقدمة للتوافق، أما بعد التوقيع فستكون مقيدة ببنود الاتفاق والتزاماته، ولن يكون من السهل الرجوع للمربع الأول عند مواجهة التعنت الفتحاوي.

 

إن ملف المعتقلين في الضفة ليس شأناً ثانوياً يمكن حله بعد (إنهاء الانقسام) كما تدعي فتح، فهذه خدعة سياسية ينبغي ألا تنطلي على حماس، وما دامت الحركة مدركة بالكامل للسياق الذي تتم فيه ملاحقة نشطاء الحركة وقادتها وتغييب مظاهر نشاطها المختلفة فالأصل أن تنصب كل الجهود الآن على معالجة قضية التبعية للاحتلال وكيف يمكن إلغاؤها، وهذه ليست مهمة حماس وحدها بل جميع الفصائل التي نسمع لها صوتاً عالياً في انتقاد الحوارات الثنائية بين حماس وفتح، وندب الانقسام ونتائجه، بينما تتجنب الجهر بكلمة حق واحدة فيما يخص مشروع التنسيق الأمني وملاحقة المقاومة بالوكالة عن الاحتلال في الضفة. بمعنى آخر: إن لم يتم قطع الطريق على مشروع (الفلسطيني الجديد) الذي يرعاه دايتون في الضفة لبناء سلطة عميلة للاحتلال ذات عقيدة وأولويات جديدة فإن الحديث عن توافق أو مصالحة يبقى محض وهم ومراهنة على السراب.

 

إذ كيف يمكن المضي في مسارين متوازيين في الوقت ذاته: الأول مسار معالجة آثار الانقسام على قاعدة المصلحة الوطنية ولم الشمل الوطني، والثاني مسار الإعداد لسلطة قامعة لشعبها مرتهنة القرار مسلوبة الإرادة ويجري تبديل عقيدتها الوطنية بالكامل ليصبح تحقيق أمن المحتل أولويتها الوحيدة؟!

 

لا أعتقد أن هناك عاقلاً معنياً بتكرار تجربة اتفاقية مكة التي عجزت عن علاج الخلل الحقيقي الذي يكتنف العلاقة الفلسطينية الداخلية فتهاوت سريعاً لأنها لم تنجح بإيقاف الشق الغزي لمشروع دايتون، بل ظلت فتح ماضية فيه بعد توقيع الاتفاق.

 

ومن جهة أخرى، وعلى الصعيد الحمساوي الداخلي، فإن إصرار حماس على الإفراج عن معتقليها قبل توقيع أي اتفاق هو جزء بسيط من فاتورة الوفاء التي ينبغي ألا تزهد الحركة بتقديمها لطليعتها وخيرة كوادرها التي قدمت لها الكثير وينتظر منها أن تتحمل أعباء المرحلة القادمة وفي مقدمتها الاستحقاق الانتخابي، وليس منطقياً توقع أن تكون هذه الطليعة ومعها كل جمهور الحركة مستعدة للعطاء بالنفَس السابق ذاته إذا ما ساورها الشعور بعبثية أي جهد ميداني لها لن تستطيع معه الحركة حماية ظهر كوادرها، أو ستتكرر بعده السيناريوهات نفسها التي أعقبت الانتخابات الأخيرة.

 

لذلك كله حذار من الوقوع في شرك توقيع اتفاق شكلي يسقط من أجندته علاج الخلل الحقيقي في العلاقة الفلسطينية الداخلية أو يؤجل البت في الملفات الهامة وعلى رأسها قضية المعتقلين الذين هم الوقود الحقيقي لمشروع المقاومة، والعمود الفقري لأي حراك وطني سويّ.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026