بداية نعزي أبناء شعبنا الفلسطيني في كل مواطن تواجده داخل وخارج الوطن ليس في دماء من رحلوا ضحية التآمر والخيانة فحسب ولكن في بصائر عميت وضمائر ماتت فأصبحت لا تفرق بين العدو والصديق…
بداية نعزي أبناء شعبنا الفلسطيني في كل مواطن تواجده داخل وخارج الوطن، ليس في دماء من رحلوا ضحية التآمر والخيانة فحسب؛ ولكن في بصائر عميت وضمائر ماتت، فأصبحت لا تفرق بين العدو والصديق، فتراها تقف وبكل اعتزاز وفخر إلى جانب من يجدر به أن يكون العدو في وجه من يفترض أن يكون الأخ والقريب، وهذا الكلام للأسف الشديد لا نلقيه جزافا على عواهنه ولكنه الحقيقة التي كان يجدر بأصحابها أن يستتروا بفعلهم ويتواروا من سوءاتهم، ولكي لا نسهب في هذا الجانب يكفي أن نذّكر بما قاله أحد كبار رجالات هذه الأجهزة في أحد اجتماعات ما يسمى "التنسيق الأمني" مع ضباط جيش الاحتلال، من أن العدو المشترك لنا ولكم هو "حماس" ، وهو بذلك يشهد شهادة حق بأنه لا ينتمي لهذا الشعب ولا لهذه الأرض لأنه مهما بلغت بنا الخلافات، ومهما تباعدت بيننا الأفكار أو باعدت بيننا الاجتهادات فلا يمكن لفلسطيني واحد أن يصطف في خانة أعدائه، وعليه فإن القراءة الصحيحة والدقيقة لما حدث يجب أن تتم وفق هذه القاعدة بعيدا عن الدخول في التفاصيل التي يراد بها إبعاد الأنظار عما هو مخطط ومدبر للقضاء على كل قوى المقاومة والجهاد، ويكفي أن نورد في هذا الحدث شهادة المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان والتي دحضت فيها الرواية الرسمية لأجهزة أمن فياض، وأكدت أن ما تم هو جريمة اغتيال واضحة بحق الشهيد محمد ياسين نيابة عن الاحتلال، وأن الشهيد محمد السمان كان في حالة دفاع عن النفس حين فتح النار على عناصر هذه الأجهزة، ونحن إذ لا نستغرب قيام هذه الأجهزة بهذه المهام القذرة نيابة عن المحتل، وهي التي خلعت عنها ثياب الشرف والوطنية، وأبت غير مرة إلا أن ترتدي ثوب الذل والجبن والخيانة؛ فإننا نقرأ في هذا الحدث العديد من الدلالات والأبعاد سواء على صعيد ردات الأفعال المتوقعة على هذه الجريمة، أو على صعيد العلاقة بين الطرفين"فتح وحماس" وحتى علاقة هذه الأجهزة بأبناء الشعب الفلسطيني ونظرته إليهم، وتتمثل هذه الدلالات في:
1- أن الجريمة لا تضيف كثيرا لسجل الخزي والعار الذي يأبى أصحاب هذا المشروع أن يخطوا فيه سطرا جديدا كل يوم، فهي تذكرنا بما كانت ترتكبه هذه الأجهزة المدربة والمجهزة تحت إشراف صهيوأمريكي مشترك، على مدار عمر السلطة منذ توقيع اتفاق أوسلو، وحتى الآن، والشواهد الدالة على تلك الجرائم أكثر من أن تحصى، بدءاً من مجزرة مسجد فلسطين، وأحداث جباليا، ومجزرة مسجد الهداية، مرورا بقتل الدكتور حسين أبو عجوة، والشيخ ناهض النمر والشيخ الرفاتي، وحوادث القتل التي سبقت الحسم العسكري مباشرة، وإذا كانت محصلة هذه الجرائم هو ما تم في قطاع غزة صيف عام 2007 من إنهاء لحالة الفوضى والانفلات المتعمد وسيادة اللاقانون، فإن القراءة المنطقية لما يجري تشير أن الأمور في الضفة ربما تتطور اضطراريا لتصل إلى نفس النتيجة، وربما ليس بنفس الوسائل والآليات لإدراكنا وعلمنا التام باختلاف الظروف الموضوعية المصاحبة للحالتين.
2- هذه الجريمة ستفتح صفحة جديدة من العلاقات بين فتح وحماس سواء على مستوى الضفة الغربية أو قطاع غزة، حيث سيعمد مطاردو كتائب القسام في الضفة الغربية إلى مواجهة قرارات الاعتقال والاحتجاز بحقهم، كما طالبهم بذلك الناطق باسم الكتائب أبو عبيدة في مؤتمره الصحفي، مما سيفتح الباب على المزيد من المواجهات بين الطرفين وسقوط المزيد من الضحايا، كما ستلقي هذه الجريمة بتداعياتها على قطاع غزة بحيث تفتح الباب بقوة لترسيخ مبدأ التعامل بالمثل من قبل حركة حماس، والذي طالما رفضت أن تنجر إليه، ولكنها قد تلجأ له الآن مرغمة تحت وطأة الضغوط من قاعدتها التي باتت تطالبها بأن يدفع أبناء فتح في غزة ثمن الجرائم التي ترتكبها أجهزة فياض في الضفة، ماداموا لا يدينونها ويقرونها بصمتهم وسكوتهم عنها.
3- هذه الجريمة تفتح الباب مشرعا للتشكيك في إمكانية وصول الطرفين إلى نقطة التقاء حيث أثبتت التجربة والأيام أن كلا منهما يسير على طريق مخالف للآخر، بحيث يكاد يكون من المستحيل أن تحدد نقطة التقاء وتوافق، فحماس رغم وجودها في السلطة وما جرته عليها من فتن حينا ومن وبالات وابتلاءات أحيانا أخرى؛ إلا أنها لم تخلع عباءة المقاومة ولازالت متمسكة بمبدئها، ومصرة على نجاحها في ضرب النموذج الإسلامي الذي يستطيع المزاوجة بين السياسة والمقاومة..في المقابل استسلمت حركة فتح تحت دعاوى الواقعية والبرغماتية وقراءة المتغيرات وموازين القوى، وغير ذلك من الألفاظ والمصطلحات التي تحاول تجميل الواقع المخزي الذي وصلت إليه، بحيث أصبحت وكيلا حصريا وبامتياز لكل مشاريع ضرب المقاومة في فلسطين، وإذا كان هذا هو واقع الطرفين فعن أي التقاء بينهما يمكننا أن نتحدث؟! وما هي ضمانات نجاحهما في الإبقاء على حالة الحد الأدنى من الاتفاق أو التوافق؟!.
4- الدماء التي سفكت بغير وجه حق ترفع علامة استفهام كبيرة حول موقف الفصائل الفلسطينية، سيما تلك التي تتغنى بالمقاومة، فلولا سكوت هذه الفصائل وقبولها بما كان يجري في قطاع غزة قبل الحسم العسكري لما وصلت الأمور إلى الحد الذي اضطرت معه حماس لإنهاء مسلسل السفك اليومي للدماء، والواقع اليوم وما يجري في الضفة الغربية بحق أبناء الشعب الفلسطيني ومقاومته، أشبه بتلك الأيام والتجرؤ على دماء المجاهدين لم يكن ليتم لو لم تؤثر هذه الفصائل الصمت وتفضل مصلحتها الخاصة على مصلحة الكل الفلسطيني، والمطلوب اليوم من هذه الفصائل في ظل هذا الحدث الجلل، أن تقف وقفة جادة وحازمة في وجه من امتهن الخيانة لا قولا فقط بل فعلا وتطبيقا.
5- موقف الاحتلال من الجريمة ووصفه ما حدث بأنه غير كافٍ يؤكد أن ما يجري في الضفة الغربية هو نتاج سياسة مبرمجة ومخطط لها سلفا، يتم الترتيب والتنسيق لها أمريكيا وإسرائيليا ويترك التنفيذ لأذنابهم الذين قبلوا على أنفسهم القيام بدور المحتل بالوكالة، وإذا كان البعض استنكر وأدان اتهام هؤلاء بالتواطؤ مع الاحتلال في العدوان الأخير على غزة؛ فإن الأيام تثبت بما لا يدع مجالا للشك أنهم ليسوا متورطين فقط ولكنهم مشاركون وموغلون في التخطيط والتنفيذ لكل ما يحيق بهذا الشعب من مآسٍ.
وأخيرا إذا كان من كلمة توجه فهي لأبناء شعبنا الفلسطيني في الضفة الغربية أن اصبروا الصبر الجميل الذي لا تسكنه ذلة، ولا يشوبه ضعف، فقادم الأيام كفيل بأن ينهي ما يحل بكم من تجرع لكأس الظلم والقهر على أيدي الاحتلال وأعوانه، وليكن لكم فيما جرى في غزة أكبر العبر والدروس بأن الظالم لا يردعه عن ظلمه وغيّه لا كلام ولا حديث ولا استجداء.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع