بدون مقدمات تصف حجم الذهول الذي أصاب المرء وهو يتابع تفاصيل الجريمة الجديدة في قلقيلية وقبل أن يلتئم الجرح الذي أحدثته سابقتها في الوعي الفلسطيني ودونما حاجة للاستفاضة في تشريح…
بدون مقدمات تصف حجم الذهول الذي أصاب المرء وهو يتابع تفاصيل الجريمة الجديدة في قلقيلية، وقبل أن يلتئم الجرح الذي أحدثته سابقتها في الوعي الفلسطيني، ودونما حاجة للاستفاضة في تشريح مشروع الخيانة الذي باتت حركة فتح ترعاه في الضفة، نقف مباشرة على أبرز النتوءات في هذا الواقع الفلسطيني الأسود..
فلأول مرة نصطدم بحقيقة مغيبة مفادها أن جمهور نهج العمالة والتبعية داخل المجتمع الفلسطيني هو أكبر مما كنا نظن أو نتصور، وأن أنصار هذا النهج ما بين قادة وجنود ومرتزقة ومغفلين صاروا ينظرون لخيارهم ويدافعون عنه بدل أن يتواروا خجلاً – ولو لبعض الوقت – في انتظار أن يردم عامل الزمن عارهم وفجورهم!
فهل كان عادياً أن تتجند كل مستويات فتح من سياسيين وناطقين أمنيين وأمناء سر لأقاليمها في الضفة وممثلي شبيبتها وأبواق كتابها وإعلامييها ليجهروا بأن مقارفة الخيانة هي ضرورة وطنية وأن درب (المشروع الوطني) لا بد أن يرصف بجماجم المقاومين وأشلائهم قتلاً بالرصاص أو حرقاً وتشويهاً أو خنقاً بالغاز أو إغراقاً بالمياه العادمة؟! وأن يجهروا على الفضائيات بأسمائهم وبشرف المشاركة في إعدام المجاهدين، وأن يكفوا عن استخدام اللثام وهم يحاصرون المقاومين ويشوهون أجسادهم ويعتدون بالضرب على ذويهم، بعد أن يتبادلوا (تحية الانضباط) مع الجنود الصهاينة على حواجز الاحتلال التي يمرون عبرها؟!
هل كان عادياً تبرير انتهاك حرمات النساء واستباحة كرامتهن وتداعي كل أبواق الشيطان للنيل من سمعة سيدة طرز الرصاص الفتحاوي كل أنحاء جسدها بجريرة حمايتها وزوجها لمطاردين من كتائب القسام كما هو حال السيدة (هدى مراعبة) ؟ وهل كان عادياً أن نشهد كل تلك الوقاحة في استهداف (حارسة الحلم الفلسطيني) كما وصفتها أدبيات فتح القديمة، وأن تطالها سطوة الانتقام قتلاً أو أسراً، وألا يتورع أذناب الاحتلال عن استخدامها درعاً بشرياً للوصول إلى أقاربها من المقاومين؟!
إن كان خارجاً على المنطق والعرف والأخلاق ألا تحدث حرارة الدماء التي نزفت من عروق خيرة رجال فلسطين أثرا على أرض الواقع يستنهض الهمم التي تكلست بالخوف والبلادة واللامبالاة، فإن السماح بالمساس بحرائر الضفة وكريماتها هو أمر خارج عن المروءة والشرف والحس السوي، وسيظل وصمة عار في جبين المجتمع الفلسطيني بأسره إن هو غض الطرف عن الاقتراب كل هذا الحد من محرماته واعتاد رؤية نسائه تساق إلى سجون دايتون وتنالها شتائم وتهديدات الأوباش وعديمي الشرف!
في المجتمع الفلسطيني كما في بقية المجتمعات العربية ثمة ظاهرة اسمها (جرائم الشرف) وفي تطبيقات هذه الظاهرة قد تقتل بعض النساء لمجرد الشبهة وقد يستوعب المجتمع وقوع أخطاء فادحة تحصد أرواحاً شريفة وطاهرة لأن العربي لا يتسامح إن مس شرفه ولا يبالي بإراقة الدم على جوانبه ليظل رفيعاً وناصعا!
لكن المأساة حين يكون تعريف العرض والشرف قاصراً في أذهان الناس لدرجة انحسار مفهومه بحيث لا يصبح الاعتداء على أمهات ونساء الشهداء والأسرى – ولو معنوياً – اعتداءً مباشراً على شرف المجتمع وحرمات كرامته، ولدرجة أن يستوعب التآلف مع العبودية تآلفاً مع النيل من النساء واعتياداً عليه!
هل يلام أوباش دايتون إن هم تجرؤوا على حمى المقاومة كل هذا الحد وتفننوا في (خنقها) و(إغراقها) واعتماد نهج تصاعدي في التعبير عن خيانتهم وترجمة فصولها على الأرض في الوقت الذي استوعب فيه نفر غير قليل من الفلسطينيين أن أعداء الاحتلال هم مجرد (فئة ضالة مارقة) تهدد الأمن؟ وأن الذين صنعوا على عين المحتل هم حماة القانون ورعاة الاستقرار، وفي الوقت الذي انخرس فيه رصاص أرتال البنادق المكدسة لدى العشائر في مختلف مدن الضفة عن إغاثة المحاصرين ببساطير العملاء، وانخرس معه أصحاب الكروش والعباءات ممن يسمون زوراً وجهاء العائلات والشخصيات الاعتبارية عن قول كلمة واحدة بين يدي العدوان على القيم والمبادئ والإيغال في انتهاك كل المحرمات والخطوط الحمراء؟
أظلت هناك مسحة من رجولة في جبين من كان يملك الانتصار لأنات المقاومة المذبوحة بخناجر الخيانة وآثر أن يظل متكوماً على نفسه حين خلت شوارع الضفة وحارات مخيماتها ومدنها من ردة فعل واحدة سوى من أم ثكلى مكلومة وحديثة العهد بمصيبتها هي أم المجاهد الشهيد محمد السمان تقدمت نفراً من النساء خرجن في قلقيلية لإغاثة المحاصرين وأبين الاستكانة لمنطق العجز الذي كبل أعناق الرجال عن الفعل وحتى عن الكلام!