منذ العملية الجراحية التي اضطرت لها حماس في غزة صيف وتم تطهير القطاع خلالها من بؤر وعصابات العمالة والفلتان المنظم بل منذ فوز حماس في الانتخابات التشريعية اختطت حركة فتح لنفسها…
منذ العملية الجراحية التي اضطرت لها حماس في غزة صيف 2007 وتم تطهير القطاع خلالها من بؤر وعصابات العمالة والفلتان المنظم، بل منذ فوز حماس في الانتخابات التشريعية اختطت حركة فتح لنفسها رؤية جديدة في التعامل مع حماس ونهجاً متطرفاً صدرته أولوياتها ومارست في ظله عمليات تعبئة موجهة ضد الحركة في نفوس وعقول أتباع فتح من أنصار وعناصر أمنية. صحيح أن السلوك العدائي تجاه حماس كان سمة فتحاوية متأصلة تعود جذوره إلى بدايات انطلاقة الأخيرة حيث جوبهت الحركة الناشئة في حينه بجملة اتهامات فتحاوية وصلت حد تخوينها وربطها بالموساد الصهيوني، إلا أن الحرب الشاملة التي تشنها فتح على حماس خلال السنوات الأخيرة باتت الشغل الشاغل لها والعنوان الأهم والأبرز على أجندتها التي لم تعد تتسع أصلاً إلا لمشاريع إقصاء حماس بأشكال واتجاهات عدة كان أبرزها عملية غسيل دماغ كلي للقاعدة الفتحاوية قوامها شيطنة دائمة لحماس وتحريف لمواقفها وتسخيف لإنجازاتها وحرق متتابع لكل نقاط التلاقي معها ولو بحدودها الدنيا، وهي عملية سرعان ما أتت أكلها في نفسيات وعقول كانت مهيأة أصلاً لمثل هذا التحول، ومتعودة على النظر في اتجاه واحد وعلى تقبل ثقافة القطيع أو القبيلة وامتهان دفن الرؤوس في الرمال.
وبالتالي فلم يكن مستغرباً أبداً أن تتمخض تعبئة الحقد والكراهية المنتهجة ضد حماس عن عمليات تفريغ سافرة كان آخرها اعتداء أحد عناصر جهاز الوقائي بالرصاص على الشيخ حامد البيتاوي في نابلس وإصابته في قدمه، واللافت في هذه الجريمة الوقحة بكل المقاييس أنها جرت علانية وفي وضح النهار ودون أن يضطر صاحبها أو أصحابها لإخفاء هويتهم أو الجهة التي ينتسبون لها، مما يؤشر على المدى الذي وصلت إليه العناصر الفتحاوية في حقدها وعدائها لحماس من جهة، واعتقادها أنها ما تزال بحاجة لتوجيه رسائل إرهاب لحماس أكثر حدة وعنفاً ووضوحاً من كل الرسائل السابقة..!
أما الأمر الأكثر قبحاً من الجريمة نفسها فهو التبرير الفتحاوي لها والادعاء بأنها جرت على خلفية خلافات شخصية! ولسنا ندري أي نوع من الخلاف الشخصي يمكن أن ينشأ بين شخصية اعتبارية بوزن الشيخ البيتاوي وأحد حثالات الوقائي، بل أي خلاف هذا الذي يجيز لعنصر (أمني) أن يشهر مسدسه في وجه خصمه ويطلق عليه النار، فما بالك حين يكون هذا الخصم نائباً في المجلس التشريعي ورئيس رابطة علماء فلسطين؟!
والتبرير الفتحاوي لجرائم عناصرها ليس جديداً على أية حال، والحركة بذلك إنما توجه لهم رسالة طمأنة تشجعهم على التمادي في التفنن في محاربة عدوهم الأوحد المتمثل بحماس، خاصة وأنها دائماً وفي سياق تعليقها على جرائم عناصرها في الضفة تضعها في مقارنة مع ما تدعي كذباً أنه يجري في غزة ضد كوادر فتح، وبطبيعة الحال فإن العقول الفتحاوية الخاوية التي تنطلي عليها أكاذيب إعلامها المضلل ولا تجد ضيراً في التغذي بوجبات الكراهية العمياء التي يبثها في نفوسها سيغيب عنها بالضرورة أن الحرب على وجود حماس في الضفة إنما يأتي ضمن مشروع التنسيق الأمني والحرب على المقاومة في الدرجة الأولى، ووفق دور تكاملي مع الاحتلال، أما الخلاف السياسي ومنطق الثأر من حماس غزة فهو فقط المشجب الذي تعلق عليه الخطايا الفتحاوية والمسوغ الذي يتيح لقاعدة الحركة التجند والاصطفاف بالكامل ضد حماس دونما معارضة أو إحساس بتأنيب الضمير (الوطني) لديها.
وهذه الحيلة هي ذاتها التي تنطلي على الفصائل الملحقة بفتح والتي إما أن تتفهم التبرير الفتحاوي لجرائم عناصرها في الضفة فتصمت، أو قد تصدر عنها احتجاجات خجولة تستغلها كمدخل لإدانة الطرفين بالدرجة ذاتها والعزف على وتر الانقسام كسبب في كل ما رزئت به فلسطين من بلايا!
حماس بدورها وخاصة في غزة والخارج كانت مقصرة إلى حد ما في تعاملها مع هذا النهج الفتحاوي الذي لم يكن حوادث متفرقة بقدر ما كان تجليات وانعكاسات لمشروع ناصبها العداء وظل على الدوام يفت من عضدها ويجتهد في إقصائها ما استطاع إلى ذلك سبيلا..
ففي الوقت الذي لم يكن وضع حماس في الضفة يتيح لها أن تثير إعلامياً تفاصيل الحرب اليومية عليها كانت حماس في غزة والخارج تكتفي بالتعليق على كل حادثة في وقتها شجباً واستنكاراً وتغفل أحياناً التطرق لحوادث عدة، ثم تزهد في تسليط الضوء بشكل مستمرعلى طبيعة السلوك الفتحاوي ضدها في الضفة وتبصير الرأي العام بحقيقته والسياق الذي يجري فيه، مع العلم أن المستويات الإعلامية لحماس في غزة هي الأكثر تفاعلاً مع واقع الضفة مما سواها من الساحات.
وهناك منابر إعلامية لم تستغلها الحركة كما ينبغي، وهي منابر للكلمة فيها وزن وثقل لا توازيه مئات التصريحات والمؤتمرات الصحفية،و تحدث الكلمة عبرها ضجة واسعة، كفضائية الجزيرة وخاصة خلال نشرات الأخبار المفصلية التي يستضاف فيها ناطقو الحركة أو قياداتها، فبينما نجد قيادات فتح تستغل كل دقيقة خلال ظهورها الإعلامي على الفضائيات للكذب والصراخ والافتراء على حماس نلاحظ أن رموز الأخيرة يغلب عليهم طابع الميل للحديث عن العموميات فيما يتعلق بوضع الضفة وحصر مشكلتها في المعتقلين السياسيين والمؤسسات المغلقة، رغم أن وجوه مأساة الضفة أكثر عمقاً وتفصيلاً من ذلك، ليس فقط على مستوى آثار الحرب التي تدار على حماس فيها من قبل الاحتلال وفتح، بل على مستوى التغيرات في المزاج العام ونهج إماتة ثقافة المقاومة الذي تمارسه السلطة فيها وشطب الاعتبارات الوطنية من قاموس الناس وإحلال ثقافة المنفعة والمصلحة ورغيف الخبز، عدا عن منطق الإرهاب والتخويف الذي قد يلزم من يتعرضون للأذى بالصمت مما يتيح لأجهزة السلطة التمادي في غيها وصولاً لكسر كل المحرمات.
ومن هنا، فإن حماس مطالبة في مختلف أماكن تواجدها باجتراح نهج متطور في التعامل مع فتح سياسياً وإعلامياً، وعليها أن تعلم أن أكثر ما تحرص عليه فتح وأجهزة إرهابها في الضفة هو العمل بلا ضجيج ودون انعكاسات إعلامية صاخبة لجرائمها، لأن افتضاح سياساتها إنما يعمق من أزمتها القائمة أصلاً، وأعتقد أنه آن الأوان لكشف القناع (الوطني) الزائف عن هذا الفريق سياسياً عبر تبني موقف صارم يرد للضفة شيئاً من اعتبارها قبل جلسات الحوار القادمة في القاهرة، وإعلامياً عبر حمل همها والوقوف على تفاصيله وعرضه بصورة سديدة وموجهة تبقيه في دائرة الضوء، وبما يضمن تحقيق بعض الردع والحد من التمادي في الإجرام.