قرار الرئيس الفلسطيني محمود عباس بتأجيل انتخابات المجلس التشريعي إلى أجل غير مسمى بذريعة قصر الوقت القانوني يحمل بوادر ودلالات سلبية لجهة نهج الإصلاحات الذي امتشق الرئيس لواءه…
قرار الرئيس الفلسطيني محمود عباس بتأجيل انتخابات المجلس التشريعي إلى أجل غير مسمى بذريعة قصر الوقت القانوني، يحمل بوادر ودلالات سلبية لجهة نهج الإصلاحات الذي امتشق الرئيس لواءه إثر انتخابه مطلع العام الحالي.
فهو يشير –أولا- إلى عجز واضح للرئيس عن استكمال خطاه الإصلاحية، واستحكام قبضة بعض مراكز القوى داخل السلطة وحركة فتح، التي تدفع باتجاه تأخير الوفاء بالاستحقاقات الوطنية الملحة.
الدلالة الثانية تؤكد عمق الأزمة التي تعيشها حركة فتح، وبلوغ تضارب الرؤى والمصالح، وصراع الأجيال والطموحات، حدّا خارج السياق والسيطرة التنظيمية، ما يجعل مواجهتها للاستحقاقات الانتخابية المقبلة أمراً عسيراً، وذا نتائج غير مضمونة على الإطلاق.
الدلالة الثالثة تبين مدى هشاشة القرار الفلسطيني، وطبيعة ارتهانه للموقف الخارجي، وخاصة الأمريكي، وما يشكله من كابح للتحول الديمقراطي الفلسطيني، ومجافاة لآمال الفلسطينيين في إنهاض واقعهم على أسس شفافة ونزيهة.
منذ فترة ليست بالقصيرة كانت مؤشرات الواقع والسياسة الفلسطينية تؤكد استحالة عقد الانتخابات التشريعية في موعدها المقرر، وبدا أن هنالك قراراً فتحاوياً داخلياً مسبقاً بحتمية التأجيل، وما الامتهان الذي تعرض له قانون الانتخابات في أروقة المجلس التشريعي الفلسطيني، وحال العرض والرفض التي شغلت الساحة الوطنية الفلسطينية، إلا مقدمات بلبوس قانوني بين يدي التأجيل، الذي سيستتبع –على الأغلب- تأجيلاً آخر للمرحلة الثالثة من الانتخابات المحلية.
بصراحة، أوجه الخطاب للأخوة في فتح، مؤكداً أن حالهم الداخلي المعروف لا يسرّ أحداً، وأن مصلحة فتح ذاتها، فضلاً عن مصلحة الوطن والقضية، تقتضي حكمة وشجاعة في مواجهة الأزمة، لا ترحيلها وإرجاء النظر والبتّ فيها.
إن الحرص على مصلحة "فتح" يقتضي الشفافية في تشخيص أزماتها، ووضع اليد على الأدواء التي تنخر بنيانها، ومباشرة العلاج –مهما كانت طبيعته- دون أي انحياز لاعتبارات جانبية، فالتأخير أو التعاطي وفق منطق ترحيل الأزمات، أو التعويل على كسب الوقت لاستعادة السمعة والزخم الشعبي، لن يساهم إلا في تعميق الأزمة وتجذرها، وتعقيد سبل الحل والعلاج.
قد تكسب "فتح" بعضاً من الوقت، وتطيل أمد استفرادها بمقدرات الواقع الفلسطيني، على وقع إرجاء الاستحقاقات الانتخابية، إلا أن ذلك لن يحقق لها الكثير، فالاستحقاقات آتية لا ريب فيها، وأعتقد أن فتح -بتاريخها ودورها ومكانتها ودماء شهدائها- لجديرة بوقفة مراجعة وتقييم، تقدم الصالح الوطني العام، غير آبهة بالنتائج الآنية المباشرة، فخيرٌ لفتح أن تخوض غمار المنافسة الانتخابية اليوم وليس غداً، لتحافظ على صورتها ومكانتها واحترام المجموع الوطني لها، قبل أن تضطر لمواجهة واقع انتخابي مستقبلي قد يكون أشد مرارة، ولا يرضى لفتح عن العقاب بديلا.
بلا شك، فإن "فتح"، وكجزء من الحل لأزمتها الراهنة الذي يضاف إلى احترامها للقرار الشعبي والمجموع الوطني، ينبغي أن تنظر بجدية في تأهيل أفرادها وكوادرها القيادية تأهيلاً نفسياً سليماً، يسهم في تجاوز آثار الانفصام الحاد والانتقال القسري من حال الثورة وممارساتها وإشكالاتها إلى حال السلطة وإدارتها وتماسها الجماهيري، بما يضمن تقبلهم لمجريات وإفرازات الواقع، واستيعابهم لكافة التحولات والتغيرات الديمقراطية الحاصلة، بروح أخلاقية ووطنية عالية، تنبذ الأثرة الفئوية، وترى في مكونات العمل الوطني الآخرين شركاء لا فرقاء، ورفاق درب لهدف مشترك لا خصوماً وأدعياء تنافس وانقلاب.
القراءة الموضوعية للواقع الفلسطيني الراهن تؤشر إلى ولوج مرحلة جديدة تفتح أبوابها على المجهول، فالحراك الداخلي الذي أفرزته الانتخابات مؤخراً قد دخل حالة من التقوقع والجمود، فيما تبدو الأجندة الخارجية النافذة أقوى من أي تفاهمات أو اعتبارات مصلحية داخلية، في ظل مشاريع عدّة تتقاطع في تخوفها من المستقبل القادم وتبعات الديمقراطية الفلسطينية الناشئة، وترى في تكريس الحال الراهن الضمان الأسلم والخيار الأحوط لحماية منسوب تحكمها بخيوط المعادلة الفلسطينية الداخلية، وبرامجها ومشروعاتها السياسية الخاصة بالقضية الفلسطينية.
إن على "فتح"، وفيها من الحكماء والعقلاء الكثير، أن تدرك أن المصلحة الوطنية الفلسطينية العليا تقتضي اليوم الشراكة لا الإقصاء، والتعاون لا التفرد، وأن تلتقي جهود أبناء "فتح" و"حماس" وباقي الفصائل في بوتقة واحدة، فلا مصلحة لأحد في إقصاء أحد، أو التقدم والصعود على حساب أحد، ولا يمكن لنا أن نبني وطناً عزيزاً أو مجتمعاً نظيفاً دون تعاون وتكاتف الكلّ الوطني على قاعدة التداول السلمي والاحتكام لصناديق الاقتراع، بعيداً عن المؤثرات الخارجية النكدة التي لم تزد شعبنا الفلسطيني إلا معاناة فوق معاناته الممتدة، وشجوناً فوق شجونه المتلاطمة.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع