يجب أن نعود أنفسنا خلال الأيام والأسابيع القادمة على سماع جمل مثل لماذا لا تعطوه فرصة و لنجربه قبل أن نحكم عليه والسبب تولي نتنياهو رئاسة الحكومة الصهيونية وتعيينه ليبرمان وزيرا…
يجب أن نعود أنفسنا خلال الأيام والأسابيع القادمة على سماع جمل مثل "لماذا لا تعطوه فرصة؟" و"لنجربه قبل أن نحكم عليه." والسبب: تولي نتنياهو رئاسة الحكومة الصهيونية، وتعيينه ليبرمان وزيراً للخارجية، فبعد أن بات من الواضح وجهة حكومة الاحتلال الجديدة، ورفض نتيناهو لما يسمى بالحل السلمي وعرضه السلام الاقتصادي بديلاً له، وتنصل ليبرمان الصريح وغير القابل للتأويل من أنابوليس، وقعت سلطة دايتون وأنظمة "الاعتدال" العربي في ورطة كبيرة.
إذ كيف سيبررون استمرارهم بالتزاماتهم المشهورة؛ محاربة الإرهاب وخطة دايتون وخارطة الطريق واستمرار المفاوضات، دون أن يكون هنالك أمل في التوصل إلى أي شيء؟ وكيف سيطلبون من حماس الالتزام بما تنصل منه الصهاينة أنفسهم؟ في البداية كان سقف خطاب السلطة والحكومات "المعتدلة" عالياً، ودار حديث عن مقاطعة حكومة نتنياهو مثلما قوطعت حماس، وهي مقارنة ظالمة، لكن كما يقول المثل "رضينا بالهم والهم ما رضي فينا"، ولم يلتزم أحد في العالم، ولم تقاطع حكومة نتنياهو ولم تقابل بالتهديد والوعيد الذي قوبلت به حركة حماس.
ومثلما هو متوقع سرعان ما بدأ سقف الخطاب الرسمي بالتدني، ورأينا في البيان الختامي لمؤتمر القمة العربية كلاماً هزيلاً، حتى حسب المعايير التي ارتضاها القوم لأنفسهم، وسمعنا كلاماً على شاكلة أن "إسرائيل تثبت أنها غير جادة في السلام"، و"المبادرة العربية لن تبقى مطروحة للأبد"، و"الاستيطان يتعارض مع عملية السلام"، و"يجب على العالم بقيادة أمريكا إجبار حكومة نتنياهو على الالتزام بالاتفاقيات السابقة"، وكأن من يردد الكلام هو محلل سياسي وليس متخذ قرار. ما هو قراركم؟ ما هي طلباتكم؟ كيف تطالبون العالم باتخاذ قرار عملي وأنتم أصحاب القضية والمصلحة لم تتخذوا أي قرار ولم تتحركوا قيد أنملة، فقط مجرد مطالبات هزيلة.
ومثل المراهق العاشق الذي ينتظر أي إشارة من حبيبته، حتى لو كانت مجرد نظرة ازدراء، أو نظرة "إذا لم تبتعد سألمّ العالم عليك"، فالمهم أنها نظرت، و"المهم" أن هنالك تطورا: فبعد أن هدد بقصف السد العالي، ها هو مستعد للجلوس للتفاوض، ألا يعتبر هذا تطوراً؟
ومن اليوم بدأت ماكينة الإعلام الرسمي بتصيد المواقف الصهيونية التي تمنحهم امتياز الاستمرار بنهج التفاوض والتنسيق الأمني، والتي تبث الحياة في منهجهم السقيم، ومثل العاشق الولهان تلقفوا تصريح بيريس بأن نتنياهو مستعد لمواصلة المفاوضات (يا فرحة قلبي)، وتناقلته أجهزة إعلام "الاعتدال العربي" على أنه تصريح مثير للاهتمام، وذلك تمهيداً لخطوة النزول عن الشجرة وقبول حكومة نتنياهو على علاتها.
وبدلاً من اعتبار حكومة نتنياهو الفاشية، ووزير خارجيتها ليبرمان، فرصة تاريخية للمناورة وتحقيق انجازات مثل فرض الأمر الواقع وتجاوز شروط الرباعية المطلوبة من حماس، على قاعدة "أنتم تنصلتم ونحن نتنصل"، أو على الأقل الحرد سياسياً والإضراب عن وظيفة التنسيق الأمني من أجل ابتزاز بعض الانجازات ولو كانت انجازات شكلية، فإن خطاب السلطة وحلفائها العرب لا يبشر بأي نية للاستفادة من الوضع الحالي، ويبدو أن مصير عرفات الذي كان يجيد اللعب على الحبال واستغلال المواقف يخيم على ذاكرة أبو مازن، الذي لا يجرؤ على مجرد التفكير بهذا الأمر.
ومثل النعامة دفنوا رؤوسهم بالرمال متأملين أن يأتي المجتمع الدولي وأمريكا لنجدتهم، وأكاد أجزم أن بعضهم يقوم الليل مبتهلاً وقانتاً ومتضرعاً إلى الله أن تدين التحقيقات الجنائية ليبرمان ويأتي شخص غيره، ليس لأنه العقبة الوحيدة، بل لحاجتهم إلى حدث ما ينزلهم عن الشجرة التي صعدوا عليها. أما حكومة نتنياهو فتعج بـ"ليبرمانات" من أشكال وألوان شتى، ويكفيهم أيلي يشاي زعيم شاس الذي انسحب من حكومة أولمرت لأنه رفض التفاوض على القدس بالرغم من تعهد أولمرت بأن التفاوض على القدس لن يصل لأي نتيجة - أي تمضية وقت وضحك على السلطة، فما هي خطتهم للتعامل مع شخص يرفض الحديث عن القدس ولو من باب المزاح أو تمضية الوقت؟
أمام واقع السلطة وأنظمة الاعتدال العربي، وعجزها المزمن عن القيام بأي مبادرة، من الواضح توجهها نحو القبول بالأمر الواقع كما هو دون تغيير، ولا يغرنكم الضجيج المفتعل فهدفه الوحيد تبرير التنازل الذي سيقدمون عليه، وغايتهم إقناع الناس بأنهم بذلوا ما بوسعهم، ومع مرور الأيام سنسمع ديباجة "لننتظر ونر" و"لنعطه فرصة" والكلام الفارغ إياه، وإذا حصلت المعجزة وسقط ليبرمان (سليل المافيا الروسية، ومرتكب الموبقات السبع سياسياً وجنائياً)، سيعلنون بنشوة المنتصر "لقد تحقق هدفنا بإزاحة هذا الشخص العنصري"، لنعود بعدها إلى الحكاية القديمة: الصهاينة "يفصلون" والسلطة ومن والاها "يلبسون".
وأبشركم في حال لم تسمعوا في الأيام والأسابيع القادمة هاتين الجملتين وأشباهها بأن هنالك تغيرا حقيقيا عند القوم، وأن الجماعة غيروا وبدلوا، وقرروا مغادرة مجلس المفعول بهم إلى ميدان الفاعلين، لكن بالنسبة لي شخصياً هذا أمل وحلم بعيد المنال، وأبعد من نجوم السماء، فالعجز والتبعية والبلادة والفشل هي سمات أصيلة في القوم.