لا تستعجلوا المصالحة!

لا تستعجلوا المصالحة!

لمى خاطر
2009-04-05

لا أحسب أن أي فلسطيني عاقل يقف على حقيقة المفاصل الخلافية في المعادلة الفلسطينية يجد في نفسه توقا لإمتاع ناظريه بمشاهد احتفالية التوقيع النهائي على اتفاق المصالحة المرتقب والمتوقع…

لا أحسب أن أي فلسطيني عاقل يقف على حقيقة المفاصل الخلافية في المعادلة الفلسطينية يجد في نفسه توقاً لإمتاع ناظريه بمشاهد احتفالية التوقيع النهائي على اتفاق المصالحة المرتقب، والمتوقع أن يعقب جلسة الحوار المؤجلة التي ترعاها المخابرات المصرية!

فما تمخضت عنه جلسات الحوار الأخيرة حتى الآن يثبت مجدداً أن الإشكال الأساسي في الخلاف يتمحور حول سعي الفريق الفتحاوي ( ومعه حلفاؤه المعلن منهم والخفي) بالضغط باتجاه مسخ البرنامج السياسي لأية حكومة قادمة، وتطويعه بأي شكل ليكون ملبياً لشروط الرباعية والتزامات المنظمة والتي تعني كلها في المحصلة الاعتراف بـ(إسرائيل)، أي أن النتيجة النهائية التي يراد للحوار أن يخلص إليها هي انتزاع تنازل جوهري من حماس يمثل انقلاباً على مواقفها السابقة، وكأن ثمن الاتفاق يجب أن يدفع من فاتورة الثوابت الفلسطينية، ومن جيب برنامج المقاومة الذي تتصدره حماس!

ودعك من محاولات الالتفاف البائسة التي تقوم بها الأطراف الأخرى التي تصف نفسها بالمستقلة أو المحايدة أو التوافقية لطرح حلول وسط، أو لتأجيل عناوين الخلاف وترحيلها من قبيل اقتراح حكومة انتقالية مؤقتة تلتزم بشروط الرباعية لحين إجراء انتخابات، أو حكومة بدون برنامج سياسي تنحصر مهمتها في التحضير للانتخابات، فهذه كلها ليست سوى حلول تسكينية تشي بأن ثمة هدفاً خفياً تضعه عدة أطراف نصب أعينها بعيداً كل البعد عن جوهر المصالحة ومتطلباتها!

ويفترض أن تظل تجربة تأجيل البت في مفاصل الخلاف حاضرة وخصوصاً لدى حماس، وأبرز شاهد عليها اتفاق مكة، فما الذي تم جنيه حينها من التوافق على (احترام) التزامات المنظمة، وتغييب البحث في أصل الإشكال سوى أن فتح مضت في تهيئة نفسها للانقضاض على شرعية حماس وإقصائها بالقوة! بدليل أنها لم تنتظر يوماً واحداً قبل أن تستأنف عمليات تصفية كوادر حماس العسكرية، و(باركت) الاتفاق حينها بذبح الشهيد محمد أبو كرش في غزة ليلة التوقيع في مكة.

وبطبيعة الحال فإن أداءها الآن أسوأ بكثير، إذ لم تعط نفسها مهلة أو (استراحة وكيل للمحتل) بتعليق عمليات ملاحقة حماس في الضفة، بل إن أجواء الحوار زادت من سعار أجهزتها الأمنية كما هو واضح، واعتقلت أضعاف من أطلقت سراحهم منذ بداية الحوار، فيما لم يتغير شيء يذكر على صعيد نهجها في تصفية وجود حماس في الضفة! مما يعني أن الإدارة الأمريكية التي أعطت فتح الإذن بالشروع في الحوار مع حماس لن تقبل بأن تغامر في التراجع عن خطة التصفية الشاملة لحماس الضفة قبل أن تجني لها فتح الثمن من حوارها مع حماس، وتنجح في زحزحتها عن مواقفها السياسية.

هناك من لا يرى ضيراً في أن تلتزم الحكومة الانتقالية المقترحة ببرنامج يلبي شروط الرباعية ويحظى بالقبول الدولي، ويحاول التقليل من أهمية الأمر على اعتبار أن هذه الحكومة ستكون قصيرة الأجل ومحدودة المهام، ويرى ( ويا للمهزلة) أن مواجهة الحكومة اليمينية الصهيونية القادمة تستحق أن تواجه بحكومة فلسطينية موحدة، حتى لو كان ثمن هذا التوحد برنامجاً يحظى بمباركة نتنياهو وليبرمان!

وغني عن القول إن أصحاب منطق (الاتفاق بأي ثمن ودون تأخير) الأجوف يغيب عنهم (بقصد أو بدون قصد) أن إلزام حكومة توافقية ببرنامج ممسوخ سيعني أن كل حكومة قادمة أو تالية لها لا مفر من أن تلتزم بالبرنامج ذاته حتى لو شكلتها حماس، ولعل هذا بحد ذاته يمكن اعتباره (خط رجعة) رسمته تلك الأطراف لمواجهة احتمال فوز حماس مجددا في الانتخابات القادمة، كما سيعني أننا كفلسطينيين ألزمنا أنفسنا بمنطق الخضوع للابتزاز الخارجي للأبد، وقيدناها باشتراطات الممولين والأوصياء على قرارنا، رغم أن تجربة الحكومة في غزة يفترض أنها قدمت دليلاً عملياً على أن الفكاك من الارتهان الاقتصادي والسياسي للخارج أمر ممكن وقابل للتطبيق!

حماس من جهتها تبدو كمن تواجه كل تلك الضغوطات منفردة، بينما تقف معظم الفصائل الأخرى موقف الوسيط أو الحكم، في وقت كان متوقعاً منها ( وخاصة من يحسب منها على تيار المقاومة) أن تكون إلى يمين حماس لا إلى يسار فتح!

لكن حقيقة موقف هذه القوى وما يمكن قراءته من خلال تهوينها من شأن المشكلة الرئيسة أو عدم التطرق لها، كما تفعل الجبهتان مثلاً، إذ نسمع منهما انتقادات لاذعة لحماس فيما يخص نظام الانتخابات، وشبه صمت مطبق بشأن الضغوطات السياسية على الحركة للالتزام بشروط الرباعية، كل هذا يؤكد أن هذه القوى يعنيها شيء واحد من كل هذه (الطبخة) وهو التمكين لنفسها في الانتخابات القادمة، ولن يكون مستبعداً أبداً أن تكون هذه القوى أو بعضها أداة ضغط على حماس لجهة توقيع اتفاق يلبي رؤية فتح سياسياً، ثم تمتنع هي عن التوقيع عليه بحجة هبوط سقفه، وتشبعنا في الوقت ذاته مزايدات لا آخر لها، وهذا مسلك ليس مستغرباً على انتهازية اليسار، ولا على من بات إثبات وجودهم يقوم على سياسة (خالف تعرف) لا غير!

وفي كل الأحوال فليس ثمة داع لأن تجد حماس نفسها محاصرة بسيف الوقت، ولا مضطرة (لسلق) اتفاق بأي ثمن، والأصل ألا يكون مقبولاً بأن تنزل حماس سنتمتراً واحدا عن شجرة مواقفها السياسية لصالح اتجاه التسوية، وإن كانت مقتضيات التوحد تعني أن لا فكاك من ولوج باب التنازلات، والحظي برضا الإدارة الأمريكية وبمباركة محور (الاعتلال) العربي، فإننا في غنى عن هكذا وحدة شوهاء، ولتحسم حماس ومعها كل قوى المقاومة أمرها من هذه القضية إلى الأبد، وليستمر حال الانقسام إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا!

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026