الخيمة في ذاكرة الشعب الفلسطيني ترمز إلى رحلة الشتات والتهجير القسري عن القرى والمدن الفلسطينية بعد العدوان الغاشم وإقامة الكيان الصهيوني على أنقاض الوطن الذبيح بمساعدة القوي…
الخيمة سهلة في عملية الترحال والتنقل , وتعطي شعور بعدم الاستقرار وهذه رسالة سياسية بامتياز , حاول أجدادنا تأكيدها من خلال التمسك بالخيمة وإعلان أن العودة قريبة للديار والبيوت والحقول , وان التوطين والركون لحالة الهجرة الدائمة غير وارد , وليس بالخيار للشعب الفلسطيني , فانتصبت الخيام ورفرفت عليها أمنيات العودة وانتشر عطر البلاد مع نسائم الصبح , وكانت الخيمة على حدود الوطن وبابها مشرعاً للعودة .
ومضت الخيمة مرافقة للنضال الفلسطيني , وشكلت علامة تراثية في تاريخ الشعب الفلسطيني , وخرجت جيلاً فلسطينياً كاملاً عاش وترعرع في الخيمة , وشرب حليب الكرامة وتعلم حب الأوطان بين جنباتها , لقد كانت الخيمة بمثابة أكاديمية العمل المقاوم ومركز التعبئة الجهادية , الجدة والأم والوالد تضمهم الخيمة في سهراتهم وجل الأحاديث عن الوطن , والصهيوني السارق والعودة والمقاومة والفدائي , واستقبلت الخيمة حياة جديدة للاجئ الفلسطيني خرجت فيها الخيمة أفوجا من المقاتلين , واستقبلت الشهداء العائدين يحملون على جباههم حبات الرمل من الوطن المحتل , وزداد عطاء الخيمة بفعل ساكنيها فالأجيال التي حازت على أعلى الدرجات العلمية , هم أطفال كبروا في الخيمة وأصبحوا رجالاً في مواطن يعتز بها الوطن .
لقد قهرت الخيمة ببساطتها سياسات المحتل الصهيوني , في تشتيت المواطنين داخل وطنهم المحتل لإرغامهم على الرحيل والهجرة , عبر سياسة هدم البيوت التي مارسها العدو الصهيوني بذرائع مختلفة , من المساهمة في العمل المقاوم إلى عدم الحصول على ترخيص من سلطات الاحتلال , فكانت الأسرة الفلسطينية تنصب الخيمة على أنقاض المنزل وتزرع الأوتاد وتقول باقون هنا على أرضنا , سواء عشنا ببيت من حجارة أو تحت غطاء خيمة كما واجه المواطنين منع الصهاينة بناء المساجد الجديدة , بإقامتها من الخيام والصفيح وعسف النخيل في إرادة بقاء وتشبث في الأوطان وقف العدو أمامها عاجزاً.
وتسجل الجامعة الإسلامية والتي شيدت برغم أنف المحتل الصهيوني , وفى مواجهة سياسة التجهيل التي كانت تعتمدها سلطات الاحتلال , وتحاول فرضها على الشعب الفلسطيني تم تأسيس الجامعة الإسلامية وكانت عبارة عن مجموعة من الخيام , ودرس فيها الطلاب وتخرج منها الكوادر والعلماء , التي شاركت في مسيرة البناء والمقاومة وبعد القصف والتخريب الذي استهدف الجامعة , استحضرت التاريخ وعادت على موعد مع الخيمة لتحطم عليها سياسة المحتل الصهيوني وتقهره من جديد .
اليوم وبعد العدوان الصهيوني الأخير على غزة , دمر الاحتلال أكثر من خمسة ألاف منزل وأكثر من 90 مسجد , والمئات من المؤسسات والجامعات والمدارس والوزارات , يتجلي الصمود بأعظم صورة الفلسطيني , لا ينكسر كيف لا وهو صاحب ثقافة تقوم على المقاومة وتحدي المحتل , ومواجهة سياساته الإجرامية وعدم الخنوع والخضوع لإجراءاته الوحشية , فلقد صمد هذا الشعب في مواجهة أفضع حصار في التاريخ , ووقعت عليه حرباً جبانة صبت فيها النيران من البحر والجو والأرض إلا أن شعبنا وقف شامخاً يواجه مؤامرة الاعمار عبر شعار باقون على الثوابت ولو قضينا العمر في خيمة .
تناولت وكالات الصحافة الكثير من المواقف , التي ليس لدينا أدني شك أن يتأخر عنها شعبنا المقاوم , شيخ طاعن في السن يخاطب الصحافة لن نغادر أرضنا وسوف نبني إلى جانب البيت المهدوم خيمة ونعيش , وانتشرت الخيام من جديد في مناطق شمال وشرق غزة والتي أراد العدو الصهيوني من خلال هدم البيوت , تهجير ساكنيها لإقامة منطقة عازلة إلا أن إصرار المواطنين على العيش في الخيام على أنقاض البيوت أفشل الهدف الصهيوني.
وفى مشهد أخر عدد من العرسان لم يقف الخراب , الذي أحدثه العدو في منازلهم عائق أمام إتمام مراسم الزواج وكانت ليلة العمر في خيمة , كما أن وزارة الداخلية دشنت مقرها الجديد بجهود وطنية ولم تحتاج للمال الأمريكي والتمويل الغربي من أجل ذلك , ورأس المال في ذلك خيمة ويبقى الوطن في منعة من تدخلات الأجنبي.
لسنا من هواة الخيام وما يحدث في غزة , ليس نوعا من أنواع الترف حين يحاول البعض تغيير روتين الحياة , بممارسة بعض الطقوس الحياتية على شاكلة التخييم في الصحراء أو على شاطئ البحار , أن المواطن في غزة يحتاج إلى كل عوامل الحياة المدنية وان عملية الحرمان الممنهجة , عبر الحصار المشدد منافية لأبسط معايير حقوق الإنسان , وبعد أن سقطت كل مبررات الحصار فلم يعد سبيلا إلا لرفع عن كاهل المواطن الذي أعطي إشارات الصمود والاستمرار في الحياة , ولو كانت في كنف خيمة إذا كان الواجب الوطني والمسؤولية اتجاه القضايا المركزية يحتم ذلك , وأكد شعبنا جاهزيته للتضحية والعطاء في كل المراحل التاريخية , ووقف سداً منيعاً في مواجهة المؤامرات واستهداف القضية الفلسطينية.